ثقافة شعبية

مقاربة أكاديمية.. عريان السيد خلف.. الشاعر الذي حمل (الگمر والديرة) الى (تل الورد)

الجزء الاول

 د. علي حداد

 

* في البدء:  شدتني تجربة الشاعرالشعبي العراقي الكبير(عريان السيد خلف) إلى جماليات فضائها التعبيري منذ وقت مبكر من العمر، أيام كنا نتحسس أولى خطوات تلقينا الثقافي التي كانت تدرج في فضاء الشعر وفتنة عوالمه ، مكتوية بقلق المواجهة ومنتشية بلذة الاكتشاف.

 لقد حفظت بعض قصائده ، وكنت وضعتها مع مختارات شعرية ـ من الفصيح والعامي ـ أباهي بقدرتي على استظهارها ، والحديث بما تستجليه مدركاتي القرائية الغضة ـ في حينه ـ من تفوهاتها القيمية . 

وحين وقعت عيني في إحدى المكتبات على ديوانه الأول (الكمر والديره) الصادر في العام 1974م أقدمت على شرائه بلهفة ، أثارت انتباه البائع ودهشته.

ومن يومها كانت شعرية عريان السيد خلف ذات مكانة أثيرة لاتداني من تأملي ومراجعتي للنص الشعبي ، والرغبة المؤجلة للكتابة عنه التي آن لها ـ كما يبدوـ أن تتحقق في الصفحات الآتية .

 يعد الشاعر (عريان السيد خلف) من بين أهم رموز الشعر الشعبي العراقي الحديث الذين كرسوا لهذه الوجهة الشعرية ـ ومنذ أعوام السبعينيات من القرن الماضي ـ رسوخها الخصيب ومكانة حضورها في المشهد الثقافي العراقي، والشعري بخاصة. 

لقد حققت تجربته الشعرية تمازجاً نقياً بين حداثة التمثل الواعي الذي تخير الشعر كوة تعبير عن اشتغالاته ، والثقة بإمكانات اللهجة العامية على انضاج جماليات تعبير لها منطلقاتها وتطلعاتها وخصبها .

وقد أرسى ذلك غنى شاعريته في بعديها (الموضوعاتي) المنصت ـ في الغالب عليه ـ لتفوهات الذات وهجسها ، و(الجمالي) ، المتفقه في تخير المفردة الشعبية واستدراج الخصوصيات التعبيرية اللافتة منها ، والاشتغال الايقاعي المعبأ بطاقات مستمدة أساساً من التمثل بعيد النظر لتشكلات الأداء الموسيقي الشعري المتوارث.

 وتسعى قراءتنا ـ بين ما تسعى إليه ، وهي تقارب هذه التجربة الشعرية الفاتنة ـ الى استنبات رؤية مؤداها في إجابة السؤال الآتي : هل يتاح للشاعرالذي يعيش بين ظهراني الحياة الراهنة أن يرقى بمنجزه الشعري إلى حيث يتهيأ له أن يحظى بامتيازات الموروث الشعري الشعبي من حيث التداول وتواصله ، والانضواء تحت  ما اجترحت له من ضوابط الماهية واشتراطاتها ؟

وعلى طريق استنبات إجابة ذات كفاية مؤكدة فقد جرى استنطاق جملة من الوقائع المستمدة من حركية التجربة الشعرية الشعبية في العراق وفضاءات تشكلها ، وعبر الإنصات لتجربة الشاعر وتفصيلات منجزها تلك التي رأينا فيها موثوقية وافية في هذا الاتجاه .

 * الشعر الشعبي …  مجادلة في سماته وهويته :

(1)              

          يذهب  بعض الدارسين المهتمين بالأدب الشعبي وفنونه ـ والشعر منها خاصة ـ الى القول أن صفة (الشعبية) لا يستقيم اطلاقها على الشعر المنظوم باللهجة العامية الراهنة ، المتداولة في هذا البلد العربي أو ذاك ، من منطلق أن هذا النظم الحديث لا يتوافر على جملة السمات التي تواضعت الدراسات عليها في تحديد الهوية الشعبية : (الشفاهية ، واللهجة العامية ، ومجهولية المؤلف ـ أوتغييبه ـ والتداول الجمعي في البيئة المعنية ،والتأصيل والعراقة التي جعلتاه يواصل حضوره متجاوزاً سطوة الزمن). وعبرهذه القناعة فهم يجترحون لها مسميات أخرى ،لا تكون سمة الشعبية من بينها ، كـ (الزجل) أو شعر العامية  أوسواه . ومنطلقهم في الأمر أننا إذا عددنا كل تعبير باللهجة العامية أدباً شعبياً فإن ذلك يؤدي إلى عد الكلام السائر الذي يتبادله الناس في الأسواق وفي المقاهي وفي البيوت أدباً شعبياً . وعلى أهمية تلك الاشتراطات التي أسست عليها منطلقات الدرس الأدبي الشعبي . فإنها تبدو تقيداً له في مساحة محدودة ، تتوقف عند ما جرى انجازه في ماضي الممارسة الأدبية الشعبية وحده ، مما يعني القول بعدم قدرة الحاضر على إنتاج حصته التي يمكن لها أن تدلف بأريحية إلى فضاءات هذا التراث ، وتصبح جزءاً منه ، وإن بعد حين . 

وتلفت الانتباه تلك الرؤية البادية الاستخفاف في المتداول من الكلام العامي ـ على ألسنة الناس ، وفي بيئاتهم ـ الذي لايعدم المتأمل له أن يستل من بين كثرة سيرورته اليومية ومباشرته في التداول النفعي ما تتجلى فيه فاعلية أدائية وجماليات تعبير لافتة ومثيرة ، تحقق له فرصة الانضواء في المنجز التراثي الشعبي الذي نؤمن بأن مجرى تشكله الإنساني لايمكن له أن يتوقف أو يجف نهائياً ، إذ تواصل الذائقة الشعبية تأثيث فضاءتها ، عبر ترديد الشعر المنتج حديثاً ـ نصاً أو من خلال تموضعه في الغناء ـ كما نلاقيه في الطرائف والنكات وصيغ المفارقة ، والحكايات التي تبدو انتاجاً معاصراً للحكي الخرافي ، والتبني المجتمعي للتوصيفات والمسميات التي تطلق على هذه الشخصية أو تلك . ولعله يتكيف أخيراً في تلك المماحكات اللفظية القصيرة التي سميت في بيئتنا الشعبية العراقية بـ (التحشيشة) حيث التلاعب بالنسق الدلالي والصوتي للمفردات ، وإعادة تشكيلها في علاقات تداولية جديدة ، وهو موضوع من الطرافة والذكاء اللماح مايجعله جديراً بأكثر من مقاربة فرائية جادة .

أما مسألة مجيء الكلام في إيقاعية ما عرضاً فإنها مما لايقطع فيها أحد ، فيدعي أنها تمنح النص سمة التمثل الشعري ، يستوي في ذلك فصيح الشعر وعاميه . وقديماً قال (الجاحظ) أنك قد تمر بالسوق وتسمع البائع ينادي : (من يشتري باذنجان)، وهو لايقصد أن يكون شاعراً ، وإن استعان بأدائية تعبيرية تأخذ من الشعر إيقاعها .

إن الفاعلية الإبداعية ـ يستقيم في تمثل تواضعها الدلالي الأدب العامي كما الفصيح ـ هي تلك التي يذهب المبدع الأول إلى انتاجها بقصدية ونزوع تعبيري مدرك ، ليكون مايميزها عن مجمل الأداء اليومي للهجة العامية ذكاء التخير الدلالي للفكرة والتكثيف اللماح والحساسية الجمالية في المفردة والعبارة الموحية أو ذات الجرس الايقاعي اللافت والمثير لرغبة التلقي والاستعادة التي تخرج من فردية التداول ، أو نخبويته ، إلى حيث السمة الجمعية له .

 (2)

 من بين السمات الاشتراطية التي وضعها الدارسون هوية تمايز للشعر الشعبي عن الشعر الآخر الذي يستخدم الأداة ذاتها ـ اللهجة العامية ـ سمتان اثنتان هما : (غياب المؤلف الأول أو مجهوليته) و(جماعية تمثل النص) .

 إن سمة مجهولية المؤلف واحدة من التحديدات التوصيفية الأساس في الأدب الشعبي التي تواتر التوقف عندها  في معظم الدراسات الفولكلورية ـ كما مرت الإشارة ـ  وهي تخبر عن أننا لا نقع على أية إشارة لمبدع النص الأدبي الشعبي الذي بين أيدينا ، مثلما لا يمكننا غالباً أن نضع  الأصبع على المرحلة الزمنية التي صدحت حنجرته بنصه فيها.

ولعل تبرير ذاك مؤسس على أن الإنتاج الأدبي الشعبي وليد لحظة من الانشداد التعبيري إلى ممارسة عملية ـ سلوكية أو اعتقادية ـ أو تهيج شعوري لهما السمة الجماعية ، شكلا الدافع لأن يأتي النص الأدبي من خلال تلك الفورة التعبيرية المشتركة لأكثر من شخص ، بما يجعله منتمياً إليهم جميعاً . غير أننا لا نستطيع أن نقول ذلك عن المنتج الأدبي الشعبي كله ، فنحن لا نتخيل أن ينأى الإبداع عن موهبة الفرد المبدع وجهده والتوهج الشعوري الذي اشتجر في ذات متحمسة ، فأطلقته بنبرة مفردة أولى ، تلقفها من هم حولها ورددوها بعدها او معها ، لتحال في شفاهم الى تفوهات جمعية مبدعة.

إن الأدب الشعبي – وإن بدت عليه سمات الواقعية والبساطة والتمسك باشتراطات البيئة المحلية في تعبيريته – مفعم بقيم دلالية وجمالية غاية في الإثارة والإخبار عن فعل الموهبة المتميزة التي لا يمكن تخيل وجودها عند جميع من هم ضمن مكونها الاجتماعي وظرفها البيئي ، وإلا سنكون بالضد من الوقائع الإبداعية والممارسات الشعورية التي تضع للذات الموهوبة امتياز أن تصبح قطباً لتعبيرية تتسع دائرة تأثيرها فيما هو حولها ، وبذا يصبح العمل الأدبي الشعبي مجهول المؤلف ـ والرأي للدكتور صلاح الراوي ، في رسالته للدكتوراه ( الشعر البدوي في مصر ، القاهرة 2000، ص 36 ) ـ ” لا لأن دور الفرد في إنشائه معدوم ، ولا لأن العامة اصطلحوا على أن ينكروا على الخالق الفرد حقه في أن ينسب الى نفسه ما يبدع ، بل لأن العمل الأدبي الشعبي يستوي اثراً فنياً يوافق ذوق الجماعة وجرياً على عرفهم من حيث موضوعه وتشكله … من خلال الاستعمال والتداول “. وعبر هذا التمثل الأدائي تتساوى حصة المرسل والمتلقي الذي سرعان ما يتحول مرسلاً له ، وعلى هيئة جماعية ، بتحقق فيها لاحقاً تناسي الشفة الأولى التي ترنمت به وحضور المبدع الأول وملامحه الفردية التي دلف بها ـ ومن خلالها ـ الى تمثله للوجود الجمعي وتماهيه معه . وعندها وحين يردد الإنسان الشعبي نصاً أدبياً – شعراً او حكاية أو مثلاً – فهو لن يسأل نفسه أو يسأله غيره عن مصدره ، وشخصية قائله. إنه يردده بيقين أن من قاله أولاً كان يتكلم بلسانه ، ويعبر عن دواخل شعورية جماعية مشتركة ، حتى ليتقمص ذلك المتحدث – في أحايين كثيرة وبعاطفة لافتة – هيئة القائل الأول وسمته ، بادعاء معرفي، يكاد يوحي لمتلقيه أن هذا الذي ينطقه هو نضح تجربته وفعل مكابدته وانتماء تجربته الى وعيها الإنساني ومقدرتها  على البوح.

ومن خلال تأمل هذه الخصيصة الحركية في الأدب الشعبي فلعله يكون بذلك قد أنجز ـ وعلى نحو لافت للانتباه ،ومنذ وقت مبكرـ مثالاً دالاً وخصيباً لقضية (موت المؤلف) التي تقول بعتق النص ـ بعد إنجازه ـ من هيمنة منتجه الأول ، لتطلقه في فضاء القراءة التي تجعله أفقاً مشرعاً لتعددية نصية مؤولة تتواتر بعدد متداولي ذلك النص وقرائه . 

ولعل مايمكن الركون إليه أخيراً هو أن قضية معرفة المؤلف من عدمها لا تشغل الذاكرة الشعبية كثيراً ، ولا تقيد منجزها الأدبي ، لأن الأساس في الأمر هو النص وما يتوافر عليه من خصوصيات تمثل وإيحاء ، وتخير لفظي ، وجهد لإنتاج الابداع العالي والمثير في فكرته وجماليات أدائه التي تنقل النص من فرديته ـ عبر التداول المتتابع له ـ إلى أفق الجماعة واهتمامها . وهكذا تؤدي بنا سمة مجهولية المؤلف في الأدب الشعبي إلى الحديث عن السمة الأخرى التي ننشغل بها ، تلك هي انفتاحه على أفق (الجماعة) التي أعلت من شأنه ووضعته في عين التقدير لكل ما يعبر عنه وبستدرجه من محمولات دلالية وقيم تشكل أنتجها وانتمى إليها وعي الجماعة وذائقتها.

ومن خلال هذه الرؤية يمكن الذهاب إلى ما ينهض عليه الأدب الشعبي من قيمية جماعية ينشد اليها ويعلن عن تفوهاته بها ، فعلى العكس من أدب النخبة – أدب اللغة الفصيحة الذي تطبعه الذاتية ومكانة المبدع الفرد الضاجة فيه ـ يتمسك الإبداع الشعبي بما للجماعة من حضور أساس في مجمل ما يتأسس عليه من تعبير ومقيدات فنية تناسب البيئة التي يهجس الممارسات الإنسانية المختلفة فيها ، ويتمثلها ويتفوه بها، مضفياً عليها السمة الجمالية التي تناسبها ، وتتوافر عليها تكيفاتها الذوقية. 

 (3)

 إذا كان ما سبق تأشيره مرتهناً إلى الحديث عن الأدب الشعبي وحدود تقنينه وحده ، فهل هو مكتنف على اشتراطات لايمكن لسواه من الأدب ـ وأعني هنا الأدب المكتوب باللهجة العامية تحديداً ـ أن يؤسس لمساحة من الفاعلية والتحقق المؤثر من خلال اكتنافه لإحدى هاتين السمتين التي ستعلن عن حضور الأخرى بين طياتها،الأمر الذي سيوفر له حظوظاً لأن يدلف الى فضاء خلوده بوصفه أدباً شعبياً؟.

وبعبارة أخرى : ألا يمكن للنص الأدبي المعاصر المدون باللهجة العامية ، ذلك الذي نعرف مؤلفه ـ وربما نعاصره ـ أن يتخطى قيد معلوميته التأليفية المشخصة إلى حيث تؤهله الممارسة (الجماعية) التي تترنم به وتستعيده لينضوي فى مساحة التخليد الشعبي الي ربما سيذهب به ـ مع تلاحق الزمن وتواتر الترديد وجمعيته ـ الى حيث التناسي التام لمؤلفه الأول ، أو انتفاء الانشغال بذلك على أقل تقدير، وتبني النص وحده ؟. نقول ذلك ولدينا من الشواهد في أدبنا العربي ـ يندرج في ذلك فصيحه وعاميه ـ ما يؤكد تلك الامكانية ، ويؤشر كشوفات ماتحقق لها في هذا السياق من الانهماك التعبيري الذي تخطى فردية منجزه ، ليبقى المنجز وحده صاهلاً بيقين حضوره تجربة إنسانية يستعاد الإصغاء إليها في كل حين .

 *  *  *

* هامش :

  عريان السيد خلف شاعر شعبي عراقي ، ولد في اربعينيات القرن العشرين في  محافظة ذي قار . بدأ نشر قصائده مطلع الستينيات من ذلك القرن. صدرت له المجموعات الشعرية الآتية : الكَمر والديره كَبل ليله ، أوراق ومواسم، شفاعات الوجد (مع مظفر النواب وكاظم اسماعيل الكَاطع) ، صياد الهموم (صدرت في لندن عام 1997 وأعيد اصدارها في بغداد بعنوان ( تل الورد ) . كما صدرت أعماله الكاملة في أكثر من طبعة .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان