عدنان الفضلي
أهداني قبل أيام الشاعر السومري العذب (رياض الركابي) مجموعته الشعرية الجديدة والموسومة (هوى ودخان) والصادرة عن دار ميزوبوتاميا / بغداد، وبقدر سعادتي بالإهداء، كانت فرحتي بجمالية المضمون الشعري الذي تضمنته المجموعة، فبعد إطلاعي على القصائد الـ (25) اللواتي شكّلن متن الديوان وهامشه وجدت ان الركابي في مجموعته هذه قد تخلّص من كلاسيكيات القصيدة الشعبية المتداولة بكثرة في أيامنا هذه، والتي رسّخ لها فوج المتشاعرين الذين يكتبون قصائدهم وفق قوالب مملة ومفسدة للذائقة الشعرية.
فقد وجدت الركابي وقد إستطاع ان يحرِّرَ القصيدة التي تنتجها ذائقته من مألوفاتها التخيّلية ومن إكراهات نظريات الفن، حيث أنه نجح في شحن جملته الشعرية بإيحاءات طُهرانية تتكئ على الواقع، وتغوص في تفاصيل معيشيه لترتقي بمحمولاته الاجتماعية والثقافية مراقي القداسة.
الركابي وهو يمنحنا هواه ودخانه على شكل قصيدة غزلية عذرية الطابع وجنوبية الوقع، أستطاع ان يجذبنا نحو واقع كنا قد غادرناه مكرهين، حين صار الغزل (قصيدة صعبة المنال)، لكن الركابي أغوانا فدخلناها منتشين:
اذا باسمك أصيح السكّر يزيد
لان طعمه عسل باطراف اللسان
وخارج هذا المتن كان الركابي يسير ايضاً مثل قطار صاعد، فهو ومن خلال محطاته جعلنا نتلقف الأنفاس الشعرية مثلما نتلقف عناوين أهلنا السومريين في المدن التي يمر بها قطاره الشعري الصاعد الذي أنتجته مخيلة الشاعر، فها نحن نمر وعبر قصائد الديوان لنتلقف الحياة، الحب، الجنس، الموت، الفقر، العذاب، الدكتاتورية، الحرية، الأغنياء، الفقراء، الرعاع، المدينة، القرية، الثورة، الحب، العبث، الخ..
نعم ونحن نساير شعر رياض الركابي نصرخ باللا وعي .. هو ذا الواقع، هو ذا عالم الحياة اليومية، عالم الشعر والشعراء بل وعالم المبدعين من كل الأنواع والإهتمامات.
ومن جماليات الوجع العراقي أستل لنا الركابي قصائد تقف مشدوهة أمام الموت تلك -الفاجعة الأبدية- التي وحده العراقي من يتغنى بها، ويستثمر وجعها قي صناعة نص يجلب الدهشة، فالركابي توقف بنا أمام الفاجعة عبر قصيدتين الأولى كانت بعنوان(سفرة بعيدة) أهداها الشاعر الى عيون والدته، والثانية (حمامة بيت) وفيهما صار للوداع الأخير لحنا موسيقيا،فالنغم الشعري في هكذا قصائد يقول ما لم تقله اللغة، فكيف للغة أن تصير موسيقى وداع أمام الموت الخاص، لمن لا يعزف إلا على وتر الكلام ؟!وسواء صدحت موسيقى الوداع الأخير أم موسيقى لغة التلويح فإن هناك إحتفالاً بالموت تصنعه القصائد العراقية فقط.
أمس من غمضت أمي بچه البيت
وذبل وحشة لأن فارك ضواها
حتى الهوى ضاگ او شح بالصدور
لأن چنه عمر نشتم هواها
ليست القصيدة، لدى رياض الركابي، مجرّد كلمات فحسب، بل هي (صلاة)، ونداء جوّاني، حيث يشعر الجسد بأنه يذوب في ما قد رآه، وتصبح (الأنا) مجرد شيء ثانويّ، فائض عن الحاجة.
حيث تصبح القصيدة -الصلاة- هي النشوة التي تجتاح كينونة الشاعر، وتعرج بها وراء التاريخ والمكان واللغة.
هي، إذن، قصيدة البركة والتحوّل والعرفان، وفق الإشارة السومرية ذاتها التي ينطلق منها جذر الشاعر رياض الركابي وأقصد مدينة الشعر والقصب والماء والجنون اللذيذ.
هي قصيدة لا تُجدّد الهويّة، وإنما تجدّد اللاّ مسمّى، وتجدد الغافل الذي لا يتحقق إلّا بالصمت.
ورغم افتنان رياض بالتراكيب الجنوبية المكوّرة في (كيس عراقي)، إلّا أنه لا ينظر إلى نفسه بوصفه كاتباً يكتب ضمن “التقليد العظيم” للشعر السومري. بل على العكس، فهو يعدّ نفسه شاعراً سومرياً بامتياز بدلالة المفردة المنقوعة بماء الهور والمعطرة برائحة القصب.
المجموعة من وجهة نظري تحتاج لأن تُقرأ لأكثر من مرة، كونها مليئة بالاستعارات التي كانت هدف الشاعر، تلك الاستعارات التي تقلق الكثيرين، ولايفهمها الكثير أيضا.
كما أعتبرها كتاباً يستحق أن تحتفظ به في مكتبتك وتعود إليه كل فترة. ولا أملك في ختام حديثي إلا أن أقول إن الكاتب أوجز، فأحسن إخراج مؤلفه على هذه الدرجة الشعرية الكاملة.









