ثقافية

المسرح الإغريقي.. تاريخ وبداية

محمد زكريا توفيق

 

بداية المسرح الإغريقي يمكن أن نجدها في أثينا، عندما كانت تُتلى الترانيم في المعابد تكريما للإله ديونيسوس (باخوس إله الخمر والابتهاج عند الإغريق). لكن، هل الإغريق حقا هم أول من عرف الفن المسرحي، أم هو فن مقتبس من المصريين مثل أشياء كثيرة أخرى؟

بطليموس الثالث، الحسن، (246-222 ق. م)، هو ابن بطليموس الثاني ابن بطليموس الأول. بلغت مصر في عهده، أوجها الحضاري. قام ببناء معبد حورس بمدينة إدفو. أحسن ما حُفظ من المعابد المصرية القديمة.

كُتبت على جدران المعبد، أقدم مسرحية وعمل درامي في العالم. تصور صرعا استمر 80 سنة. وفقا للأسطورة المصرية القديمة، هي عمر الصراع بين إله الخير حورس، وإله الشر ست، إلى أن ينتصر حورس في النهاية، ويؤول إليه حكم مصر.

كل عام، يحرص الفرعون على أن تعرض المسرحية على مسرح المعبد، حتى يؤكد نصر قوى الخير على قوى الشر. فهل هذا دليل على أن المصريين أيضا كانوا يعرفون الفن المسرحي والتراجيديا؟

الترانيم الإغريقية، كان يتلوها الكورس الذي يلبس أفراده ملابس خاصة وأقنعة تغطي الوجه. بعد ذلك، كان بعض أفراد الكورس يقومون بأداء مختلف عن الباقي، لكنهم لم يكونوا ممثلين، كما نعرفهم اليوم.

دور الممثلين جاء في القرن السادس قبل الميلاد، عندما قرر بيسيستراتوس حاكم مدينة أثينا، تكوين سلسلة من المهرجانات العامة. أحد هذه المهرجانات أقيم في مدينة ديونيسيا، تكريما للإله ديونيسوس. شمل مسابقات في الموسيقى والغناء والرقص والشعر. الغريب أن الفائزين في تلك المباريات، كانوا شعراء جوالة يسمون تسبيس.

كان التسبيس، في عامي 534 و535 ق. م، يركبون على عربة كارو يجرها الخيل، ويقومون بإلقاء الأشعار من الذاكرة، كأنهم ممثلون على المسرح. بذلك، يصبحون أول ممثلين عرفهم العالم. من هنا جاءت كلمة تسبيان (Thespian)، وتعني مسرحي.

أول مسرحية كانت بممثل واحد يسمى الراوي أو بطل الرواية، بروتاجونيست (Protagonist)، وكورس مساعد. لكن في القرن الخامس قبل الميلاد، استمر تطور المسرحية عن طريق عدة مؤلفين.

 المؤلف المسرحي أسخيلوس، أضاف ممثلا آخر لبطل الرواية، هو خصم البطل، أنتاجونيست (Antagonist)، وأنقص عدد الكورس من 50 إلى 12 فقط. مسرحيته بعنوان “الفرس”، التي مثلت عام 472 ق. م، هي أقدم مسرحية إغريقية وصلتنا من كنوز الإغريق، التي فقد معظمها في حريق مكتبة الإسكندرية.

تلميذه، سوفوكليس، قام بإضافة ممثل ثالث. بينما يوريبيدس، أضاف إلى ذلك مقدمة (Prologue)، وأضاف أيضا خاتمة في صورة شخصية إلهية تقوم بلم الموضوع، كما نقول بالبلدي.

أثرياء المدينة كانوا يدفعون ضرائب خاصة تطوعا لتشجيع الأعمال المسرحية. على أمل أن هذا يجعلهم مشهورين، لزوم النجاح في الانتخابات المقبلة.

أول مسرحية عرضت على مسرح ديونيسوس، المبني بجوار الأكروبوليس في أثينا، في القرن الخامس قبل الميلاد. منذ ذلك الحين، أصبح المسرح مشهورا، وانتشر في كل المدن اليونانية.

   الدراما المسرحية

الدراما المسرحية تنقسم إلى ثلاثة أنواع:

كوميدي أو الملهاة (تمثل بالقناع الأبيض أو ألوان فاتحة).

تراجيدي أو المأساة (تمثل بالقناع الأسود أو ألوان داكنة).

تراجيكوميدي شيء بين هذا وذاك

 

الإغريق القدماء كانوا يأخذون هذه المسائل الترفيهية بكل جد. يستخدمون الدراما كوسيلة لمعرفة هذا العالم الذي نعيش فيه، وكأسلوب لفهم معنى أن نكون بني آدمين. أهم أنواع الدراما الثلاث هي التراجيديا.

الكوميديا:

المسرحيات الكوميدية الأولى، كانت عبارة عن سخرية وتريقة على رجال السلطة، وإظهار غبائهم وغرورهم. أحداثها غالبا تمثل الوقت الحاضر. أول مؤلفي الكوميديا المشهورين، هو أريستوفان. بعد ذلك، ألف ميناندر كوميديات عن الناس العاديين، وكانت أعماله أشبه بكوميديا المواقف.

 التراجيديا:

تعالج موضوعات كبيرة مثل الحب، الفشل، الكبرياء، سوء استخدام السلطة، العلاقة المعقدة بين الإنسان والآلهة. معظم أحداثها تكون في الماضي. بطل التراجيديا، بروتاجونيست، عادة ما يقترف جريمة رهيبة دون أن يدري، ودون أن يعلم كم هو أحمق مستهتر مغرور.

بعد ذلك، عندما يتحقق البطل من خطئه ببطء، يجد كل شيء يتحطم حوله. أهم كتاب التراجيديا الإغريق، هم: أسخيليوس، سوفوكليس، ويوريبيدس.

يقول أرسطو إن التراجيديا تطهر القلوب، عن طريق الإحساس بالشفقة والرعب. تجعلنا نتقبل آلامنا ومخاوفنا، عندما نرى أمام أعيننا البطل وهو يتحمل آلامه بكل نبل وشجاعة. كما نقول بالبلدي: “اللي يشوف مصيبة غيره، تهون عليه مصيبته”. يعتبر أرسطو أن التراجيدا مكان مناسب للتنفيث عن مخاوفنا وانفعالاتنا ومشاكلنا النفسية. يعني علاج نفساني علن طريق المشاهدة.

يعترف أرسطو بأن العواطف قد تكون عنيفة شاطحة خطرة، ليس من السهل التحكم فيها. إلا أن الدراما تفجر هذه العواطف المكبوته، وتجعلها تخرج في صورة انفعالات، بكاء أو ضحك أو حزن وسرور.

عندما كان الأثينيون يذهبون للمسرح لمشاهدة الأعمال الدرامية، كانوا يضحكون ويبكون ويرتجفون من الخوف ويضربون صدورهم ويشدون شعورهم. يحدث ذلك، بينما يتوالى عرض المسرحية الدرامية.

التراجيكوميدي:

هي مسرحيات قصيرة تعرض بين فصول الدراما الأصلية. تسخر من محنة أبطال التراجيديا. قليل منها هو الذي نجى من الضياع أو الحرق.

أسخيليوس، هو أبو التراجيديا الإغريقية. توفى عام 456 ق. م، في بداية حكم بيركليس لأثينا، الذي استمر فترة طويلة نسبيا. ألف أسخيليوس 80 مسرحية تراجيديا، لم يتبق منها سوى سبعة، الفرس، أوريستيا، بروميثيوس مغلولا، وغيرها.

اشترك أسخيليوس في الحرب ضد الفرس في موقعة الماراثون عام 490 ق. م، وموقعة سلاميس عام 480 ق. م. يقال إنه مات بسبب سقوط سلحفاة فوق رأسه، كان يحملها نسر. على قبره، كتبت جملة واحدة: “لقد اشتركت في الماراثون”.

بعد موته، كنوع من التبجيل، سمحت أثينا لأعماله أن تعرض في المهرجان السنوي الذي يتنافس فيه مؤلفو المسرحيات للفوز بالجائزة الكبرى.

خليفته على عرش التراجيديا، هو تلميذه سوفوكليس. عاش ما يقرب من 100 سنة. توفي قبل نهاية الحرب البيلوبونيسية بين أثينا واسبرطة. كتب 123 مسرحية، لم ينجو منها سوى سبعة. منها أنتيجوني، أوديب في كولونس، وأوديب ريكس.

من عائلة غنية كانت تعيش في كولونس بالقرب من أثينا. أرسله والده إلى مدرسة أثينا، حصل منها على تعليم جيد. عندما كان عمره 6 سنوات، هَزم الأثينيون الفرس في موقعة الماراثون.

عندما كان عمره 16 سنة، هَزم الأثينيون الفرس في موقعة سلاميس. لم يشترك سوفوكليس في الحرب مثل أسخيليوس. لكنه شاهد منزله ومنازل الأثينيين ومبنى البارثينون، تحفة الإغريق في الفن، شاهدها كلها تدمر وتحترق بالفرس قبل هزيمتهم. عمل سوفوكليس في شبابه بالسياسة، إلى جوار بيركليس حاكم أثينا. كان يعرف هيرودوت و”ثوسديدس” وكتاب المسرح، مثل أستاذه أسخيليوس ويريبيدس. سقراط كان أصغر منه قليلا في السن. تمتاز مسرحياته بالتفاؤل، تعكس روح أثينا. كان يرى الإنسان قويا عقلانيا خلاقا، سيد العالم حوله، وخير من خلقته الآلهة. كان أيضا يتذكر الرعب الذي سببته الحرب. كان يرجو ويلح في مسرحياته بتحكيم العقل، ووضعه في مرتبة أعلى، فوق العواطف والغضب.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان