طالب محمود السيد
تخطيط / كاظم السيد علي
تركض حافية الروح، لا ظل لها يسبقها أو يتبعها، تطأ بقدميها الصغيرتين الحشائش الرطبة والأوراق الندية بقفزات رشيقة، كأنها غزالة أطلقت لجموحها العنان حين اطمأنت لغياب الرقيب في غابة عميقة كثيفة.
تركض بل تحلق، لا يعيق تحليقها ساقاها المكتنزان بعد أن تحررت من العباءة والدشداشة وما تحتها، بقفزات طويلة وعالية، تجتاز جدولا أو تعبر هوة اعترضت طريقها، ضاحكة وهي تجتاز الدروب الضيقة بين الأشجار العالية، مزيحة عن دربها الأغصان المتشابكة، تنحني حينا، وتروغ حينا، وتلتف أحيانا أخرى، أردافها تتماوج مع حركاتها السريعة، أردافها الصلبة الناعمة الصقيلة التي منحتها للريح، يتلاعب بها بلا رادع ولا حاجز ومانع، وصدرها الذي يرتج على إيقاع عدوها الذي يشبه خبب الفرس المدللة.
اعتادت الهروب من الناس والضيم وكل من يعرفها، وتلجأ لهذا البستان المهجور. يقال إن أصحابه غادروه إلى بلاد بعيدة بعد إفلاس تجارتهم وتراكم الديون.
اكتشفت حفرة في طوفة البستان الشاهقة بالصدفة، حفرتها الكلاب أو الواوية، وولجت إلى البستان، زحفا.
لم تصادف في جولاتها السابقة إنسانا يعكر عليها صفو خلوتها، تركض وتمشي مطمئنة، وتقطف الثمار، وتستحم في ماء البركة الصافية بلا خشية أو خوف. صممت هذه المرة على ما عزمت عليه مرات ومرات، بلا تردد أو تأجيل.
كانت ظهيرة يوم جمعة من ظهاري آب اللهاب، راحت تفتش عن سبب يحررها من الدشداشة، سبب مقنع لها. مشت خطوات باتجاه صوت خرير مياه ومويجات تلطم الحواف، تدفعها ريح لاهبة، ومثل غزالة وجلة تقدمت نحو مصدر الصوت. وسط تكاثف الأشجار وأغصانها المتشابكة، اهتدت إلى بركة ماء واسعة صافية كعين الديك، تختفي خلف سياج كثيف من أشجار القلم طوز والصفصاف والسدر والنخيل والتفاح. اقتربت تتلفت حولها يمينا وشمالا، ووقفت عند حافة البركة، فرأت صورتها على صفحة الماء الرقراق، شعرها وقد علقت به بعض الأغصان والأوراق الجافة والخضراء. رأت صورة روحها العارية، تقاطيعها، تفاصيل جسدها الذي لم يمنح إلا القشور لزوجها الذي اختفى ومضى إلى غير رجعة. ربما استجابت السماء لدعائها بالخلاص من حمزة أبو حدبة، السكير الرعديد، الشاذ، الذي كان ينهال عليها بالضرب والعض والإيذاء بأقسى صوره في السرير، إلى حد أنه رماها بخنجر ذات ليلة، ولولا أنها تفادت الضربة المباشرة لكان الخنجر قد انغرز في لحم مؤخرتها، إلا أن الضربة تركت ندبة صغيرة أعلى فخذها الأيمن، ظلت تذكرها في كل مرة تلمسها أنها نجت من سجن أبو حدبة المؤبد بمعجزة.
جلست على حافة البركة ودلدلت ساقيها في الماء الجاري، جفلت لبرودة الماء، ثم اعتادت برودته. تناولت جذعا يابسا وجدته قربها، اختبرت به عمق البركة، وخمنت أن الماء يصل لصدرها أو أعلى قليلا. شعرت بنشوة لمس الماء لجسدها، وكانت الأغصان الطافية تمرق بين ساقيها وتصطدم بهما، كما لو كانت تداعبهما برفق حينا وباندفاع شهواني حينا. وكلما انغمست هيام في عمق الماء، ازدادت مداعبات تيار الماء وخفت مشاكسات الأغصان الصغيرة والأوراق الطافية. تجاوز الماء سرتها الغائرة، وأخذت تشعر بمداعبة الماء لحشائش عانتها الناتئة، وكانت ترتجف مغمضة العينين لهذا الهاجس. الماء يضاجعها بطريقته، يلمس عريها ويمر بأصابعه الرطبة فوق عانتها برفق العاشق الحنون.
