كتابة/ جبار فرحان العكيلي
رياض الركابي شاعر مثابر ومجتهد، يحاول ان يستغل كل فرصة لاثراء تجربته الشعرية سواء كانت نشر نتاجاته الشعرية او مشاركته في المهرجانات .. ها هو الان يستفيضنا في مجموعته الجديد “هوى ودخان” والتي بدأها او بدأت بأستفزاز القارئ من خلال العنوان الغريب والانفعالي حينما يكون نتاج احتراقاته دخاناً يملأ العيون دمعاً وضباباً والذي يسافر لكل المسافات، ويدخل بيوت القراء من خلال الريخ التي اصبحت ساعي بريد لدخان هواجس الشاعر واحتراقاته الوجدانية الحياتية فهل ياترى ان دخان الركابي استطاع ان يترجم احتراقه اليومي، بحيث تحمله الرياح بأمانة العاشق الجريح المهوس بوطنه وحبيبته، والمكسور عبر مجسات كبريائه؟!
في أول خطوة لعلاقتي بالشاعر لركابي كانت محطة ثرية مدهشة جديدة في طرحها وحزنها المتوارث حيث حط رحاله في باديتنا وهو يقدم نفسه عبر قصيدته (بقايا امرأة) هذه القصيدة التي أرخت شاعرية رياض الركابي..
والان لنسمح لأنفاسنا ان ندحل بوابة مجموعته الجديدة “هوئ ودخان” والصادرة عن دار (ميزوبوتاميا) والتي تضم(25) قصيدة خمسة وعشرون قصيدة ، تداخلت فيما بينها حيث ينتقل بنا من موقف الحبيب الى هموم الوطن والعراق، والتي سبقها بأهداء جميل الى خيمة الحنان الأم التي لابديل عنها، والى ثمرة حياته اطفاله الحلوين والحبيبة المبهجة في تسميتها وربما شرقيته لم تسمح له بذكر أسمها او كنيتها..
من تغيب امي يظلم البيت
ويشع بالنور اذا شفناها اجتنه
لوما دمعة امي ورشفة الماي
جان اعلى السواتر غربة متنه
في مجموعته هذه هناك وضوح تام لموضوعات محددة حتى انه لم يشبع ذائقته او حاجته النفسية منها لذلك اكثر من كتابة عدد القصائد في الموضوعية الواحدة في مقدمة هذه المواضيع، موضوعة الأم وانعكاس تأثيرها على شاعرية الركابي ضمن مجموعة قصائد تدخل تحت اطار قصائد الاسرة التي شملت ( الاباء والاخوان) وهذا يعكس مدى التصاق الشاعر بمناخ الاسرة وارتباطاتها الاجتماعية والتاريخية، حتى ان زعله كان شديداً وواضحاً في بنية قصائده وبالأخص لأشقائه، والتي تحمل عتب ثقيل.. فهو تناول موضوعة الام في الفصائد(حمامة بيت – سفرة سعيدة- رسالة من الغربة الى أمي)
امس من غمضت أمي بچة البيت
وذبل وحشة لأن فارگ ضواها
حتى الهوى ضاگ وشح بالصدور
لان جنة عمر نشتم هواها
هذه الحنية الضاجة بالحنين لم نجدها في قصيدة (عندي اخوان) ذات العتب المر والصعب .
أنه اخواني أجو حال اليواسون
شربوا كهوتي وگالوا سلامات
ومن گامو شمالي ولوني يالون
او يقينا مو دمع حبيت جمرات
ويعود الشاعر لحنينه وحاجته الانسانية لقلب الأب حينها يقول:- ولو صوتك يجي وبي طعم الفراگ
ابخ بيه شوگي والتذ بسماعة
او تودعني والمومك على اللحظات
وانه اليوم احسبة وياك ساعة
وبين كل هذا الحنين والزعل والشوق والعتب يكثف مجموعته بعدد كبير من قصائد الأحبة والغزل الشفيف محاولة منه لملأ الفراغ الذي يتصور انه عاش مع تجربةالوالد والاشقاء- لذلك انعكس بشكل كبير واضخ في قصائده( بكلبي عتب – يمته- الحضارة- زاعلتك- شمس آب- هوى ودخان – ما طاوعك- هدهد الجنه- كاشان- دكتور حسنك – حسنك غضب)
سمارك والعيون السود والطول
ورصعة الفوك خدينك قضية
اذا شفتك مثل ما طاب بستان
احيرن شاكل وشلزم بدية
ثم يسهب الركابي في وصف حبيباته بمفردات السهل الممتنع والذي يكاد القارئ ان يلمسها، حيث انه يبحث عن المفردة التي تضبط للبيت الشعري نكهته ودهشة الاستحدام. فهو حينما يستخدم (هدهد الجنة وكاشان- صندوگ من جام- صبر بدوي- اخبال معدان- لاشت الماي – شالعت العين)
وغيرها الكثير من المفردات التي وظفها شاعرنه الركابي في قصائده فهو يزاوج بين عامية اللهجة وتمدنها كي يصل بقصيدته لاكثر من قارئ وليوسع مساحة متذوقيه، وهذا يعتبر ذكاء من الشاعر وهو يؤسس لفكرة معينة في النظم الشعري.. فهو جمع بين :
كسر كاسات صبرة- وبين لفلني الحزن گوة بعباته كما جمع ايضاً بين
شمعة بأثر شمعة اتذوب السنين
مستعجل يعمري شعندك وياي
فيما ذهب بعيدا في قصائده الوجدانية والتي تحمل الهم العام دون خصوصية تذكر، فالهم الجمعي يكاد يكون طاغياً في معظم قصائده الوجدانية والاجتماعية والذاتية
آنه بروحي نهر ويفيض بالطيب
واجتني اتلوب عطشانة الخناجر
لكن ما شكيت وفزعت ناس
احط صبر ودمع وبعيني اكاسر
وكذلك جروحي تختلف ماجنهن جروح
وضعت الامها وسوتني شاعر
رجل شرقي واذا يجرحني اغلى انسان
غلاته انساها واكتب بيدي خاتمتة
هذا هو رياض الركابي مايعيشه في حياته اليومية ينقله الى الخيال الشعري وتترجمه احاسيسه وخلاصة افكاره ومعاناته
رياض الركابي شاعر نحات يحاول في كل قصائده ان ينفخ فيها شيء من روحه من هواجسه من وعيه وثقافته، ليبق شاعراً مهماً ورقماً جميلاً بين ارقام الشعراء وموسوعتهم الجمالية.. واستطاع ان يزاوج بين اللغة الشعرية وادائه الشفاف الهامس وكأنه يريد ان يقول لنا ان هذا لكن لجراحاته خصوصيتها فلا استطيع ان ابوح بها اكثر من هذا المدى كما انه لايريد ان يوقئ بصراخه احلام المتذوقين فهو يفتح واحته للجميع على ان يدخلوها وهم متوشحين بوشاح الرومانسية الحالمة.. هذه الاطلالة السريعة على مجموعة الركابي (هوى ودخان) لا اجزم بأني استطعت ان ألم بها جميعها فهناك الكثير الذي لم يقال عن رياض الشاعر والانسان .









