معرض أهوار / التحول من مشهد الطبيعة إلى ذاكرة المكان رحيم يوسف
لا تختلف رسومات الطبيعة بين فنان وآخر إلا من خلال المسارات الأسلوبية والقدرات الأدائية لدى كل منهم، والطبيعة كمعطى جمالي، ولا نأتي بجديد حين نقول إن الطبيعة اكتسبت أهمية كبيرة في الفن منذ نشوئه وحتى يومنا هذا، غير أن ثمة فنانين يتعاملون مع الطبيعة لا باعتبارها معطى جماليًا فحسب، بل باعتبارها جزءًا من هويتهم، وخصوصًا من يتصدون لتجسيد السطوح التصويرية التي تمثل أهوار جنوب العراق، ذلك أن تلك المناطق الساحرة هي التي تشغل الحيز الأساسي من ذاكرتهم الممتدة في عمق الطين، باعتبارهم نشأوا فيها، وبذلك فهي تشكل عمق هويتهم وانتمائهم، ولا يشتط عن ذلك الفنان التشكيلي الدكتور عمر المطلبي، لأن جذوره تمتد في تلك المناطق التي تمثل سحرًا ما بعده سحر للفنانين التشكيليين، وهي تسكن في جيناته، حتى وإن لم يكن قد ولد فيها واحتضنت خطواته الأولى، ومارس الطين سحره على أصابعه حين لمسه للمرة الأولى، ولذلك فإنه حين يجسد ذاكرة تلك الأماكن، فإنه يجسد إرثه الشخصي قبل أن يجسد إرثًا حمل ثقل التاريخ الحضاري الأول على صعيد الكون.
لا بد أن أبدأ بسؤال مفاده: هل يمكننا اختزال التجربة في جملة واحدة؟ والجواب سيكون بنعم، فقد تحول الفنان من رسم الطبيعة كما تُرى إلى رسم الإنسان كما تتذكره الطبيعة، كما يمكنني القول إن هذه التجربة هي الأكثر نضجًا، لأنه لم يبحث فيها عن موضوع جديد، وإنما يعيد صياغة علاقته بالموضوع وبالرؤية وباللغة التشكيلية نفسها، ففي تجربته السابقة كان المشهد يتحرر تدريجيًا من تفاصيله الواقعية ليقترب من التجريد؛ أما الآن فقد أعاد له الإنسان، بعد أن مرّ المشهد كله عبر تلك التجربة. ولذلك لا نجد أمامنا واقعية تقليدية، وإنما عالمًا يقع في المنطقة الخصبة بين التشخيص والتجريد، والرؤية والذاكرة، والمكان والإحساس، لأن (المرأة، القارب، الماء، الأكواخ، الضوء والأفق) ليست مفردات منفصلة، بل أجزاء من ذاكرة واحدة.
ومن الواضح أنه لم يتجه إلى التشخيص المباشر، ولا خاض في التجريد كما في التجربة السابقة، إنما خاض في خط وسط بينهما، أو تمكن من جمعهما بمعنى أدق، في تجربة حملت السمات الأسلوبية للمسارين، في تجربة حملت أسرارها الفنية الجمالية عبر قدرته على تطويع المشخصات والخطوط والكتل اللونية، على الرغم من وضوح بعض التأثيرات المرجعية على صعيد الضربات اللونية التي يمكن وصفها بأنها انفعالية في مواضع محددة من السطوح، دون أن تشكل خللًا فيها. وإذا كانت تجربته التجريدية السابقة قد اتجهت إلى الطبيعة، والتي عمل من خلالها على تفكيك المشهد وإعادة بنائه بلغة التجريد، فإن السطوح الجديدة كشفت عن منعطف آخر في المسار. مع أن هذا المنعطف لا يعني العودة إلى التشخيص الواقعي، ولا التخلي عن روحية التجريد كما أشرنا، بل هو أقرب إلى إعادة اكتشاف الإنسان داخل الطبيعة، ففي سطوح المعرض يدخل الإنسان إلى المشهد، لكن دخوله لا يعيد السطح إلى الواقعية. فالمرأة، والقارب، والبيت، والماء، والأعمدة، والأفق، كلها تخضع لمنطق تشكيلي واحد، هو المنطق الذي اكتسبه من تجربته مع الطبيعة حين جعل اللون والكتلة والخط والإيقاع أكثر أهمية من التفاصيل الوصفية. ومن هنا تأتي أهمية هذه المرحلة، إنها لا تنقض التجريد السابق، وإنما تستثمره في بناء عالم إنساني جديد.
ثمة فرق واسع بين أن يرسم الفنان الطبيعة وأن يرسم المكان، فالطبيعة يمكن أن تكون شجرة، وماءً، وسماءً، وضوءًا أو تضاريس. أما المكان فهو طبيعة دخلت إليها الحياة، وتركت عليها آثارها، وأصبحت مرتبطة بالذاكرة والعمل والعادات والأجساد. وهذا تحديدًا ما يفعله هنا، ففي السطوح السابقة كانت الطبيعة تستحوذ على النظر، وكانت عناصرها قابلة للانحلال إلى مساحات لونية وإيقاعات تجريدية. أما في هذه السطوح، فقد أصبح المكان مأهولًا. هناك امرأة تنتظر، وأخرى تعمل، وثالثة تقف قرب الماء، وقارب يعبر أو يستقر، وبيوت وأكواخ تتناثر في الخلفية، وبذلك فقد تحول من تجريد الطبيعة إلى تشخيص الذاكرة، وهنا يكمن الفرق بين التجربتين، لأن الفنان لم يتخل عن لغته السابقة عندما عاد إلى الإنسان، وإنما جعل الإنسان نفسه جزءًا من اللغة.
إن حضور المرأة هو أكثر ما يميز هذه التجربة، لكن حضورها ليس كبورتريه، أو جسد ذي حضور جمالي، بل كجزء من جغرافية المكان. ففي أحد السطوح تجلس بالقرب من الماء، فيما تنتشر القوارب في الخلفية. وفي آخر اثنتان أمام فضاء مفتوح، بينما يقطع القارب المشهد بينهما والأفق. وفي آخر تقف امرأة بثوب أزرق أمام الماء، بينما تظهر امرأة أخرى في العمق، وعليه فإن تكرارها ليس اعتباطيًا، بل عضويًا باعتبارها جزءًا من تكوينه وذاكرته، وهذا التكرار لا يبدو اعتباطيًا. المرأة هنا مرتبطة بالمكان ارتباطًا عضويًا؛ فهي ليست زائرة له، بل جزء من تكوينه وذاكرته، مع ملاحظة أنه لا يمنحها ملامح واضحة، بل مختزلة، ويحوّل الملابس، ويحوّل الجسد إلى كتلة عمودية، ومن هنا ينقلها من حضورها كفرد ويحولها إلى علامة، وهي ليست امرأة، بل حضور إنساني يختصر حياة كاملة.
الفنان يجعل اللون قادرًا على إنتاج الجسد عندما يحول الجسد إلى كتلة لونية، ومن هنا يمكننا القول بأن ثمة صلة بين هذه التجربة وسابقتها، وهو لا يبدأ من الجسد ومن ثم يكسوه اللون، بل يجعل اللون هو من يستدعي الجسد، فالثوب الأسود في أحد السطوح يتحول إلى مساحة كبيرة من الظل، لتتجاوز الشخصية نفسها. واللون الأزرق في آخر لا يصف ثوب المرأة فقط، وإنما يصبح قوة بصرية مقابلة للأصفر المحيط بها. والبرتقالي في سطوح أخرى لا يؤدي وظيفة تصويرية، بل يدخل في بناء الإيقاع العام للسطح، مع ملاحظة عدم غياب الحس التجريدي، ولكي نتمكن من التعرف بسهولة إلى المرأة والقارب والبيت، تبقى هذه العناصر قابلة للقراءة باعتبارها علاقات لونية وكتلية قبل أن تكون أشياء واقعية.
القارب هو المفردة التي تتكرر بإصرار، وهو لا يجسده هنا باعتباره إشارة بيئية وجزءًا من ذاكرة المكان ووسيلة النقل الأولية فحسب، بل باعتباره خطًا منحنيًا طويلًا يقاوم كثافة الخطوط العمودية المنتشرة في المكان، فالأعمدة والأخشاب والبيوت والشخصيات تقف عموديًا، بينما يتحرك القارب أفقيًا أو بمنحنى صاعد. ومن هذه العلاقة ينشأ إيقاع بصري مهم جدًا، وبهذا فإن القارب جمع بين مستويين: معناه المحلي الذي يحيل إلى البيئة والعلاقة بالحياة اليومية في المستوى الأول، وقيمته التشكيلية لدوره في تنظيم فضاء السطوح على المستوى الثاني، ليصبح القارب جزءًا حيويًا من هندسة السطح.
وتتجلى قدرات الفنان اللونية بشكل واضح جدًا من خلال الماء، فالماء في التجربة هو العنصر الأكثر تحررًا لونيًا، فهو لا يبقى أزرق دائمًا، بل يتراوح بين الأبيض والرمادي والأخضر والأصفر والبنفسجي والأزرق. وهذه الحرية اللونية تجعل الماء أشبه بسطح تتداخل فيه الأشياء، لأن القارب ينعكس فيه، والسماء تذوب داخله، والبيوت تمتد نحوه، والأجساد تقف على حدوده. وبذلك لا يتحول الماء إلى خلفية، بل يتحول إلى فضاء متحرك للذاكرة، لا يحتفظ بصورة واحدة للأشياء، وهذا يتناسب مع التحول الذي ذكرناه، لأن المكان لم يعد شيئًا ثابتًا أمام العين، وإنما أصبح شيئًا يستعيده الفنان من الذاكرة.
وأخيرًا، ولأن الفنان يرسم من الذاكرة، والذاكرة لا تحفظ الأشياء كما هي، يمكننا الإجابة عن سؤال يطرق أذهاننا، وهو: لماذا تبدو الشخصيات أحيانًا غائمة الملامح، ولماذا تبدو العمارة مختصرة، ولماذا تتداخل السماء والماء والأرض، ولماذا لا توجد حدود صارمة بين الأشياء؟
وذلك لأن عالمه التشخيصي يتفكك سريعًا. فالسطح مليء بالضربات السريعة، والخطوط المتقاطعة، والبقع اللونية، والمساحات الممسوحة والمتراكبة، لأن البيت ليس مكتملًا، والقارب ليس قاربًا بالضبط، وكذلك المرأة ليست دراسة تشريحية، والماء ليس واقعيًا. إنها جميعًا آثار لونية تتعاون حتى تنتج صورة يمكن للعين التعرف إليها، وبهذا فهو لا يرسم الواقع ثم يختصره، بل يبني واقعًا من عناصر مختزلة، ثم يسمح للعين بأن تستكمل ما غاب منه، ومن هنا تبقى صلة التجربة قائمة مع التجريد.