غاصت حد الرقبة، وأخذت تشهق شهقات صغيرة متقطعة متواصلة، تلك الشهقات التي سمعت المسعدات يتحدثن عنها في مخادع الزوجية أو في أحضان الحبيب والعشيق. لم تختبر تلك الشهقات مع حمزة أبو حدبة، ولا مع سواه، لكنها الآن تشتعل في حضن الماء.
غمست هيام جسمها اللدن بالكامل حتى قمة شعرها، كما لو أنها كانت تتطهر من ذنب قديم.
أخذت تغط وتخرج وتقفز من قاع البركة، وتعاود الغطس، وتطيل المكوث تحت الماء. وفي الغطسة الأخيرة أخرجت رأسها، وخيل إليها أنها رأت رجلا يجلس مقرفصا عند حافة البركة، يتابعها بلا اكتراث. اضطربت وغطست لتطرده من عقلها، وحين أخرجت رأسها وجدته جالسا هناك يدخن بهدوء، ساكنا، باردا.
“إذا ما تعرفين تسبحين، اطلعي، الماي ليكدام غميج.”
اصطكت، هذا لم يكن هاجسا إذن.
وببلاهة ردت عليه بصوت بدا لها ليس صوتها:
“شعليك أنت، أعرف ما أعرف، مو شغلك.”
استغربت ردها، هذا الصوت لا يعود لها، وهذا ليس ردها. نظرت إليه، وجدته مستغرقا بلف جكارة أخرى، غير مبال بوجود امرأة عارية على بعد شبرين منه. ساد صمت قصير قطعه خفق أجنحة طائر مختبئ بين الحشائش. لاحظت أنه يتابع تحليق الطير باهتمام يفوق اهتمامه بعريها وجسدها المكتنز. لسبب ما شعرت بطمأنينة مستغربة في مثل تلك المواقف، طمأنينة عاتبت نفسها عليها، وهي التي تعمل شعيرات استشعارها الدفاعية بقوة لمجرد أن تلمح نظرة مو تمام في عين وحيد الكصاب أو خنة في صوت فاروق أبو الكهوة. فكيف بها وهي تقف عارية تماما أمام رجل، إن مد يده نحوها سيعتصر نهديها إن أراد، أو يدسها بين ساقيها المبللين؟
وفي لحظة سريعة خاطفة وجدته ينهض ويرمي لها دشداشته، ويدير ظهره ويمشي مبتعدا بهدوء. همت بارتداء الدشداشة داخل الماء، حتى وإن تبللت، فمن يحزر نية هذا الزائر الغريب؟ وفي غمرة انشغالها بارتدائها انزلقت قدمها ووقعت، وأخذت تكافح للاعتدال بلا جدوى، لكن يدين واثقتين رفعتها نحو الأعلى بسرعة وثبات. وحين أخرجت رأسها من لجة الماء، عبت الهواء عبا، ووجدته بعد حين يحملها إلى الجرف بيد، وبالأخرى دشداشته.
استكانت قليلا وهدأت، لكنها جفلت حين تذكرت أنها عارية كيوم ولدتها أمها. فتحت عينيها الواسعتين على اتساعهما، وجالت ببصرها. أيقنت أنها ملقاة على بطنها، إذ كانت الحشائش والأغصان تخدش عانتها وبطنها ونهديها المترعين خدشا ناعما.
مرة أخرى راودها هذا الإحساس بالطمأنينة القلقة بلا سبب وجيه، ربما لأنها وجدته قد غطى مؤخرتها المكتنزة بدشداشته المبتلة. سكتت حائرة، ماذا تقول؟ هل تشكره لإنقاذها من الغرق؟ هل تشتمه لأنه كشف عريها؟ حاولت أن تتكلم، لكن صوتها خذلها، فظلت راقدة، مستسلمة ربما، مستمتعة بمداعبة الحشائش لعريها. حدست أنه يحدق الآن بساقيها الملفوفتين المبتلتين ومؤخرتها المستورة بالكاد تحت قماش نفنونها المكوم المبلل فوق أليتها الناصعة الصلبة الناعمة. همت بالنهوض حتى وإن كانت عارية، فما الذي ستخفيه عن الرجل؟ ومن يدري، ربما قلبها يمينا وشمالا في غيبوبتها ولمسها في أكثر الأماكن سرية.
هي خربانة خربانة، همست لنفسها.
حين شرعت بالنهوض، باغتها دوار أعادها إلى الأرض، وجثت على ركبتيها، وأحست بلسع الريح الساخنة على مؤخرتها هذه المرة، لأن بقيامها كشفت عن وهج تلك المؤخرة اللامعة المبتلة حين انزاحت الدشداشة. وضع يده تحت صدرها وسحبها نحوه وأنهضها. شعرت بالدوخة تشل حركتها، فأسندها، يكاد يسحلها، إلى جذع النخلة، وجثا بين ساقيها يزيل عنها الأوراق والأغصان والطحالب، بغير اكتراث. راودها شعور خفي بالإهانة.
“هذا شبيه؟ شنو الگدامك، مو مرة مصلخة! شو الزلم تتمنى تشوف چعب رجلي.”
وكان صوت آخر يؤنبها، كأنه يأتي من مكان قصي في قلبها أو عقلها:
“ولچ، إنتِ بيا حال؟ دشوفي روحچ.”
كانت ترى جسدها العاري مكشوفا أمام ناظريه، لكنها لم تلمح تلك النظرة الذئبية في عينيه الباردتين الساهمتين عنها، يتطلع في أرجاء البستان الفسيح بعيدا عنها.
خلع دشداشته وألبسها لها، وسحبها سحبا، يسير إلى جانبها صامتا بلباسه الطويل، واضعا دشداشته المبللة على كتفه.
“خاف تستبردين وتتمرضين، انتظري لحد ما تيبس دشداشتج.”
أطرقت باستسلام ومشت إلى جانبه، زنده يلامس نهدها الأيسر، الذي أفلت من فتحة دشداشته العريضة، فتركته منفلتا بلا جهد فعلي لإخفائه. مشت ولا تدري إلى أين يقودها بصمت، لكنها وجدت في ملامسته شيئا غير مألوف. كان جسده يحتك بجسدها بلا نية أو قصد مسبق منه، لكن بعض اللمسات كانت ترجها وترجفها في مسيرهما. فعند عبورها قنطرة صغيرة كادت أن تسقط لشدة الإعياء، سارع إلى احتضانها من الخلف، وشعرت بثقل صدره على ظهرها وساقيه على مؤخرتها، وعبر بها القنطرة. وعندما انحنت فجأة، وكان خلفها، لإزالة شوكة صغيرة علقت في مقدمة قدمها، ارتطم بها، وسقطت مؤخرتها في حضنه.
كان يشق الطريق أمامها بين الأغصان والأشجار الكثيفة، وأحيانا يمشي خلفها في الطرق الضيقة الخفية المعتمة. وصل إلى بيت طيني لم تكن تتخيل أو تتصور وجوده، بيت صغير لكنه نظيف، مخفي عن الأعين بعناية، أثاث متقشف لكنه أكثر من كاف لرجل مثله، بسط مفروشة ووسائد محشوة بالريش والقطن، وفي ركن منه أقام ما يشبه المطبخ، وفي الركن المقابل أنشأ حماما بسيطا، وعزل المرافق خارج البيت غير بعيد.
جلب لها فراشا قطنيا وغطاء خفيفا ووسادة، وطرحها، بدون استئذان، وهي بهذا الاستسلام العجيب استلقت دون اعتراض. أغمضت عينيها باستسلام وجدته استسلاما لذيذا، مريحا. وفي لحظة فكرت بأن تختبر نواياه تجاهها، اختبار خفي، أنثوي محض. استغلت انشغاله بالبحث عن دشداشة أخرى يرتديها، بدلا من دشداشته التي أعارتها لها، واختطفت نظرة فاحصة لما بين ساقيه. عاودها ذلك الشعور بالأمان، وفكرت بصوت خفي:
“هاي لو واحد غيره جا هسه، أني حبله بخمس تشهر.”
كادت أن تفلت منها ضحكة لهذا الخاطر الساخر، لذا سارعت لإخفاء وجهها تحت الغطاء، وابتسامة مشرقة أضاءت وجهها. وثمة صوت يستفز أنوثتها المهانة لعدم اكتراثه لفتنتها وجمالها وعريها الصارخ، فيما همس لها الصوت المؤنب داخلها:
“ولج، بربوج، أحمدي ربج وهيدي.”
غفت لا تدري كيف ومتى، وحين أفاقت، داهمتها رائحة الجاي، تزاحم رائحة البطيخ الشهية، ورأته قرب الرازونة يحدق ويدقق النظر في شيء ما خارج البيت استرعى كل اهتمامه، ثم خرج مسرعا، لم يلتفت إليها، كأنها غير موجودة. سمعت خطواته تبتعد ناحية البركة. تمطت ونهضت بكسل واضح، غسلت وجهها ورتبت شعرها أمام مرآة التصقت بالحائط الطيني يحيط بها العجين المتيبس، عقدت الدشداشة حول خصرها، كاشفة عن ساقيها اللدنين المكتنزين.
صبت لنفسها استكان جاي وشربته بتلذذ وتأني، شربته كما لو كانت في بيتها، بلا وجل أو حذر أو ارتياب، لكنها لم تكف عن السؤال: ما سر هذا الشعور بالأمان؟ بالراحة؟ بالألفة؟
عاودت النظر من خلال الرازونة، أيقنت أنها وحدها، وحدها تماما، لا يشوش هذه الوحدة إلا نقيق الضفادع وهديل الفخاتي ونعيق غراب مرق في سماء البستان الفسيح المهجور. حانت منها التفاتة إلى حبل قصير معلق بين ركن المطبخ وكوسر الباب، التفاتة سمرتها في مكانها وعقدت لسانها. كانت عباءتها تستريح مسترخية على الحبل، وإلى جانبها يستلقي لباسها الصغير.
هل كان يعرف أمكنتها التي اعتقدت أنها سرية؟ أمكنتها التي تخفي فيها ملابسها حين تستأنس وحدتها وتطلق لعريها العنان؟ أسئلة ظلت إجاباتها معلقة.
كانت الشمس تلملم شعاعها خلف ظلال الأشجار والنخيل والسدر، والمساء يتهيأ لنشر ستارته السوداء في الأرجاء. كان الظلام يسري في دروب البستان وئيدا بلا ضوضاء ولا جلبة، إلا خطوات الرجل العائد لبيته وسعاله يسبقه مع كل جكارة ينفث دخانها ويملأ بها رئتيه.
دارت في رأسها الأسئلة، معلقة بلا إجابة، مثل الثياب المعلقة فوق الحبل. كانت صرخة داخلية تتضخم في حلقها. هذا التصرف لا يشي بشهوة، لقد غسل سرها. لقد غسل سرها بيديه، بلا كلمة، ووضعه في متناول بصرها.
في تلك اللحظة، عاد الرجل، سعاله يسبقه. دخل بهدوء، ورآها تقف عند الحبل، محمرة الوجه، محتقنة الخدين. جلس مقابل النافذة، يتابع الظلام وهو يسري في البستان.
ساد صمت طويل وثقيل، قطعته هي أخيرا بصوت متهدج بالكاد:
“ملابسي… شلون؟”
نظر إليها بعينين هادئتين، لم تبد عليه أية علامة للتوتر أو الحياء.
“لگيتهم مكوّمات تحت شجرة البرتقال، مبللات ومطينات. غسلتهن قبل لا يجي الليل.”
ابتلعت هيام ريقها بصعوبة. كان رده عمليا، خاليا من شعور الذنب أو التبرير. هذا الهدوء هو ما أشعل بداخلها الانفجار.
صرخت، ودموع الغضب والارتباك بدأت تتجمع في عينيها:
“ليش ما تحرشت بيّ؟ كل الزلم يحچون بـ’چعب رجلي’ وباللحم الأبيض… أنت شنو؟”
تأمل وجهها المضطرب لبرهة. ثم أشار نحو الحبل بيده، بلا كلمة واحدة.
سحبت وردة أنفاسا عميقة. لأول مرة، لم تجد في داخله الذئب الذي اعتادت مواجهته في أعين الرجال.
“وإنتَ؟ منو إنتَ؟” سألت بهدوء مفاجئ.
