ثقافة شعبية

(مقاربة أكاديمية) … عريان السيد خلف.. الشاعر الذي حمل (الگمر والديرة) الى (تل الورد)

الجزء الثاني 

 
 د. علي حداد
 
(4) 
  عايش المشهد الثقافي العراق ـ والأدبي منه بخاصة ـ في النصف الثاني من القرن العشرين حيوية  ناهضة وروحاً جديدة مختلفة الاتجاهات والتشكلات تريد أن تعبر أسوار حاضرها ووقائعه،لتصنع لها مساحات من الانجاز المعرفي والجمالي المضاف الذي يتاح لها أن تكرس وجودها فيه ، وبرغبة أن تتخطى من خلاله ما تحقق للثقافة العراقية ـ مرحلة الأربعينيات والخمسينيات ـ من مكتسبات الجديد وحركيته الفاعلة في مختلف مناحي الحياة وشؤونها. (ينظر: د. علي حداد ، الخطاب الآخرـ أبجدية الشاعر ناقدا، ص50 ومابعدها).
 لقد تواشجت عوامل عدة لتصنع لهذا المشهد خصوصيته إذ ” ارتبطت الحياة الثقافية العراقية عموماً ، والشعر العراقي خاصة ، بتطور وعي الحركة السياسية العراقية ومعتركها الثقافي العام ، حبث انتعشت الحياة الأدبية ، وارتقت مع تنامي الحياة الفكرية وتجاربها الإنسانية داخل اليسار العراقي الممتلك ـ آنذاك ـ لجماهيرية كبيرة في الشارع العراقي ، وترسخت رقعة التجديد الثقافي “(عبد الكريم هداد ،مدخل الى الشعر الشعبي العراقي، ص58).      
وفضلاً عن ذلك فقد شهدت تلك المرحلة انفتاحاً ثقافياً على تجارب معرفية وابداعية عدة ـ عربية وعالمية ـ وازدهاراً للنزعات التعبيرية الشعرية المختلفة ، ونزوعاً نحو التجريب الأدبي بمختلف فنونه ، الأمر الذي أفرز في الابداع العراقي المنجز في حينه ممارسات لافتة ” تتصف بالحماس الزائد لها من قبل روادها ، كما تتسم بحيوية وجرأة ، وهي حركة تريد أن تقوم على أسس جديدة ” (عامر رشيد السامرائي ،أسطورة عبد الله الفاضل ومقالات أخرى،ص 45) ،تختلف عما سبقها في كثير من دعاواها ومتحققها الذي تنادي به . من خلال نص شعري مغاير يفصح عما ” طرأ من تغيرات فكرية واجتماعية داخل بنية المجتمع العراقي في ستينيات القرن العشرين ، تلك التي فرضت على الشعراء المبدعين تفجير الكثير من القضايا والموضوعات ، سواء على المستوى الفكري أم على مستوى الإيقاع واللغة والأساليب ” (عبد الكريم هداد ،ص 67).
