علي سلمان غالي
أتعبني البحث عن عتبةٍ نصيةٍ لموضوعٍ أنوي كتابته عن (فالح حسون الدراجي)، الذي جاء اسمه الآن بعفوية تامة، (حاف) من أي لقبٍ أو صفةٍ لفخامة الاسم عندي، فكل العناوين أشعرتني أنها لا تلامس حتى حدود خارطته بداخلي، هذا وأنا المعروف بين أقراني من الشعراء والصحفيين باصطياد أندر العناوين الدالة بإبداع على محتوى مواضيعي في أعمدتي الصحفية وفي برامجي، حيث التكثيف والدلالة والإيهام والإدهاش (هذا للتوضيح وليس للتبجح طبعاً)، أنا المهووس بكل هذا وجدتني عاجزاً عن أن أضع عنواناً يحتوي على بعض فالح حسون الدراجي ويفيه بعض حقه عليَّ وعلى أغلب شعراء جيلي من أبناء مدينة الثورة العظيمة التي شرفها الله باسم الصدر فيما بعد.
وأخيراً اهتديت إلى مفردة (العرّاب) واعتمدتها كعنوان بعد أن وجدت فيها بعض ضالتي، وهي حقيقة تعبر عما كانه أبو حسون بالنسبة لنا، فكلمة العرّاب بكل ما فيها من معانٍ ساميةٍ ودلالاتٍ رائعة، كالأبوة الروحية والاكتشاف والرعاية والتوجيه والاحتضان، كانت كلها في هذا الرجل، حيث كان خيمتنا التي لا تمل احتواءنا ورعايتنا، كان يتابعنا باهتمام بالغ، ويحثنا على القراءة والابتكار والمشاركة، ويفتح لنا أبواب الفرص الممكنة، ويشجعنا بكل ما أوتي من طيبة نفس، كان يحب أن يجمعنا دائماً في بيته، ويجعل من كل اجتماع أمسية شعرية يقرأ فيها كل منا جديده، يحضر مناسباتنا الاجتماعية ويشترك فيها، بل يساعدنا على إتمامها عن طريق شخصيته وعلاقاته الواسعة، لهذا كنا متعلقين به حد التعلق، وأقولها الآن وبعد هذا العمر، وبملء فمي، إنني كنت متعلقاً به كالطفل، رغم أنه لا يكبرني عمراً إلا بثماني سنوات فقط، ولكنه في الواقع المعاش كان يكبرني بمسافات بعيدة شهرةً وإبداعاً ومنجزاً، حيث كنت أراه ينتمي إلى مجموعة الكبار في مدينتنا، وهم كاظم إسماعيل الكاطع وعريان السيد خلف وكريم العراقي، وربما هناك كبار آخرون ضمن هذا الرعيل، ولكني لم أكن أعرف وقتها غير هؤلاء، حيث كنت أنظر إليهم أنهم من عالم آخر، أتابعهم وأقرأ لهم، حيث كانت دواوينهم تُطبع آنذاك، وبالمناسبة هناك ديوانٌ كان مشتركاً لكل هذه الأسماء الكبيرة، وهو معهم.
فالح حسون الدراجي كان قد اشترك في مهرجانات قطرية على مستوى العراق مع هذه الأسماء وغيرها الكثير، تجربة فالح حسون الكبيرة واسمه الكبير وشهرته العريضة هي التي صيّرتني وقتها تلميذاً شغوفاً بهذا المعلم. تصور أني كنت أجلس من النوم صباحاً وأذهب مشياً على الأقدام من قطاعي/٣١ إلى قطاع بيت فالح/٤٣ في الجوادر، لكي أفطر معه بطلب منه.
هو يمتلك كاريزما تربوية عجيبة، ومواقفه في هذا المجال لا تُعد ولا تُحصى، فهو لا يخجل بأن يقول لك وأنت تلميذه حين تقرأ له شيئاً جديداً: «إنك أشعر مني»، ويشجعك بآلاف العبارات.
قال لي في ليلة رأس السنة ١٩٨٨-١٩٨٩م، وكنا نسهر في بيته، أنا وجواد الحمراني وجليل صبيح ورحيم المالكي ومحمد الغريب وطالب الدراجي وهاشم العربي، وآخرون لا أذكرهم، هو كعادته جعل من هذه الجلسة أمسية شعرية، وأخذ يقدمنا واحداً تلو الآخر، وحينما وصلني الدور قدمني بهذه العبارة، والجلسة مسجلة في (بكرة) لا زلت أحتفظ بها، قال ما نصه:
«إذا كنت أراهن على شروق الشمس غداً، فأنا أراهن على أن مستقبل الأغنية العراقية بيد علي سلمان غالي».
تصور أن يقول عنك شخص مثل فالح حسون الدراجي مثل هذا الكلام، وأمام هذه الثلة من الشعراء من أقرانك، لا أحد يتخيل ما مدى الحافزية التي أعطانيها في تلك اللحظات.
فالح حسون الدراجي عندما سُجن في سجن أبي غريب سنة ١٩٩٢م، أوصى بأن أجلب له عائلته أنا بسيارتي، ليشعرني بحجم الثقة التي يوليها لي، وفعلاً أخذت له عائلته مع واحد من إخوته الذين صاروا ولا زالوا هم إخوتي لحد الآن، وأتشرف بهم.
أعتذر جداً، لأنني لو أطلقت لنفسي العنان بالتحدث عن هذا الإنسان المكتنز شعراً وأدباً وخلقاً وعلماً، فلن أنتهي، لذلك سأختصر وأقول: إن فالح حسون الدراجي لديه سحره الخاص الذي يبثه في شعره وفي مواضيعه الصحفية وفي كلامه، ولا أجد غير كلمة السحر تعليلاً لمحبة الناس الجارفة له.
شافاه الله وعافاه، وأعاده سالماً غانماً إلينا إن شاء الله.