تنهد الرجل وأعاد إشعال سيجارته، ناظرا إلى الخارج، وتركها غارقة في بحر الأسئلة بلا جواب.
لم تشعر هيام بالراحة التي اعتادتها فحسب، بل بشيء يشبه جدار حماية «السكون»، سكون بعد عاصفة. الرجل لم يكن مجرد منقذ، بل جدار حماية غير مهتم بفتنتها. ربما كان هذا هو المعنى الحقيقي للأمان.
نهضت وردة، وبعفوية لم تفهمها، سحبت ثوبها من الحبل، وجففت به دموعها. ثم عادت إلى فراشها.
في صباح اليوم التالي، استيقظت.
التفتت حولها، لم تجده في أي مكان.
نهضت هيام، ونظرت إلى العباءة المطوية التي تمثل ماضيها، وإلى الرداء الذي ترتديه (رداء الرجل) الذي يمثل حاضرها، وإلى ملابسها الداخلية المعلقة على الحبل التي تمثل سرها المكشوف. شعرت بأنها تتنفس لأول مرة منذ زمن بعيد.
في تلك اللحظة، لم تعد بحاجة لسؤال: ما سر هذا الشعور بالأمان؟ لقد أدركت الإجابة وهي تنظر إلى صمت المكان: الأمان هو غياب النوايا، وغياب الرقيب. هو أن تُرى عارية دون أن تُشتهى، وأن تُنقذ دون أن تُمتلك.
كان الرجل جالسا منهمكا بربط حزمة حطب. لم ينظر إليها وهي تقترب. سلمت بعبارات مرتبكة.
أومأ برأسه دون أن ينطق، واستمر في ربط الحطب.
«سأبقى.» قالت جملتها قاطعة ونهائية.
توقفت يده عن الربط، ورفع نظره نحوها، لأول مرة تراه ينظر إليها بتركيز. كانت نظرة غير واضحة المعالم، ليست ترحيبا ولا رفضا.
«هذا مو مكان للنسوان»، قال بصوته الخشن الهادئ.
ابتسمت هيام بوهج لم يرسمه على وجهها حمزة أبو حدبة قط، ولا لمسة ماء النهر. كانت ابتسامة المنتصر.
«أني ما جايتك ضيفة، جيتك دخيلة، مهزومة من الضيم والذيابة اللابسة ملابس الرياجيل.»
أطلق الرجل زفيرا طويلا من سيجارته، نظر إلى البركة للحظة، ثم أعاد نظره إلى وجهها.
«لكن ماكو أحد هنا يخدمج، هنا كل واحد يخدم نفسه، ويعيش بروحه.»
«أني عشت طول عمري أخدم الناس وأعرف ذل الخدامة، محتاجة بس شي واحد، تعوفني الناس لحالي»، أجابت.
في تلك اللحظة، أيقنت هيام أنها لم تعد تلك الفتاة التي تركض متخفية حافية الروح. لقد أصبحت حقيقة عميقة وراسخة، مثل شجرة السدر الباسقة التي تنبت في تربة البستان الطينية.
استدارت هيام نحو عمق البستان العميق الشاسع، تاركة الرجل صامتا خلفها. بدأت تقطف ثمار التوت، وتبحث عن الأعشاب. إنها تتعلم الآن فن الوجود، لا فن الهروب.
بقي الرجل وحده عند البركة، يشاهدها وهي تتوغل بين الأشجار، حافية القدمين والروح.
ومضى إلى حيث وضعت هيام عباءتها السوداء، وأخذها بيده، وفتح الركن الطيني الصغير الذي يستخدمه موقدا. لم يحرقها فحسب. وضعها بعناية فوق الجمر، ووقف يشاهد دخانها يتصاعد، دخان ثقيل، يحمل معه عبء تاريخ من القمع.
تصاعد الدخان فوق أشجار السدر والنخيل، وبدلا من أن يشتت انتباهه، تابع الرجل الصامت الدخان حتى اختلط بدخان القش المحترق، وكأن الدخان لم يكن مجرد عباءة تحترق، بل كان العهد الجديد للغابة.
كانت الشمس تتوسط السماء، وبدأ رجل البستان، الذي لا اسم له، يقطع الأغصان استعدادا ويهيئ خمرة الطين لبناء غرفة ثانية.









