قراءة تحليلية في تجربة النحات العراقي نجم القيسي أميرة ناجي
لم أكن أنحت الإنسان كما أراه بل كما أشعر بوجوده في الفراغ.))
ألبرتو جياكوميتي
تشير هذه المقولة إلى جوهر النحت بوصفه فعلاً وجودياً يتجاوز التشخيص البصري المباشر إلى استكشاف علاقة الجسد بالفراغ والزمن والتوتر الكامن بين الحضور والغياب. فالنحات هنا لا يسعى إلى محاكاة الشكل الخارجي للإنسان بل إلى الإمساك بأثره الشعوري داخل الفضاء حيث يصبح الفراغ عنصراً فاعلاً لا خلفية صامتة. ومن هذا المنظور يمكن فهم النحت كعملية تفكير بصري تُترجم الإحساس بالحركة والقلق والوجود إلى بنى مادية مشحونة بالدلالة وهو ما يشكّل مدخلاً مناسباً لقراءة تجربة نجم القيسي.
يتناول هذا المقال تجربة النحات العراقي نجم القيسي كمنجز نحتي معاصر يقوم على جدلية الشكل الهندسي والحركة الإنسانية، وعلى توظيف المعدن كوسيط تعبيري وفلسفي يتجاوز البعد التقني إلى أفق رمزي وحضاري أوسع. ويسعى المقال إلى تحليل السمات الأسلوبية والفكرية لأعماله وربطها بالموروث الثقافي العراقي القديم وبسياق النحت العراقي الحديث مع التركيز على مفاهيم الحركة والتوازن والرمز الهندسي ولا سيما العجلة المربعة كبنية دلالية تعكس إشكالية التقدم والزمن والوجود الإنساني.
لا تبدو المنحوتة في أعمال نجم القيسي مستقرة على أرضها ولا يبدو الجسد فيها مطمئناً إلى مركزه. ثمة توتر خفي بين الكتلة والفراغ بين ما يثقلها وما يدفعها إلى الحركة، كأن الحديد نفسه يعيش حالة شك وجودي: هل خُلق ليبقى أم ليغادر مكانه؟ من هذا التوتر تبدأ تجربة القيسي حيث يتحول النحت إلى تفكير بصري في معنى الحركة والوجود، ويغدو العمل النحتي مساحة تساؤل لا إجابة جاهزة.
يتعامل نجم القيسي مع النحت كفعل وجودي لا تشخيصي حيث لا يقدم الجسد الإنساني هيئة مكتملة بل أثراً للحركة في الفضاء وحالة معلّقة بين التكوّن والانمحاء. فالجسد هنا يُقرأ من خلال علاقته بالقوة والتوازن والزمن، كبنية شعورية وفكرية قبل أن يكون شكلاً مرئياً. إن هذا التوجّه يحرّر الجسد من ثقل السرد ويجعله علامة مفتوحة قابلة للتأويل. وتتجلى هذه الرؤية في الطريقة التي يُفكك بها القيسي الجسد الإنساني إلى خطوط وإيماءات حيث تختفي الملامح الفردية لصالح بنية رمزية عامة، تمثّل الإنسان بوصفه كائناً وجودياً يعيش صراعاً دائماً مع قوانين الجاذبية والزمن والحدود المفروضة عليه. وبهذا المعنى، لا يعود الجسد مركز العمل بل الحركة التي يخلّفها في الفضاء.
تقوم تجربة نجم القيسي النحتية على مفارقة تجمع بين الصرامة الهندسية والحركة الإنسانية الحرة وهي مفارقة لا تمثل تناقضاً شكلياً، بل بنية فكرية واعية تستند إلى رؤية جمالية وفلسفية متماسكة. ففي معظم أعماله يتجاور المربع والدائرة الثبات والاندفاع الوزن والخفة، لتتشكل لغة بصرية معاصرة تعيد مساءلة العلاقة بين الشكل والمعنى وبين المادة والفكرة وتحول الكتلة إلى خطاب بصري متحرك.
ويُعد هذا الاشتغال على الأشكال الهندسية امتداداً لوعي بصري عميق بوظيفة الرمز، إذ لا يستخدم القيسي الهندسة كعنصر زخرفي بل كبنية مفاهيمية تحمل دلالات نفسية وزمنية. فالمربع يشير إلى القيد والنظام والانغلاق، بينما تحيل الدائرة إلى الحركة والدورة والاستمرارية، ويولد التوتر بينهما معنى بصرياً وفكرياً يتجاوز الشكل الظاهر. يعتمد القيسي في منجزه النحتي على المعدن، ولا سيما الحديد والبرونز المؤكسد، لما يحمله من طاقة رمزية. فالمعدن بصلابته وقابليته للتشكيل يشكّل مادة مناسبة لتجسيد التوتر بين الثبات والحركة وبين القيد والتحرر. كما يتيح للفنان بناء منظومات توازن دقيقة تقوم على توزيع مدروس للكتل والنقاط الحاملة ما يمنح المنحوتات إحساساً بالحركة رغم ثقل المادة. ولا يمكن إغفال البعد الحسي للمعدن في أعمال القيسي إذ تسهم الأسطح المؤكسدة والملامس الخشنة في تعزيز الشعور بالزمن والتآكل وكأن المنحوتة تحمل آثار صراعها مع الزمن. فالمادة هنا لا تُخفى بل تُبرز بوصفها شاهداً على التجربة الوجودية التي يجسدها العمل.
تُظهر أعمال القيسي قدرة واضحة على تحقيق التوازن الديناميكي حيث تبدو الأجساد في حالة تعليق مستمر بين السقوط والطيران. وهذا الإحساس لا ينتج عن محاكاة للحركة الطبيعية، بل عن بناء هندسي واعٍ يجعل الكتلة تتحول إلى خط وإيماءة ويجعل الحديد يفقد ثقله البصري ليغدو حاملاً لمعنى الحركة.
يتسم الأسلوب الفني لنجم القيسي بطابع تعبيري تجريدي تختزل فيه الأجساد البشرية إلى رموز هندسية وإشارات بصرية تتخلى عن التفاصيل التشريحية لصالح التعبير عن الحالة الوجودية. فالجسد في أعماله فكرة متحركة تتجلى عبر الانحناءات والخطوط والانسيابات المدروسة التي تعبّر عن مفاهيم التوازن والتحدي والسقوط والمقاومة والبحث المستمر عن الاستقرار في عالم مضطرب.
تعد العجلة المربعة أحد أبرز العناصر المفاهيمية في تجربة القيسي، إذ تتحول من رمز تقني إلى بنية فلسفية مركبة. فالعجلة اختراع رافديني قديم يرمز إلى الحركة والدوران والاستمرار، غير أن تقديمها بشكل مربع يخلق توتراً بصرياً ودلالياً يثير تساؤلات حول طبيعة التقدم ومساراته، وحول ما إذا كانت الحركة الإنسانية دائماً سلسة أم محكومة بالزوايا والانقطاعات. في هذا السياق يمكن قراءة العجلة المربعة رمزاً للزمن الاجتماعي والسياسي الذي يدور دون أن يتقدم بالضرورة، أو يتقدم عبر مسارات شاقة ومتعرجة بينما تحضر الدائرة نقيضاً رمزياً يحمل دلالة الدورة الكونية والاستمرارية الحضارية. ويمنح هذا التقابل العمل بعداً مفاهيمياً يتجاوز الجماليات الشكلية إلى عمق الأسئلة الوجودية المرتبطة بالإنسان ومصيره.
لا يظهر الإنسان في منحوتات القيسي بطلاً منتصراً بل كائناً في حالة صراع دائم مع الزمن والجاذبية والقيود المحيطة به. فالأجساد المعلقة والمنحنية والمتأرجحة تشير إلى حالات انتقالية مؤقتة وكأن الفنان يؤكد أن الوجود الإنساني قائم على توازن هش لا على استقرار مطلق وأن الحركة نفسها شكل من أشكال المقاومة.
