ثقافة شعبية

(مقاربة أكاديمية)… عريان السيد خلف.. الشاعر الذي حمل (الگمر والديرة) الى (تل الورد)

الجزء الرابع 

 
 د. علي حداد
 
(4)
 يتبدى تكيف (الأنا) في نصوص الشاعر عريان السيد خلف لازمة دلالية تتسع مدياتها لتتداول عواطف شتى ، ابتداء من موضوعة الحب مارة الذكر الذي كانت أناه فيها منهمكة بحوارعاطفي دائب كابدته ، واكتوت فيه بانشدادها المتماهي الىمآلات تشكله ، ومروراً بمواقفها من كيونتها تلك التي امتلكتها سطوة طاغية من الحزن والفقدان ، ثم تكيفها أخيراً الى حيث تصبح ذاتاً جمعية ، تصدح بخطاب الـ (نحن) والمواقف التي تبنتها منه ، وجعلتها أعرافاً قيمية وسلوكية  لاتغادرها:
 المحبه صيتنه       
ودمنه اليظل دوار      
والطيبه خبزنه تنلكي بكل بيت       
ومن كلب لكلب       
تتوافد وتندار            
 (المعيبر عبد ، ص131)  
 وإذا كانت الأنا في مواجهة الحبيب ملتاذة بانهمارات وجدها فإنها ـ وحين تستعيد توازنها مع ماتكيف لها من احتواء وجودي ـ ستصدح بقيمية عالية الفروسية في الموقف والسلوك : 
حجوا عني اعلة كبر الكَاع .. كالوا :ضاع
كَالوا : من ثلج لاحه السموم وماع !
حجة عني الردي واليستحي من اسمه
حجة عنّي الرعيع .. الخاف من رسمه
اوطبع روحي .. اريحيه اتشيل راس الخل
اوجثير الحملوها اذنوب .. كَالو يوم ما تحمل 
 ( حجو عني ،ص203)
إن مواصفات قيمية موروثة هي ما يستدعيها الشاعر ليصنع لذاته وجودها القيمي الصادح :
ونة طبعي من اصاحب 
صاحبي المضنوك
لا بجّي ابشديدة .. ولا يرك الحيل
لا ذل خاطره.. ولا وصّخ الماعون
ولا ادفه ابمنامه .. اشما يجور الليل 
 (حجو عني ،ص204)
وهذه الذات التي تترسم تلك القيمية العالية في تعاملاتها الإنسانية ستذهب لتأملها في بحثها عن (الصديق) ذلك القرين الروحي الذي تريد أن تستخلصه لودها … فلاتجده:
لا طيب الحليب .. ايحرك الوجدان
ولا صاحب وفي .. العند الضنك ينشد
بس مجمع عجارب .. ويل للغفلان
تتناوبه ابسمها .. وبالعجل تلبد
صحبة كاس ليل.. وكهكهة غمان
محاببهم جذب .. ومزاحهم بارد
عمت عين الليالي .. وهجم بيت الموت
يتخطه الرعيع .. وياخذ الماجد      
 (الشاهد، ص147)
وحينها لم يبق للشاعر إلا أن يستجير بالماضي ـ بسيمائه المكانية وخصبه القيمي ـ يلقي بفيضه على جسد الراهن الكالح :
لو ذيج الليالي اتعود ، 
او لو شطنة الجزر
يومين .. خنياب .. او يرد صيهود
جنت اصرخ : يشط الطيب
جنت اصرخ : يهلغراف ما تغسل اكَلوب السود   
 (الجثة والدود ، ص74)
 يتهامى التعبير الشعري لدى عريان السيد خلف بفاعلية من الحزن ، فيها ماهو تماه راكز في يقين وجوده الفرد :
مشكلتي الفرح ماعرف بابي امنين 
وبلون الحزن من زغري متمشكل
ناورني الدمع بأول مدب علكاع
وناورني الحزن وي رنة الجنجل     
 ( صياد الهموم ،ص139)
 ليلحق به ذلك الذي يتأتى إليه من أكثر من مسرب ، ليس أقلها اندساس لاواع لتمثل جمعي تأطرت فيه التعبيرية الشعرية العراقية ـ والشعبية أكثر من سواها ـ وهي تمتاح من محيط انساني تراكمت عليه وقائع وممارسات وقوى وطغيان صنعت له تواريخ من الأسى الذي لم يكن له من بد إلا أن تحيله تفجعات صادحة البوح بأحزانها ومكابداتها : فعدا النفثات الملتاعة ـ سواء وهي تكابد فقدان الحبيب أو حين تراجع رصيدها الأسيان على الصعيد السياسي والاجتماعي فإن الشاعر حين يتحدث عن الحزن الذي يغمر نصوصه لايشير الى حزن فردي ، إنه يؤشر في نصه مساحة الحزن الجمعي المندس عميقاً في الذات الشعبية :
ضمني ابليل ثاني .. وحل حلال الخل
شحيحة افراحنة .. ودكانهه امعزل
البسمة انبوكَهه من الاه والياويل
وصيّاد الهموم ابدفتره ايسجل
يمشاجج زمانك .. حد كَطاع النيط
تترجه الشفى وشكواك سِل السِل !   
 (صياد الهموم، ص137) 
إن هذه الممارسة الشعورية بينة الازدواج السلوكي تترك كثيراُ ممايدل عليها في تداولية الشاعر لوجوده بين (فردانية) سلوكه الذي تعايشه كثير من قصائده ، والمسعى الفكري البعيد التأسيس في شخصيته الذي يشده الى تماه جمعي سعى ـ وبانهماك حثيث ـ إلى وضع شاعريته في مآل التعبير عنه.
(5)
  تتبدى موضوعة (الوطن) في تجليات تعبيرية خاص في تفوهاتها وحميمية ماتنشد إليه ، فهي تتسع لتتحدث عن الوطن الأهل الذين تذكرهم به:
يا شعبي شكثر ضحيت وانطيت
 وخبزتك تنعجن بالهم والاوجاع
كَاعك تربه الله وخضرتك نور
ونهرانك ولف ما عرفن وداع  
 (الغيظ ،ص 135)
وتضيق متداخلة مع أفق الذات ، ليجيء الحديث معه بلغة فياضة الحنو،واقتراب عاطفي شديد الألفة ، يحيلنا إلى استعادة تذكر خطاب الحب الذي مر ذكره:
اهواك ياموطني لو جنتك ناري
وانزفلك الدم شعر واهديلك اشعاري
كل يوم نكعد سوه واحجيلك اسراري
تفكدني من ابتعد وتزورني بداري
وابجيلك بلا دمع واشرحلك الجاري
 (كلبي على وطني ،ص164)
 وهذه الرؤية اللائذة بفيوض من عاطفة متدفقة هي بعض ما استقر معرفة يقينية ، تعودها أبناء هذا الوطن المبتلى وعايشوها ، حتى أصبحت لازمة تماهى لهم معه:
تعودتك شهامة وخوف ومكابر
وتعودتّك محبّة وليل ومسامر
وتعودتّك خليل وخل 
ما بعت طاري الراح والمجبل
يمنجل ما يلف الردي من السنبل
يذل وجه اليضدّك .. ونته ابد ما اتذل !!     
 (شمس لوني، ص191)
وعبر هذه المكاشقة اليقينية يتجاوز حضور الوطن في خطاب الشاعر فكرة الانتماء المجرد إليه ـ بوصفه هوية ـ ليصبح وجوده المتجذر على ترابه (كالنخل) هو امتياز صلته به :
انا نخلة البرحي الرفضت تطيح
وعشتك كَاع ماعشتك تصاوير
وربيت ابدهلتك وأنهارك تفور
دم….ودمع وتطول المشاوير
الصكَور بكل عزمها تواكح الريح
وتهج با لعاصفه صفوف العصافير    
  وهكذا يأتي خطاب الوطن مفعماً بعاطفة لايغادرها ، فالشاعر قد يتمرد على مشاعر الحب ويجافي الحبيب ، وقد يقسو بالقول عليه ، وقد يفعل ذلك مع الصديق ، بل ربما وصل الأمر حد القسوة على الذات ، ولكنه ، وحين يكون بأزاء الوطن فإن مشاعر حب نقية  وراسخة البوح واليقين هي ما تكرست قيمة تعبيرية صافية ومتواترة التجلي عن هذا الوطن وأهله :
هلي…
وآخر مكاتيبي كتبته ألكم    
 عله الكاع    
ابنكم باعته الدنيه    
ولاباع                 
 (كبل ليله ،ص100)
 يأخذ بنا حديث الوطن الى حيث تأمل (القصيدة السياسية) عند عريان السيد كخلف تلك التي كرس بعضها لمواقف وقيم وطنية معلنة ، وأخرى يتسع مداها التعبيري لاحتواء الوجود الانساني وتطلعاته والثوابت القيمية الباقية وبعض رموزها الثورية التي صنعت لنفسها متناً من الخلود لايذبل ، سواء ماكان منها على الصعيد العالمي :
دفك عينك زمانك ليل
ليل ايريدله انطاره
مو كلشي الجليته ايطيح زنجاره
ولا كلمن يموت ايضيع  تذكاره
هلبت مات جيفارا
او هلبت
هوشي منه
انكطعت اخباره     
 ( نذر ،ص39)
أو ما كان عراقي الانتماء ، كالزعيم الخالد الذكر(عبد الكريم قاسم) :
يا غرة بياض ابكَصة التاريخ
جسدت الرجولة ابكل معانيها
لاكيت المنايا ابهيبة الفرسان
مادورت حفره.. وعفنّت بيها
يا لكَبرك صرح بكَلوب كل الناس
شلك بالكَبور الرِجل تاطيها!        
وستؤكد هذه الرؤية ترسخها مهيمنة فكرية عنده حين يسعى لاستنبات حضورها في شخصية يتأولها ، ويضعها في ذلك السياق الترميزي القيمي ـ بعد أن يتخير لها المسمى المناسب لبيئتها والمدل على فعلها ـ لتعايش ظرفاً قيمياً تعلن من خلاله عن نبل الموقف والسلوك ، كالذي كان لشخصية (المعيبر عبد) : 
(عبد) ستر قميصه اعلى اليعبرون
وشعل وحه بدربهم 
يكشف الليل
وفرش جفنه السمح
عن لايعثرون
وتنزر يغلب السابح على الريح
وي… منتشي ابطور اليغنون
تمايز نخوته
وصوته وهوى الناس
وشبابه اليحلم ابليلة كلبدون
ورسم وجه اعله جفه
وشاور الكاع
غمزه وغمزته
وشبو بالعيون              
 ( المعيبرعبد ،ص 128)
 وتبقى القصيدة السياسية ـ في الأعم من اشتغال عريان السيد خلف عليها ـ ذات وجهة من الاستتار خلف أنساق الاشتغال التعبيري الأخرى. وهو في ذلك يتبنى ما كان قد اختطه الشاعر (مظفر النواب) من وجهة اشتغال للقصيدة الحديثة ،  وما استدرجته من أنساق التعبير التي تأتي فيها متداخلة ، ومهيأة لقراءات تأويلية مختلفة ،تشرع أفق التمثل على وفق النزوع القرائي ووجهة التلقي ومقاصده .
آنه بيدك    
لو شجتلي الكيظ عينك     
ماتلم فيضي الجفوف    
اربات كاع     
وماشبج ليل الولايه ارموش عيني      
ولاطفه اصبيهه الضوه  
وعينك تشوف     
بيه حس الساجيه … ولون الشمس  
بيه… طعم السنبله.. وطيب الزلوف        
 (نيه وحشه ،ص86 )
 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان