شهيد الحلفي
الإنسان كائن قلق, وكينونته مغلفة بالهواجس , وقد يكون الموت هو المصدر الاكثر تحركا في حيز القلق لكونه يمثل [معادل فناء] تلك الكينونة ولا جدواها , والاشارة الى نظير الزوال او المصير النقيض لطبيعة البقاء الفعالة في الذات الانسانية , ربما يكون ذلك الهاجس ظلا يرافق الانسان ويسايره في مراحل حياته ولو بشكل متفاوت , وللواقع الذي يعيشه الفرد اثر كبير في حركة ذلك الهاجس داخل اروقة النفس , تفاعل الذات مع ذلك الهاجس قد يكون حادا بحسب المسافة التي تفصل ما بينهما , قد يكون قريبا وقد يكون متخيلا وقد يكون معاشا , الموت فكرة تقاطع السكينة والثبات والاستقرار وكل ما يرمز الى غريزة البقاء وعلاقة الذات مع تلك الفكرة تكون علاقة متوترة في الاغلب , علاقة يسودها الارتياب وفقدان الثقة ويمكن استقراء طبيعة تلك العلاقة في الصيغ التعبيرية التي تصدر عن الانسان , لكون تلك الفكرة تعتبر من الافكار الطائشة التي تزعج دواعي الطمانينة , تلك الفكرة ليست مكتشفة وليست امرا خاملا يثوره مخيال الانسان بل انها قد تتحول الى [قوة دافعة] في السياق التعبيري بالاتجاه غير المخطط له من قبل الذات , تلك الفكرة المنقلبة الى قوة توجيهية تحدد مسار الاشتغال النصي وتبين مدى حركية ذلك الهاجس وديناميكيته وتأثيره في النفس ..
الشاعر والموت , كيف يمكن وضع اطار للعلاقة بين الاثنين , باعتبارهما ضدين في القياس , وكيف يمكن تحديد الزاوية الحادة بينهما , الشعر دالة الحياة وثيمة الوجود وقرينة الازلية وهو بذلك يغرس في نفس صاحبه كل دواعي الابدية بمفهومها الادبي وتجلياتها المعنوية , يعتقد الشاعر انه يمتلك سر الخلود والذي حصل عليه بملكيته للشعر ولذلك فهو يخوض صراع نفسي مع كل من يعارضه في تلك الملكية , وفي تجليات ذلك الصراع يبدا الشاعر لااراديا بتجسيم واظهار نده فيما يصدر عنه من نتاج , قد تكون تجربة الشاعر كاظم اسماعيل الكاطع من اكثر التجارب الشعرية العراقية ثراء بتعاملها مع موضوعة (الموت) ومن خلال استقراء مرحلية تلك التجربة وانتقالاتها يمكن تحديد الخط البياني لفكرة الموت في وعي ذلك الشاعر وتتبع (حركيتها) كمؤثر فيما ينتج عن ذلك الوعي , تلك الفكرة بخطها البياني تنمو تصاعديا ويختلف حجمها الوجودي في حيز قصائد الكاطع بتقدم عمر التجربة الشعرية وتبدل الظروف الحياتية للشاعر فنجد ان الفكرة تظهر مختلفة في المراحل الاولى من العمر الشعري للشاعر عنها في المراحل اللاحقة , ولوضع تلك الفكرة في مختبر التحليل الاستكشافي يمكن تقسيم دورة حياتها في خلايا قصيدة الكاطع الى اربع مراحل هي :
1. مرحلة الفكرة المتخيلة
في هذه المرحلة تبرز فكرة الموت كمفرز وجداني من انتاج مخيلة الشاعر حيث تظهر كسياق مصطنع اكثر مما هو حالة ملموسة ومعاشة ذاتيا وتبدو هنا كنزعة مسيطر عليها ولا تترك اثرا سلبيا في ذات الشاعر المليئة بالعنفوان وروح الشباب فهو يلاقي الموت ملاقاة متسلحة بالتحدي والعنفوان [ حته امشي يا درب الشمس / ما دنك امن الموت لو فوكي خطف ] الموت هنا فكرة مغلوب عليها وليست فكرة غالبة والشاعر يستعرض عضلاته الشعرية تجاهها , فالافق النظري الذي يمارس نشاطه بوعي خيالي لم يصطدم بالتجربة المضادة اخذ بزمام اندفاع الشاعر بعيدا في باب الاعلان الاصطدامي [ ميت بس ما دليك بكبري / ميت ما دليك بكبري / كَلّب كل اصخور الموته / ما تقره اسمي وتندل كبري / بس احجيلك كلمة وفكر / تندل جرحي وملحي وعذري / لو مي دجله ايمر بيك احمر / كول الماي ايمر بصدري / وما دليك وما دليك وما دليكم / آنه بقسم الدفن السري ] الشاعر يوسع ميدان التحدي الانفعالي ليوازي ما بين [الفناء والبقاء] بارادة استثنائية وهو هنا يستخدم المدلول المعاكس لمعطيات الموت المتعارف عليها فالشاعر هنا ميت ولكنه خارج قوانين ونواميس الموت لانه صاحب ارادة متحكمة في الاخر المخاطب بدلالة الافعال المتقابلة , الاخر المخاطب الذي يفهم من السياق النصي ربما يكون رمزيا محضا ويحتمل التاويل في التعيين والتسمية وقد يكون ذلك الاخر صنيع الوهم الذي يتبناه خيال الشاعر لايقاظ الروح [الدون كيشوتية] في داخله لتحقيق مبدأ الغلبة على طرف ثالث هو المعني باللعبة [الموت] ذلك الشبح المعترض عليه وعلى كل ما يتعلق به [رحت اتموت رحت اتموت /شفت شريانك امتد اعله طول الكاع / يرضع من ثديهه الموت / لا تخطف بثوب اسود على الميتين / فك حزنك كبل لتموت] مرجعية الرفض الثائرة تحت تاثر غواية الروح الشعرية تبني جدارا عازلا بينها وبين ما يتفرع عن لازمة الموت من معطيات , حتى الطقوس المرتبطة بتلك الفكرة والمعتادة في الذهن يحاول الشاعر التخلص منها بخطاب ذاتي يسعى الى القفز على المفاهيم وتحطيم السائد من الشعائر المأتمية المرتبطة بالفكرة [ لاتخطف بثوب اسود على الميتين / فك حزنك كبل لتموت ] الفعل الشعري هنا فعل خروج واستقالة من معايير السلوك الجنائزي للفكرة العامة وذلك يعتبر خطوة اولى لتشكيل فكرة خاصة تولد لاحقا معنى جديد للموت .
2. مرحلة الفكرة المحتملة
في هذه المرحلة تحول هاجس الموت من فكرة نظرية مسيطر عليها الى من قبل وعي الشاعر الى فكرة مجربة فاصبح الموت هاجسا شبه ملموس وقريب ومحتمل وبذلك فان النمط التعبيري اولا قد اختلف كثيرا عن النمط السابق وثانيا فان رؤية الشاعرة لتلك الفكرة قد تغيرت بدرجة كبيرة وتحول اثرها من فكرة هادئة يتحكم الشاعر بها تعبيريا وتقف ذاته ازاءها منتصبة الى فكرة مخيفة ومقلقة , ويمكن تلخيص هذه المرحلة بقصيدة [الليلة اموت] التي كتبت عام 1983 , يستهل الشاعر القصيدة بفعل اخباري يحمل دلالات النعي الذاتي المؤكد بقوله [ الليلة اموت الليلة / الليلة آخر ليله] واختياره لظرفية الحدث هنا ذو دلالةعميقة فتركيزه على مفردة الليل ينم عن انكسار نفسي لما لليل من علامات ترميزية تضفي على الحدث هالة من الظلام والسكون والحدث في هذا السياق حدث [تنبأ] صادر عن فكرة معاشة وليست فكرة مستعارة , جو القصيدة مشحون لافعال ترتب لفكرة الموت وتنذر بها [ الغيم مد ايده اعله راسي / والمطر شد حيله ] حجم التصور في وعي الشاعر لفكرة الموت الملموسة يتسع مع المكونات الثانوية للحدث والتي ترسم ايقاعا انفعاليا يمكن تصوره كالاتي [ظلام ـ رعد ومطر ــ وشبح يقترب ] في هكذا ظروف تبدا الارادة بالتراجع وتخمد نيران المقاومة [ الليله اموت / الليله كلبي اينام دافي / وتندفن ويا حرارة جيله ] وتتحول روح الانكسار الى روح توسل [اوف نعشي شلون اوصله الباب اهلنه / ومن يكابلني عليه ونشيله] المساحة التعبيرية التي