تُقرأ أعمال نجم القيسي أيضاً ضمن سياق بصري يتعامل مع الفراغ عنصراً مكملاً للكتلة إذ تشارك المساحة المحيطة بالمنحوتة في إنتاج المعنى وتغدو امتداداً للحركة المجسدة ما يمنح العمل بعداً مكانياً يجعل المتلقي شريكاً في التجربة لا مراقباً من الخارج.
لا يمكن فصل تجربة نجم القيسي عن الموروث الحضاري العراقي الممتد من النحت السومري والآشوري إلى فنون الحداثة العراقية. فثمة صدى لفكرة الجسد الفاعل المتحرك التي ميّزت التماثيل الرافدينية القديمة غير أن القيسي لا يستعيد هذا التراث استعادة حرفية، بل يعيد تأويله ضمن رؤية معاصرة. فالدائرة تستحضر الرموز الشمسية البابلية، والعجلة تحيل إلى أول اختراع للحركة في بلاد الرافدين، بينما يستدعي استخدام المعدن ذاكرة صناعة البرونز القديمة المرتبطة بالقداسة والسلطة.
يربط الفنان نجم القيسي في منجزه النحتي بين الإنسان الرافديني القديم الذي اخترع العجلة والإنسان المعاصر الذي يحاول إعادة اختراعها بصيغة مربكة، ليضع المتلقي أمام سؤال وجودي حول طبيعة التقدم وحدوده وحول العلاقة بين الماضي والحاضر في تشكيل الوعي الإنساني. ينتمي نجم القيسي إلى الامتداد الحديث للحركة التشكيلية العراقية التي أسست لهوية بصرية معاصرة منذ منتصف القرن العشرين، مع أسماء بارزة مثل جواد سليم ومحمد غني حكمت، غير أن خصوصيته تكمن في اشتغاله على الفكرة والسؤال أكثر من السرد. فهو لا يجسّد حدثاً أو أسطورة، بل يبني بنية مفاهيمية تجعل النحت أداة تفكير وتأمل.
تؤكد تجربة الفنان نجم القيسي أن النحت المعاصر يمكن أن يكون ممارسة فكرية وفلسفية عميقة حيث يتحول الجسد إلى علامة، والعجلة إلى رمز للزمن، والمربع إلى مفارقة دلالية تفتح أفق التأويل. وهو فن لا يُكتفى بتلقيه بصرياً، بل يستدعي مشاركة ذهنية نقدية تجعل المتلقي جزءاً من التجربة. النحات نجم القيسي يقدم نموذجاً متميزاً للنحت العراقي المعاصر، حيث تتحول الكتلة الصلبة إلى خطاب بصري وفكري يعيد طرح الأسئلة الكبرى حول الإنسان والحركة والزمن والحضارة مؤكداً أن النحت ليس تشكيل مادة بل بناء معنى مفتوح لا ينغلق على إجابة واحدة او أسطورة بل يبني بنية مفاهيمية تجعل النحت أداة تفكير وتأمل .
تؤكد تجربة الفنان نجم القيسي أن النحت المعاصر يمكن أن يكون ممارسة فكرية وفلسفية عميقة حيث يتحول الجسد إلى علامة والعجلة إلى رمز للزمن والمربع إلى مفارقة دلالية تفتح أفق التأويل. وهو فن لا يُكتفى بتلقيه بصرياً بل يستدعي مشاركة ذهنية نقدية تجعل المتلقي جزءاً من التجربة. وفي الختام يمكن القول إن نجم القيسي يقدم نموذجاً متميزاً للنحت العراقي المعاصر، حيث تتحول الكتلة الصلبة إلى خطاب بصري وفكري يعيد طرح الأسئلة الكبرى حول الإنسان والحركة والزمن والحضارة مؤكداً أن النحت ليس تشكيل مادة بل بناء معنى مفتوح على مختلف التاويلات .
فنانة تشكيلية