 لم يكن الشعراء الذين يكتبون الابداع الشعبي بعيدين عن تأثير تلك التفاعلات الثقافية الجادة المحتدمة من حولهم . ولاشك في أن أجيالاً جديدة منهم قد لفتت اهتمامها ـ ومنذ وقت مبكرـ التجربة التجديدية الباهرة التي صنعها رواد الشعر الحر في القصيدة العربية الفصيحة ، فسعوا الى مجاراتها ، وتبني كثير من توجهاتها في كتابة نص شعبي مختلف عن مسار تعبيري طال أمده ، كانت الممارسات الشعرية الشعبية ارتكنت إليه ، وهي تمتاح من إرث خصيب لم تنفك عن تبنيه ، وتقديم تجاربها عبر قوالبه واشتراطاتها التعبيرية .وكان لابد لها تفتح فيه كوة لفاعلية مغايرة ، تمده   بحيوية أكبر ، من خلال استحداث قواعد وأساليب وأعراف لغوية جديدة  ، وذلك ما تحقق فعلاً عبر المنجز الخصيب الذي أعلنت عنه حينذاك تجربة الشاعر (مظفر النواب) الذي يعد رائد التحديث في القصيدة الشعبية العراقية . ليأتي بعده جيل من الشعراء (أبو سرحان ، وكاظم اسماعيل الكاطع و عريان السيد خلف ، وزامل سعيد فتاح …وسواهم ) الذين أثروا نهجه الشعري ، وأفاضوا عليه من خصوصية منجزهم ، وبما أرسى للشعر الشعبي العراقي مساراً جديداً ، يعي قيم الحداثة الشعرية ويحاور ما يناسبه من قيمها ، ويماهيها مع ما لموروثة الشعري من مرتكزات تمثل تؤشر خصوصياته            
  (5)
          تكاشف انتباه من يتأمل متحقق الشعر الشعبي العراقي في مرحلة الستينيات وماسيليها جملة من الارتسامات الثقافية ذات الدلالات الجديرة بالاستعادة . فلقد هيمنت على معظم الانتاج الشعري ـ الذي أصبحت العاصمة (بغداد) هي الحاضنة الجغرافية المكانية لتداوله ـ أدائية تتبنى كثيراً من معجمية اللهجة العامية لجنوب العراق وهواجسها التعبيرية ، عبر تجارب شعراء جاءوا من تلك البيئة ، أو كانت هي المنبت الأصلي لانتمائهم ، متداخلة مع ما كان للهجة بغداد ـ قبل ذلك ـ من تردد أدائي طاغ تمثله الشعر ومعه الغناء أيضاً ، وفي خلال عقود متلاحقة من الزمن  ، ولنا فيما كانت عليه شاعرية (الملا عبود الكرخي) ، ومن ترسم أسلوبه من شعراء الأجيال الشعرية اللاحقة ما يمد هذه الرؤية بموثوقيتها ، حيث ” تبدي القراءة العامة للشعر الشعبي عند أوائل القرن العشرين عدم القدرة الشعرية في توحيد الأشياء . فالشعراء ـ آنذاك ـ لا يختلفون كثيراً عن خيال الإنسان العادي … وطبيعة الخيال الذي أقصده ليست أشكاله ومفرداته الشعرية ، وإنما درجة الفرق بين خيال الانسان العادي وخيال الشاعر في بناء الصورة الشعرية المراد التعبير بها “(عبد الكريم هداد  ، ص17) .
ولاشك في أن ذلك كان ـ في جانب منه ـ نتاج عوامل ثقافية ـ اجتماعية ونفسية ـ عدة ، واستعداد لافت لتقبل اشتراطاتها في المجتمع العراقي عامة ، والبغدادي على حد الخصوص . فلعل الهجرة من ريف الجنوب الى بغداد التي تدافعت بعد قيام النظام الجمهوري في العام 1958م ، وما شهدته العاصمة من كثافة سكانية وتغييرات (ديموغرافية) قد بدأت تعطي ثمارها الثقافية عبر دخول لهجة أولئك الوافدين بكثافة في التداول اليومي ، ومن ثم تمددها الى الفن القولي بمجالاته كلها ، لتصنع تداولية لغوية جديدة ، ومعها سمات ذائقة شعرية متداخلة المكونات ، ولكنها تجد في الممارسات التعبيرية المتعددة والبعيدة في كشوفاتها الشعورية التي تكتنفها اللهجة الجنوبية ماتؤسس عليه نصها الشعري الجديد.