يسمح بها الهاجس القابض على روح الشاعر لا يمكن القول عنها سوى انها فسحة الرمق الاخير لامل محاصر من جميع الجهات فواقعية الفكرة وقربها الشديد من وعي الذات القلقة جعل من سلوك الشاعر التعبيري ذو طابع انفعالي مرتبك ومعبأ بالانكسار والتوسل بعد وقوعه تحت سطوة الفناء الاحتمالي , يلاحظ في هذه القصيدة ارتفاع روح التوسل باكثر من جهة [ يمه ادخيلج اترجاج ضميني بسواد الشيله ] وكذلك [ يا طيور الليل ودني اعله ناسي / اليموت ايشوف يسمع / يلتفت ينكسر كلبه / ويعرف اليبجيله ] بهذا المسلك القلق يعبر الشاعر عن فكرة طارئة لم تمر بوعيه مرورا هادئا وانما جعلته يضع احتمالات ويرسم نهايات ممزوجة برغبات اراد ان يعلنها وهو يقف على الحد الفاصل بين عالمين غير متكاملين .
3. مرحلة الفكرة المجاورة
قد تكون هذه المرحلة مرحلة انقلاب في حياة الشاعر ففي هذه المرحلة راحت فكرة الموت تاخذ مفهوم (الصدمة) وما عاد تعامل الشاعر مع معطياتها شبيها بالطريقة التي تعامل بها في المراحل السابقة وذلك لكونها اصبحت تمثل سياقا [حادثا] وفعلا ملموسا وان كان اثره لم ينصب على الشاعر بالذات ولكن تلك الفكرة تعاملت مع ذوات قريبة جدا منه ويمكن استقراء ذلك في قصيدتين كتبتا في فترات متقاربة وهما [مرثية العام الدراسي] و[حك الموت] في الاولى يرثى الشاعر فيها ولده حيدر وفي الثانية يرثي زوجته ومن خلال تقصي نزعة الاظهار لفكرة الموت في هاتين القصيدتين نجد ان الشاعر قد تعامل معها بصيغة [عتابية] وكانه ايقن بانه الطرف الضعيف في المعادلة فوقف وقفة المسلم للامر الواقع ليكشف علانية عن انكسار رايته في حربه مع الموت فبعد ان كان الموت فكرة نظرية هاهو يتحول الى تجربة معاشة بكل ما تحمله من ابعاد واثار والمفهوم الجديد جعل الشاعر يحدد النقطة التي يقف عندها بمقابل هاجس الموت [لمت الروح بس شفادني اللوم / شلحك وبسفينه الموت عابر] هذا البيت هو خلاصة سباق الشاعر مع الموت فهو يتضمن اعترافا صريحا بانه اصبح عاجزا عن اللحاق بسفن الموت العابرة فوقف متوكأ على حزنه تسامره قوافيه في ندب الذات المقربة التي حرمه منها الموت ., وفي القصيدة الاخرى تنشط حيوية الموت اكثر لتاكيد المضمون الوارد في قصيدة سابقة [جيت اركض بدرب الموت / لاجن الركض كدامي ما لحك] فهو يقر بان ركض في طريق الموت لم يمكنه من اللحاق به وحته من سبقه بتلك التجربة قد باء بالفشل وعدم الوصول وتبقى نبرة الشاعر في هذه القصيدة بين قوسي نبرة (العتاب) كانه لم يعد امامه سوى تقديم مرسلات شعرية عتابية [ حك الموت / لكن نعتب اعله الحك / هم مره استحى هم كصته تعرك / عجب من شاف نعشج شال / لا عينه انثنت لا بالجذب دنك ] فكرة الموت في هذه المرحلة اصبحت هاجس مجاور لذات الشاعر وقد ترك اثاره الحسية في زوايا كيانه النفسي وقد ادى ذلك الى انعطاف لغته الخطابية وانزياحها الى منطقة جديدة , منطقة تبرز فيها سمات الواقعية التي تفضي الى ان ادوات الشاعر الدفاعية لم تعد تمكنه من الصمود امام ضغط هاجس الموت الذي بدا يبعث اشعارات انذارية الى الشاعر تحمل بين طياتها قياسا دقيقا للمسافة التي على الشاعر حسابها وتشكيل وعي اخر للتعامل مع تلك الفكرة يختلف تماما عن وعيه السابق والذي لم يعد صالحا لهذه المرحلة .
4. مرحلة الفكرة المتسلطة
قد تكون هذه المرحلة امتدادا للمرحلة التي سبقتها ولكنها تعتبر مرحلة السيطرة النهائية , ففي هذه المرحلة تفرض فكرة الموت سيطرتها التامة على وعي الشاعر خصوصا بعد تعرضه للاصابة بالجلطة الدماغية التي جعلت يعيش الفكرة كتجربة واقعية معاشة واصبحت الفكرة متسلطة وذات نفوذ [ ضعيفين وعلينه الموت يتعده / منهو الي يوكف الموت عد حده ] اذن الشاعر هنا في مرحلة الانهيار والاستغاثة ولكونه الطرف الضعيف في اللعبة تحول دوره الى البحث عن طرف اخر يقف الى جانبه في صراعه مع الهاجس المتنفذ ويظهر الشاعر امام المتلقي [كائن قلق] لوقوعه تحت عوامل ضغط سلطة الهاجس المخيف والتي ادت الى فقدان الذات لتوازنها فتلك الذات لم تعد بذات الحيوية ولم تعد الطرف المبادر وانما انتقلت الى الجهة الاحتمائية وما عادت تمتلك ردة الفعل الحادة فراح وعيه المحتل يستبق الاحداث بتصورات سوداوية تغلف مالوفه اليومي [شنهو الجره / اليوم الدكاكين التبيع (الجفن) كلهه امفتحه] قلق الشاعر من الموت ركب في وعيه تغاير صوري ناتج عن خوف الانسان من دواخله فاصبح الشاعر في هذه المرحلة مصابا بمرضين (الجلطة والقلق) ليكون الناتج عن ذلك شعر مليء بالخوف والترقب والاحتمالات , ان انتصار فكرة الموت على الشاعر كعامل مخيف جعل الاحساس الذاتي المتمظهر كصيغة شعرية ذا طابع استسلامي محض حيث ان فرضية العدم والفناء اصبحت مهيمنة فكرية حدت بالشاعر ان يكون تحت رحمتها وان الفسحة المتبقية لديه تمثل اياما راكضة نحو النهاية وقدرية يتمنى الشاعر ان تحل به برفق وتروي [ تمنينه كدامنه بس واحد اثنين/ يوصلنه السره ويتأجل الموت/ يم اركَابنه نموت بغير تعذيب/ وعلى المذبح يطغنه صارله اسنين/ فض الازدحام وقلة الناس/ وما تعمه السجاجين]
يلاحظ هنا ان تشبع وعي الشاعر بالفكرة قد حول الموت الى (امنية) وقد يكون ذلك ناتج عن قناعته بحتمية النهاية وصيرورتها فتعاقب المراحل ونمو الفكرة قد وصل الى الدرجة الاخيرة او النقطة النهائية .. نقطة التلاشي المرادفة للقناعة بالعدم .. تلك الفكرة كان انسيابها تصاعديا هادما لدوافع المقاومة لتنتهي عوالم الشاعر بامنية عدمية ارادها لها ان تكون هادئة بعد ان تأجلت كثيراً.









