الجزء الثالث
د. علي حداد
* عريان السيد خلف … منطلقات الرؤية وكشوفاتها :
(1)
تكرست جملة وقائع انسانية وثقافية في شخصية عريان السيد خلف ، فأنتجت سمات شاعرية ذات خصوصية مؤشرة لقيمها ومنجزها الجمالي. وإذا ما بدا أن بعضاً من تلك الوقائع قد توافر عليه وجود سواه من الشعراء ، فلا شك في أننا نشير إليها هنا لا لكونها مؤشرات تمايز له عن سواه بل عبر تشخصها في الترسم الإنساني والإبداعي الذي يخصه ، من دون أن نتناسى ـ قبل ذلك وبعده ـ التوهج الخاص للموهبة التي لا تجيء اكتساباً بل تطبعاً قدرياً.
ينتمي الشاعر(عريان السيد خلف) إلى عائلة قدمت إلى السكنى في بغداد من جنوب العراق ، ومن (الناصرية) تحديداً ، تلك المدينة التي كانت بيئتها من بين أكثر البيئات العراقية انتاجاً للمواهب الشعرية والغنائية في تلك المرحلة.
ويبدو أن الاهتمام بالشعر الشعبي لم يكن طارئاً على محيطه العائلي ، إذ يشير (عريان ) ـ في أكثر من حديث له ـ إلى أن والده كان ينظم الشعر، ولعل ذلك مما أيقظ في شخصية الابن ـ منذ صغره ـ نزوعاً للتلقي ورغبة في التأمل والمجاراة .
ولايمكن تصور هذا الشاعر ذي الروح المتوقدة بالموهبة على غير تماس مباشر مع التجارب الشعرية من حوله ـ وفي مدينته تحديداً ـ تلك التي لابد من أنه قرأ لها وتأثر بمنجزها وتثاقف معه ، وذلك في الإبداع سنة متبعة ، ومن بداهات التواصل المؤسس التي لا يكون لتطلعات أية موهبة ناهضة أن لا تتلمس انسجامها الشعري معها.
وفي مرحلة لاحقة فقد تلقفت تجربته الشعرية جانباً من مدركاتها عبر المواجهة لوعي جيلي مشتجر، تمثل فيما توافرعليه الفضاء الثقافي العراقي في ستينيات القرن الماضي من مثاقفة متعددة المشارب ومتنوعة الانجاز سبقت إشارتنا إليها.
ولعل من بين أولى اشتراطات قراءة تجربة عريان السيد خلف الشعرية ـ وهي تواجهنا بمتحققها ـ أن نؤطرها في المدرك الفكري والسياسي الذي تطامنت معه ،وشرعت آفاق أدائها لتلهج بقيمه ومضامينه . فقد بدا أن الشاعر قد تلمس مبكراً وجهته نحو الفكر اليساري الذي فرض ـ حينذاك ـ حضوره في آفاق الحياة العراقية السياسية والاجتماعية والأدبية على نحو لا يجارى ، الأمر الذي أنضج فيه سمات شخصية منتمية الى ذلك الفكر ووجهته الجماهيرية ، وأسكن قناعاته الإنسانية والشعرية لتداول طروحاته .
وكان طالع سعد طيب أن يجد عريان السيد خلف نفسه بإزاء تجربة (مظفر النواب) الشعرية ، تلك التي كانت منطقة تحول جذري في مسار القصيدة الشعبية ، حيث ذهبت في أفق التجديد إلى أبعد مدياته ، لتصنع تياراً شعرياً جديداً مناهضاً للأشكال الكتابية السائدة ، كسرت من خلاله أنماط التلقي الشعري السائدة ،وأثارت ضجة لم تهدأ بسهولة في الوسط الشعري العراقي .
لقد تبنى الشاعر توجهات تلك المدرسة ومسعاها التجديدي ، فقدم فروض الانتماء الحميم لها ، ولرائدها (النواب) الذي همس له في أحدى قصائده :
أعز من روحي احسك
ونته اعز مني
ياحسبة عمر .. خاويتهه امن اصباي
بطلت صفنتي ومابطلت مني
(ولاجني ،ص140)
وتبقى في أفق التشخيص بعض الموجهات التي لها أن تضفي على تجربة عريان السيد خلف الشعرية بعض تمثلاتها ، من قبيل أننا ـ وإذا ما تجاوزنا الرغبة الشاغلة التي تحملها الشخصية الانسانية ـ لاسيما المبدعة ـ في بحثها عن التميز، فلاشك في أن وجود أسماء شعرية جديدة تعايش التطلعات الثقافية ذاتها والرغبات في أن تصنع مجدها الشعري الخاص كان لها ما تؤسسه من اشتغال لديه ، كي يصنع لقصيدته أفقها الخاص الذي يشير إليه وحده ، عبر تلمسه مناطق غير مأهولة تعبيرياً من الاشتجار العاطفي المتدفق ، وملكات التعبير المزدحم بشجنه ، وأسلوبية التخير اللغوي ، ومعجميته بعيدة الخصوصية.
كما أن في ظهور الأغنية الحديثة ومتطلباتها النصية ـ التي اعلت من شأن القصيدة ، وساوقت بينها وبين النص المعد للغناء سلفاً ـ ما يمكن تلمس فاعليته المؤثرة في إضافة أفق من الانشغال التعبيري الذي تأمله عريان السد خلف طويلاً وأسس له مساحة في شاعريته ، إذ يجد المتلقي لشعره أن حصته من النصوص المغناة باذخة ، من خلال ماكرسه فيها من اشتغالات على تلك الوجهة الخاصة من التمثل الجمالي ، وتبنيه القيمي لمضامين وهواجس ودفق عاطفي يجعل من نصه مهيأ لأداء إيقاعي قريب المنال .
(2)
كمثل أية تجربة شعرية معطاءة بخصب لايجارى فقد امتلكت شاعرية عريان السيد خلف أريحيتها العالية عبر التشخص المخبر عن امتيازاتها الفكرية والجمالية ، وكذلك القيم التي ترسمتها وأرست عليها مشخصات الإعلان عن شعريتها، وهي تعايش حيويتها في تجاوز منجزها الى مناطق تعبيرأخرى ،تكيف فيها محصولها المعرفي والجمالي باشتغالات مضافة ونامية في أدواتها ووسائلها .
ولعل أول مايتجلى في نصه الشعري هي تلك الفاعلية التعبيرية الأساس التي تنهد إإلى استحضار الطبيعة والامتياح من معطياتها المختلفة . ولكنها ليست تلك الطبيعة التي عهدناها في القصيدة الرومانسية العربية الفصيحة مثلاً . إن الشاعر هنا يستثمر مجمل تشخيصات التمثل الطبيعي وعناصره ، ولكنه لا يجيرها في النسق الانفعالي المتداول ذاته ، ولتبيان ذلك تفصيلاً نقول :
إن المنطلق التعبيري الأساس لدى الشاعر هو استثمار حيوي لقيم للطبيعة ومظاهرها المختلفة ، ولكنها ليست الطبيعة المثالية التي يضع الرومانسي وجوده المنفعل بها ، في سياق من التماهي معها ، إنها تأتي عند عريان مستمدة من تمثل لطبيعة تشخص في ذاكرته وحواسه . طبيعة يعرف تكويناتها ويتحسس حضورها في التماس الإنساني اليومي الذي يستدعيه الى نصه ، ويجيد نطق مسمياتها بتلذذ شعوري عالي الانشداد . طبيعة حقيقية تمازجت مكوناتها في مدركه التعبيري عبر تداخل ألفاظ وسلوكيات وصور، ومشاهد يستمدها من مداخلته بين بيئتين : بيئة ريفية وأخرى بدوية . ولتشخيص هذه الرؤية يمكن الإشارة إلى أي نص عنده ، وليكن ذلك قصيدته الأولى (ردي ردي) من أول دواوينه (الكمر والديرة ـ 1974م) ، التي يستهلها بالمشهد الاستعاري الآتي :
ردي … ردي
ياظعن
شت عن هله
وحداي غربه البيه يحدي
ليأتي بعد ذلك قوله فيها :
وآنه … خلاني الوكت
ناعور
بس أترس وأبدي
ثم قوله:
آنه موش أول زند
يشتل شلب
ويحصد بردي
فما يكشفه الاستقراء أن الشاعر يمازج بين مقومات أكثر من تشكيل صوري من أبعاد بيئية مختلفة ، حيث الأولى ذات ترسم بدوي ، في حين يدلف المقطع الثاني الى بيئة المنطقة الغربية الزراعية ، عبر ذكر (الناعور) ، ليتلقف المقطع الثالث مستلزماته من بيئة الجنوب الزراعية ، بإشارة الى توجه زراعي غالب فيها .
وهكذا ، فإن كل نص من نصوصه ينبئ بتشربه لكينونة انتمائه وسمات وجوده في بيئته الريفية الأولى ، ولكن هذا الانتماء البيئي المستفيض لا يتقاطع عنده مع (التناص) القيمي المستعاد من تمثلات البيئة الأخرى ، فهو ربما أضفى على ذاته سجايا نستعيد فيها ماتواضعت على تمثله نمطية الشخصية البدوية ، ولاسيما في مثالها الشعبي الأشهر (شخصية عبد الله الفاضل) التي يتقمصها الشاعر أحياناً :
وهلي الدنيه بلايه ليل
بلايه فشله
بليه جلمة مستحه الذل الجبين
وهلي بليل الباع ناسه
اتعلكو نجمات تهدي التايهين
(امعتبين ،ص116)
إن هذا التداول المكاني يترك فاعليته على صوت النص الشعري ، والشخصية التي تنطق فيه ، تلك التي تداخلت فيها ملامح تكوينات بيئة متعددة ، سواء وهي تمارس وجودها منهمكة بفاعلية عاطفية مهيمنة ، أو إزاء الانشداد الى أفق التعبير عن الانتماء الى الوطن والناس .
(3)
يتضح التمثل المنشد الى رؤية رومانسية بينة عند عريان في (نصوص الحب) ـ التي ملأت الحيز التعبيري الأكبر عنده ـ حيث الانشغال بالحبيب وتقديم فروض من التدله المنبت الى عمق يقيني لايغادره ، يضخه في التكيف الأدائي الدائب لمكابدات شعورية يهيمن عليها الانسحاق العاطفي المشدود الى الحزن والحبيب الهاجر ، والتلذذ بوجوده ـ وإن كان مجافياً ـ ، مع نزوع من العتاب قد يصل في حالات من التأزم الى القطيعة معه ، بعد أن يكون قد خاطبه وعاتبه وحنّ له ، وأسف عليه.
وتتمسك قصيدة الحب لدى عريان السيد خلف في انشغالها الشعوري بتمثل يحيلنا الى استعادة ما لقصيدة (الغزل العذري) من توهج تعبيري نقي ، تتشكل فيه صورة عاطفية للحبيب لاتشغلها المواصفات الجسدية أو التصورات الحسية قدر انشغالها بوجود مثالي له ، يجعله جديراً بأن تتهامى عواطف التعبير المنداة بين يدى محبته
وعبر التشبث بتلك الرؤية فقد جاءت قصائد الحب عنده وكأنها قصيدة واحدة ، فهي تمتاح من إناء شعوري متصل العاطفة بقيت تتردد عليه , تنهل منه ، ابتداء من قصيدته (موسلين) المكتوبة منتصف السبعينيات :
غيرتني
اغيار عود
العنه مجرى الماي ينشف
وآنه لك
لهفة غريج
اعله الهوى المضنوك
والهف
وحتى آخر قصيدة في مجموعته الأخيرة (تل الورد) :
عاتبني بعتابك خل ترد روحي
او وهسني بدلالك ياشتل شمام
حته أزهك واشوفك وينها اجروحي
بيهه اشبع غرورك
يا اعز جتال
يتمايل غنج لو بيه ثكل نوحي
وبين قوسي تلك المساحة الزمنية الممتدة لمايقارب من نصف قرن تماهت موضوعة الحب مع الاشتجار العاطفي الذي يرسم للحبيب أرق صور الاكتمال التعبيري :
يا شايل حلاوة خوف الحديثات
ومحمِّل سحر ..
يامايع ترافة .. اتهيب من احويك
خاف اصعب عليك .. وخاف بيدي تموت !
(خاف تموت ، ص 208)
ليبقى هو مكابداً تحولات تلك العاطفة بين الرضا والصدود ، والانتظار واليأس ، والشكوى :
أتاني تعود
نيشان العطش بيه..
وعله المامش هروشه اتجود
ألوذ ابشيمة العاكول… واصعد
عله الآه صعود
ومراوح يعمر اجفاك
جرح يصيح جرح ايهود
(الجثة والدود ، ص73)
والالتياذ بذكر الحبيب الذي كثيراً ما استدعاه الشاعر ، ليبثه لواعجه :
همت… من غير راحة بال
بس طرواك تبرالي
على جروحي الجروح تنوح
حالي يشد عزم حالي
( سل الشمع ، ص26 )
وربما عزت عليه نفسه في لحظات من اليأس الطاغي ، فيبدي التمرد على مشاعره حدّ مجافاتها :
بعد لتظن
تحايلني المودة وليك روحي اتحن
وبعد لتظن
تكاوي امشتتاتي
وبيك بس أصفن
وأبد لتظن
يضوك الدمع عيني
ويطفح المجمن
مالازم فرح
كون اليحب مذلول
وبشوفة عيونك عاليحبها اتمن
( بعد لتظن ،ص142)
ولكن الأمر ليس بيده :
آخ يا نسمة شبابي .. الغرّبت
ياهو اليردها ؟
اوسمّت اجروحي الجثيرة .. اوحاير بيا صورة اشدها
عاد ، يالجتفت روحي ابسلسلة حسرات .. هدها
(جنت أظنك ،ص24)
وهكذا ـ وفي نهاية المطاف ـ يعود ليعترف له بكل ذلك العمر من الوجد :
منك ماروت يدعج بعد روحي
ولارادت ولا سمعت ولاحبت
( تل الورد ،ص213)
ليوجه إليه ـ وهو لائب الوجد ـ سؤال يمتد على مساحة تاريخ وجده به ، محتدماً بشوقه وظمئه :
والمك لمة الخاطر بالعتاب
وأسألك: من عطشتك ، ليش ماجيت؟
( ماجيت ،ص166)