ويمكن القول إن الهجرة السكانية المتدفقة من الجنوب نحو بغداد ـ الحاضرة المدينية التي تهيمن عليها مواضعات تاريخها ونسيجها الثقافي الخاص ـ لم تكن وحدها لتصنع تلك السطوة الجمالية المهيمنة لو لم تتوافر على خلفية ثقافية لها مقدرة عالية من الثراء السلوكي والتعبيري ، وعمق التمثل القيمي والجمالي . فهؤلاء القادمون من بيئات ريفية مختلفة كان وجودهم الإنساني قد استقام في حاضنة ثقافية خصيبة الغور، لها تنوعها البيئي العاج بمظاهره وجماليات تكوينه المتعددة حد التناقض ، وتاريخها الذي يذهب في الزمان نحو آلاف السنين ، وجغرافيتها التي انتجت حضارات إنسانية معطاءة ، اتيح لكثير من سماتها أن تتخطى أنسجة الزمن الكثيفة ، لتتنفس وجودها في سلوك أولئك الأحفاد وممارساتهم الاعتقادية وتفوهاتهم اللهجية. وإذا أردفنا مجسات ذلك بأنواع المكابدات الانسانية المادية والسلوكية تلك التي أمسكت بتلابيب وجودهم وسيرته في ممارسات وقيم وتقاليد أنهكت أرواحهم ، سنكون قد وقفنا عند أعتاب اليقين بأن ما لديهم من فنون شعرية وغناء وترانيم إنما هي تعبير عن نزوعهم الإنساني لتجاوز الحصار الشعوري الذي يكتنفهم ، وإطلاق أصواتهم ـ في الأقل ـ  من أسار ذلك في تعبيرية لغوية لها تنوعها الأدائي وفيوضه الجمالية المثيرة.
لقد أوجدت تلك العوامل متضافرة حاضنة شعرية جديدة كان لابد لها أن تعلن عن منجزها المغاير، وأن يفرض هذا المنجز اشتراطاته بقوة حضوره الأدائي وكشوفاته الفاتنة ، وتلك القدرات الشعرية البعيدة في إمكاناتها التي توافرت عليها أجيال الشعرية الشعبية الجديدة 
 يرى الأستاذ (عامر رشيد السامرائي) أن القصيدة الشعبية الحديثة لايكاد يشغلها سوى موضوعتين : الغزل والسياسة ، بإزاء تغييب الأغراض التقليدية الأخرى التي درج الشعراء الشعبيون ـ قبل هذه المرحلة ـ على تداولها : كالغزل والمديح والرثاء والهجاء والاجتماعيات وسواها ، وذلك أمر واقع فعلاً ، ولكنه لاينال من القصيدة الشعبية بل لعله امتيازها الدلالي المثير. لقد استنبت شعراء القصيدة الحديثة ـ يتلاقى في ذلك الشعراء الشعبيون مع من سبقهم إليها من رواد الشعر الحرـ وجهة جديدة من التداول (الموضوعاتي) للنص الحديث ، تقوم على رؤية متسعة لموضوعة النص التي تشتبك مع الهم الإنساني ومكابداته المختلفة ، وهي تتهامى من دون فرز موضوعاتي ذهني خارج عن الاكتناف والتداخل الشعوري الفياض الذي هي عليه في النفس البشرية . لقد أدرك الشعراء الشعبيون المجددون أهمية أن تتجاوز القصيدة السياق التقليدي للأغراض ذلك الذي ذبلت روحه ، لكثرة الإلحاح التعبيري عليه من قبل الشعراء الذين سبقوهم ، في الوقت ذاته الذي أرادوا فيه لطاقاتهم الشعرية أن تنعتق في فضاء تعبيري متداخل الانشغالات ، لاتحد من تدفقه واتساع حدقات تحسسه الشعوري واحدية الغرض وقيوده ، فالتاذت أفكار النص بمكاشفة تشرع أفق التأويل القرائي لتأملات دلالية متعددة لاتكاد تتوقف عند حد موضوعاتي بعينه . وهكذا ـ وكما هو شأن القصيدة الفصيحة في شكلها الحديث ـ فقد كسرت القصيدة الشعبية الأغراض التقليدية ـ وأصبحت مساحة متسعة لتداخل تعبيري ، يصدح بالتشاجر المعرفي والنفسي الذي يواجهه الانسان المعاصر. وكان لابد من أن ترتقي القصيدة بنسق التعبير نحو وعي أدائي وجمالي مغاير ، فهي لم تعد مداولة لمعاينة ذاتية مباشرة ومتهافة على معجم الهم اليومي الذي يقول كل ماعنده من دون كد ذهني يؤشر الإمكانات المعرفية والذوقية للشاعر التي تريد أن تصنع مثاقفة جادة ، تضعها بين يدي التلقي ، وهكذا فقد أمسى الشاعر فيه لا يتحدث عن نفسه بذلك الشكل التقريري بل يحاول أن يرسم صورة كاملة فيها إيحاءاته الى مشاعره  ،وفيها ما يلفت الاهتمام القرائي ، ويشغل الوعي والذائقة لتأمله وتفكيك مراميه البعيدة .
   حين تجاوز رواد الشعر الحر بعض اشتراطات الشكل الشعري القديم فقد كانت المهمة المفروضة عليهم أن يأتوا بالبديل الذي يعوض ماسيفقده النص من فنيته. وفي ذلك يقول الشاعر (يوسف الصائغ) في كتابه (الشعر الحر ، ص170) إنهم ” حين تخففوا من قيود الوزن والقافية فإنهم غامروا بالتفريط بما تقدمه الموسيقى التقليدية من مزايا شكلية . وكان عليهم أن يبحثوا عما يعوض هذا النقص في البناء الشعري ، ولأجل ذلك توقفوا عند الصورة الشعرية “. ويبدو أن هذا المدرك التعبيري الجديد لم يكن ببعيد عن وعي التجارب الشعرية الطالعة في الشعر الشعبي فقد كانت للصورة في نصوصهم الفاعلية الأبرز والأشد إثارة ، حتى ليمكن القول : ” إن الشعر (الجديد) يقدم للقارئ صورة حية لا ألفاظاً فحسب ، صورة تعج بالتشبيهات ” (عامر رشيد السامرائي، ص53) والكد التخييلي العالي من خلال إعادة تشكيل الممارسة اللغوية على وفق علاقات جديدة ، تصنع عوالم من الفيض الدلالي الذي تهيمن عليه تجسيدية مفعمة باللون والحركة المنفعلة ورائحة الأشياء والموجودات التي تلقي انهمارها الشعوري على بعضها البعض. 
     لقد بدا أن اشتغال الشعراء الشعبيين الجدد مكرس في نوع شعري واحد هو (القصيدة) ، وهذا أمر جدير بالوقوف عنده. وحقيقته أنهم وإن كان تركيزهم على القصيدة ـ والطويلة نسبياً منها ـ فإنهم لم يهملوا نظم الأنواع الشعبية الأخرى:( الموال  والأبوذية ، والهوسة ، وسواها) ، لكنهم تداولوها بحدود ليست متسعة . وهم ـ وإن لم يكن معظمهم قد أفرد لها مساحة خاصة في دواوينه ـ قد أوردوا أمثلة طيبة لها في ثنايا تلك القصائد . وربما كان ذلك تعبيراً عن تمسكهم بالقصيدة وما تقدمه من امكانات تعبيرية درامية ، تتسع لأفنية نصية عدة ، أو لرغبة ـ غير معلنة ـ في أن تنتزع تلك الأنواع الشعبية من متن القصيدة الكتابي ، ليجري تداولها شفاهياً ، الأمر الذي يجعلها أكثر تلقياً وأسرع انتشاراً ، ويوفر لها فرصة أن تندس في فضاء الأدب الشعبي وتراثه الذي لايمكن إغفال أن واحدة من طموحاتهم أن يكونوا جزءاً منه ، وأن تنضوي قصيدتهم يوماً ما في إهابه.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان