بقايا ملامح
حسين بن قرين درمشاكي – ليبيا
ارتحل نبضٌ مضطرب إلى شفته السفلى، وسكنت عيناه ذلك المستطيل الأسود على الأريكة. يزفر الجهاز ومضاتٍ زرقاء، تنعكسُ كجسمٍ دخيل على وجهه الشاحب. في الزاوية المقابلة، تطوي زوجته ثياباً غادرها الصغار، وفي المطبخ يتصاعد فحيحُ القهوة؛ تلك الرائحة التي ظلّت حبيسة الشاشات. أطبق جفنيه؛ طنينُ الإعجابات في رأسه دوّى كدبيب نحلٍ حانق، وبدلةُ الأديب الصقيلة تطارده في العتمة. فتح عينيه على وقع خُطى ابنه وهو يعبر الرواق حاملاً دفتراً؛ مرّ الصغيرُ بآليةٍ باردة دون أن يرفع نظره. تحسّس الرجلُ برودة جدارٍ شفاف يقسمُ قلب البيت. نهض وئيداً؛ طقطقت مفاصلُه كصدأ أبواب مهجورة. مالت رقبته نحو الشاشة، قرأ تعليقاً يصفه بمنارة الفكر، ثم استدار نحو مرآة الصالة؛ أبصر وجهاً باهتاً، وعينين غائرتين غسلهما السهر. بإصبعٍ يرتجف، ضغط مطولاً على الأيقونات الملونة. تهاوت عن الواجهة واحدة تلو الأخرى، ومع كل مسحة، كان صبّاراً يقتلع أشواكه من صدره. حين فرغت الشاشة، لم يبقَ سوى سوادٍ صقيل يعكسُ تقاسيمه. أودع الجهاز درج المكتب، وأدار المفتاح؛ دَوّى صوتُ انغلاق القفل بصدقٍ كنسَ زيف السنين. خطا نحو المطبخ، حيث تعبق رائحة الهيل لتختلط بضجيج الحياة. وقف عند العتبة، سحب نفساً عميقاً، ثم وضع يده على كتف زوجته. جفلت من المباغتة، قبل أن تلتفت بابتسامةٍ غادرت الملامح منذ دهر. _ أنا هنا… خرج الحرفُ جهوراً، سكب فيه كل ما تآكل من روحه، بينما كانت شمسُ الظهيرة تقتحمُ النوافذ، تغسلُ بقايا الوميض الأزرق عن جدران البيت.









