حازم خالد
إن كل كتابة فكر لا ترقى إلى مستوى وعي النص، لا تكون قد أكملت دورة الاستحقاق من الاعتبار، حيث إن النص هو ما يتراءى في أفق الوعي، فيستبين رؤية أو يستثير تساؤلاً أو يضع مؤشرات من قلق ظمأ إلى طلب معرفة لفك مستغلق فهم حول قضية، والنص بهذا الفهم لا يخضع لحدود التقليد المدجن من معالجات، بل هو استشراف المرائي في الأفق البعيد، لتضع أسس معالجات لكل ما هو متغير من أفعال، فالأصل في الفعل الدنيوي ومتعلقاته هو متغير بتغير الظروف ولا ثابت فيه مطلقاً، لأنه فعل يتم وفق إرادة الإنسان التي لا قداسة فيها – تسقط معها عملية النقد – في مقابل ما هو ديني فالمسألة الدينية هي التي تتمتع بالقداسة لا متغير فيها فالفرق في الثابت والمتغير هو فرق بين ما هو ديني وما هو دنيوي فناموس التغير مرتبط بما هو من فعل البشر.
كتاب “الأدب ومقاومة الطغيان” للكاتب حسين عيد، من الكتب القيمة، التي تفتح أفقاً للحوار الإنساني، والجمالي الرفيع، وهي من مصاف الكتب المقلقة التي تقض المضاجع المطمئنة، وتأخذها بعيداً عن أنفسها لنراها من الخارج فتعيد قراءة ما هو مظنون من المسلمات وبديهيات في ضوء رؤى جديدة، فنراها في محور تدوير الزوايا أنها لم تكن من المسلمات كما كان في سالف اعتقادنا، بل هي مجرد وجهات نظر مثل وجهات نظر أخرى لا تقل عنها احتمالاً للحقيقة في أي صورة من صورها.
وهو كتاب يبتعد عن إنشائية التفكير بل يغوص في جدلية تاريخية، ويشير الكتاب الذي كتب مقدمته د. أيمن تعيلب تحت عنوان “حرية المجاز وطغيان السلطة” إلى أن الإبداع حين يقاومه الطغيان يقاومه من خلال منظور عقلاني مستنير يربط بين ما هو لا معقول بما هو معقول عبر إحسان قيادة اللامعقول الكامن في الدواخل، عبر ما اصطلح عليه الكاتب بتسميته بمسمى المجاز الذي قال عنه إنه يمتلك قدرة هائلة على تفكيك الحدود السياسية والثقافية الوهمية بين حدي المعقول واللامعقول.
ويضيف إلى أن قوة الصدام الهائل بين حرية الإبداع وقوة الطغيان قائمة على جسارة الإبداع النافي لطبيعة الرتابة وهو مزيج بين النظام واللانظام والعقل واللاعقل في شكل متناسق كل يقوم بدوره فيما خصص به من قيام الأدوار السلسة في بنية المفاهيم والتصورات عبر الوعي والتنوير للوجدان لإجلاء غمامة حتى تنقشع فيضاء الإبصار في كيان العقل فيبصر أسوار السجون التي يقبع خلفها الفكر. ويضيف أن للمجاز قدرة تتجاوز شرعية الدولة والمجتمع ولكنه لا تدمر بمعنى لا تدمر أصل المؤسسات والقوانين بل تدمر قمع المؤسسات والقوانين حيث لا تجدف إلى شروط المجتمع بل تسعى ضد شروط قمع المجتمع.
ويبين الكاتب أن ثمة تباينا وتضادا، فعل السلطة وموقف المجاز الإبداعي حيث تشغل السلطة نفسها بتدبيج الثقافات والدساتير ورسم أطر الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي، فيما يعني المجاز الإبداعي بمدى شرعية هذه الأطر وهو يبحث في المسكوت عنه والغائب عن الوجوه والوصول إلى مد يرمي عبره إلى خلخلة الرمزية السائدة المغلوطة باعتبارها جزءاً من سلطة الإجماع السائد، ويرى أنه إذا كانت الحياة نفسها شكلاً من أشكال الفعل الحر فإن المجاز هو أيضاً فعل الحرية.
• المجاز يواجه التبرير السلطوي
إن ثقافة الاستبداد والسلطوية المطلقة تدشن الكوابح لكل ما هو نقد عبر تبربر لمفاهيمها وتعميق ما هو سائد من الذي يقود أوهام الشرعية؛ فيما ثقافة المجاز والإبداع تؤسس للتغيير والتحويل والحرية والمواجهة، وتجسد السلطة لكل ما يخدم بقاءها، فتخلط عبر حبكة بالغة الدقة بين ما هو كلي بما هو جزئي، وما هو متعلق بالشأن الرباني بما هو بشري فيصبح رجل الدين ورجل السياسة متحدين بوعيهما في صفة الإطلاق الطاغي.
وفي أعماق الكيان الرمزي الإمبراطوي الضخم الذي يسمى الدولة تكمن الضرورة بكل كوابحها وعوائقها في مواجهة الذي هو الحرية، ومن شواهد التاريخ فإن الحقائق تقول إن باستمرار الدولة أن تأخذ بإبداعات مبدعيها فتغير من أنماط تفكيرها وتوسع من حدود خيالها وتعمق من سماحة لغتها ومرونة وعيها وتصرفاتها، ولأن الدولة لا تسعى من خلال هذا المسلك في تمحيص وتفكيك وإعادة وجهات جديدة للنظر والفعل والممارسة في جسد الدول فتتردى الدولة ويلتقي معها المجتمع بفضل أنوار العقل والبروق الإبداعي الهائل وينتج عنه التحويل والتغيير والتقدم والحرية والعقلانية بل تسعى الدولة من خلال شحذ خيالها إلى تطوير أساليبها والتفتق عن مزيد من أدوارهم اللغوية والتحكم.









