ثقافة شعبية

(مقاربة أكاديمية) … عريان السيد خلف.. الشاعر الذي حمل (الگمر والديرة) الى (تل الورد)

الجزء الخامس

 د. علي حداد

* بنية التشكيل ومحمولاتها الجمالية:
(1)
 لايمكن لأي شاعر حقيقي أن يقطع صلته بتراثه مهما كانت دعاوى التحديث التي يتبناها ” إذ ـ والقول لـ (ت.أس.إليوت) إن خير مافي عمل الشاعر المعاصر، وأكثر أجزاء هذا العمل فردية ، هي تلك التي يثبت فيها أجداده الشعراء الموتى خلودهم ” (مقالات في النقد الأدبي، ص6) . وهذا التراث ـ كما يراه بدر شاكر السياب ـ حياتنا التي نواصل من خلالها تنفس وجودنا الإنساني الخاص ” إذ كيف نستطيع أن نحيا وقد فقدنا ماضينا. فالإنسان كائن ذو تاريخ ، ذو ماض. ومن هذا الماضي ، هذه الجذور يأتي الأمل “(رسائل السياب ، ص82 ) .
وعلى هذا فإن أهم ما يؤسس الفضاء التراثي لقيمه في النص الراهن أنه يمده بمقومات تأصيل وامتداد وجود ، في تماه عميق مع مستقر قيمي دلالي وجمالي ـ بما يعزز آفاقه ويرسخ مساحة رصينة من المثاقفة التي تشغل التلقي والاستجابة عبر تشكيل هوية تمايز وخصوصية تمثيل .
 وفي تفحص لمساحة الاستجابة التي عايشتها تجربة عريان السيد خلف الشعرية  للتراث يمكننا التوقف عند طبائع ثلاث من تداول قيم التراث الشعبي ،الأولى: هي تلك الروح التراثية التي يتماهى النص من خلالها في تقديم نفسه ، تلك التي يتلمسها أفق التلقي لأي من قصائده ، بل حتى في المجتزآت المقطعية منها ، وبما لانحتاج هنا إلى التمثيل لها ، إذ هي متفشية الحضور في شعره حد البداهة .
وتتبدى الطبيعة الثانية حين يدلف المضمون الشعري عنده ليصنع تناصات مختلفة مع الواقعة التراثية الشعبية ، من خلال استدعاء متنها الى أفقه لتصبح جزءاً من نسيجه الدلالي والشعوري ، تلك الواقعة التي قد تكون قولاً جارياً ، أو مثلاً ،أو ممارسة سلوكية أو اعتقادية :
ـ أو كافي …/ منبت ضيم صارت
عاد../ خل تنجه بجرده
 ( جنت أظنك ، ص24)
 ـ  لجن شانت على المذبوح
 دمه ايضيع فجاره        
 ( نذر، ص39)
 ـ  أوه أمداها الر وح أوه أمداها
 تمشي وره اليمشون جانوا وراها   
 (زيزايه ،ص71)
 ـ ذمني ذم الماعثر بالمستحه
 ولانكت زيجه            
 (حيف ،ص60)
 ـ مايطفه الكمر … ماتستحي النجمات 
 مايعثر بختهه / وينجفي الفنجان
 ماتمتد اديه بعين هذا وذاك       
 (حزن معدان ، ص92)
ـ ابهيده
  يلماراد يوفي..اولاعرك
  وجهه الجبيله
( حيف ، ص61)
 أما الثالثة فيجسدها ذلك الحنين التعبيري المنشد إلى استعادة جماليات إيقاع الشعرية الشعبية في فنونها التي تداولتها ، وطرائقها الأدائية التي لايمكن لتجربة عميقة التمثل ـ كتجربة عريان السيد خلف ـ ألا أن تتلمس منافذ اغتنائها بها ، وهو ما سنتوقف عنده حين تأملنا لطبيعة التداول الإيقاعي عند الشاعر.
 (2)
 تعد قصيدة عريان السيد خلف ـ في تكيفها المعجمي ـ انموذجاً فاتناً لمقدرة اللهجة الشعبية على الأداء الجمالي الخاص ، من خلال ما اجترحته لتعبيريتها من جرأة متواصلة في التداول الحر للمفردة وتصريفها ، وصنع تشكيلات لفظية لايحدها قانون لغوي ، سوى قانون التوصيل الذي اختطته لتداوليتها ، ذاهبة به نحو دلالات مضافة ، تنتجها المفردة العامية بلا عناء، من دون أن يشغلها تحفظ  اللغة (الفصيحة) ـ المقيدة بقواعد تصريف لفظي صارمة ـ على ذلك .
 تؤشر المقارية الفاحصة لإطار التكيف العام لمعجميته ـ وهي تتداول مضامينها ـ مساحات من التخير اللفظي المهيمن والمناسب لموضوعته . وهكذا نستطيع تبيان حدود معجميته في (موضوعة الحب) التي تتناهى أدائيته في إضفاء صفات التشكل المثالي على الحبيب ، فتكيفه انموذجاً فيه من التوصيف الرومانسي الكثير، عبر تلمس وجوده الروحي ، وفي سياق من التداخل فقد ساوقته تجسيدية لمواصفاته الحسية التي هي انهمارات لاحتياج عاطفي ملتاع يكابده الشاعر العاشق في مواجهة غياب ذلك المحبوب وصدوده وهجرانه ، وبعد منال الاقتراب منه ، والظمأ العاطفي الصدي الذي لايتاح له أن يرتوى منه. ولعل في ذلك التشخيص التعبيري انتهال كثير من جهد المخيلة الشعبية التي يشغل الحرمان العاطفي كثيراً من موجهات بوحها نحو تمثلات حسية بينة .
 بإزاء تلك المعجمية ، وفي حيز آخر يجير وجوده لتجسيد الذات ـ ذات الشاعرـ تجلى (معجمية ذاتية) محايثة تكاشف متلقيها بمساحة قيمية دالة على ارتضاء سلوكي وقيمي بعيد الشأن كرسه الشاعر لنفسه ، تتلاقى فيه نزعات عدة ، حيث تتوطد أخلاقية ابن الريف ، يتماهى معها ارتهان قيمي مستمد من الشخصية البدوية . أما حين الانشغال بالبوح العاطفي ـ عن الوطن أو الحبيب أو الصديق ـ فإن وجهة من تشكيل توصيفي ذات بيانات دلالية بمسحة رومانسية غالبة هي ما تكيف المعجمية أداءها فيه .
وفي ذلك الأداء الشعري الفياض بقيمه تظل الطبيعة ـ بكل تشكيلاتها وعوالمها ومشخصات البث العاطفي التي ينتهل النص منها ـ وجهة معجمية باذخة الاستدعاء عند الشاعر ، لاسيما وهو يداخل بين مستخلصه التعبيري من البيئة الريفية ، وما يستدعيه من مفردات التعبير البدوي ـ كما مرت الإشارة إليه ـ حتى لقد غلبت هاتان البيئتان على انتهاله اللفظي ، وعلى حساب حضور لايكاد يستبين للمفردات المدينية التي كان سعي الشاعر للنأي عن تداولها بيناً  ، وفي ذلك ماأضفي على شعره السمت الذي نرصده ، من حيث وجهة التكيف لتجاوز عصريته نحو أفق تراثي صادح بتفوهاته .
 لعل الأمر الأكثر إثارة في مواجهة المعجمية الشعرية لعريان السيد خلف تلك الممارسة الفذة التي تعلي من شأن (ملفوظية) خاصة تماهت معها مقدرة الشاعر، حتى أمست واحدة من أهم امتيازات قصيدته ، إذ لم يقف عند ممارسة لغوية  تكتفي بطاقة التعبير الشعبي وممكناتها الأدائية ، فكان سعيه أن يؤكد في نصه وجهة بيئية لها فروضها المكانية وتعالقاتها الشعورية المندسة عميقاً في تشكيل ذائقته ومعجميته  التي يستدعيها في القصيدة . تجلى ذلك في التخير الخاص من قاموسية لفظية لانكاد نجدها عند غيره ـ وبمثل ذلك الانشداد ـ تؤشرها مفردات مغرقة في الخصوصية الأدائية التي ربما احتاج متلقيها المعاصر الى هوامش شارحة لها ، كون معظمها  مما لم يعد اللسان العامي الراهن ليضعه في مآل التداول . وهي من الإدلال الكمي في شعره بما يصعب معه رصيدها كلها ،حتى لتصبح جديرة بحيز معجمي ودلالي خاص بها .، الأمر الذي سنكتفي معه بذكر بعضها ، من مثل : يزدحم معجم النص الشعري لدى عريان السيد خلف بمفردات وسياقات تعبير لانكاد نقف عليها بهذا التدفق الدلالي لدى سواه من الشعراء. وربما تناهى بعضها في البعد عن الذاكرة الشعبية الريفية وتداولها اللفظي السائد حالياً. ولكن الشاعر ومن خلال مقدرته العالية على استحضار افق تعبيري يملأه بشجنه العاطفي يستدرجها إلى نصه ، لتستوقف أفق التلقي وتثيره ، وسنورد بعضها هنا على سبيل التمثيل :
 ـ ياليمر ذكرك عله عضاي
 او تظل  كله (اتخاذف)    
 (موسلين ، ص19)
 ـ و(اسبط) للوكت / للضيم ليك 
 ( الشرهة ) الوادم   
 ( سل الشمع ، ص37)
 ـ انته عنبر .. وآ نه (صم دنان) 
 وانباع برخص محد بحاله  
 ( ما أفيدك ، ص58)
 ـ جنه… (مطبك) للفرح والوكت (عد … وعماد شضه )   ( سوم ،ص67)
 ـ أرد ردود / (زيزاية كحط )
 موحش فضاها 
 ( زيزاية  ، ص71 )
 ـ يمعتب هضيمه اعليك
 تحصد (باثة ) المحصود   
 (الجثة والدود ، ص75)
 ـ شجه الطيفك/ يدك العين
 (يردس)  بابهه اويجفل ؟  
 ( حسن ، ص78)               
ـ ولا(سربت وذن) / ولاشارب يرف
  ولا(شكره)  / ولامدرع (فشك)
   ولاصاحب (ذرب)   
 (صياد الهموم ، ص137)
وربما ساوقت هذه الأدائية مفردات وسياقات تعبير مستمدة من بيئة البادية التي يبدو أن الشاعر قد شخص إليها عبر تأمله لشعرها وأساليبه، أو من خلال تقمصه ـ في بعض الأحوال ـ سمت الشاعر البدوي واستدعائه لنفسه ،كما مرت الإشارة :
ـ واصبحت
  مثل (الرشه) المتروك
  من يشله … (جليبه)    
 ( غربه ، ص15)
ـ خذت روحي اعله ضيمي وماشكيت الحال
  أويمنوني: (اشتبي ؟)
 وماكَلت متمني     
 (ولاجني ،ص141)
ومن يمعن في تأمل سلاسة التخير وعمق التوثيق الشعوري الذي يكيف الشاعر تلك  الملفوظية فيه يتيقن تماماً من أنه لايتقصدها لذاتها ،أو يدل بها على تفقه ثقافي خاص، بل هي عنده سليقة تعبير اختطها لشاعريته ، تماهى مع قيمها ، وعاينها بعمق شعوري مشدود الى مكنونها الدلالي ، حتى تهيأ له أن يستمكن من تمثلها ، ويقيمها حضوراً لذات شعرية مثيرة في تحسسها الجمالي للمفردة الخاصة بها وهي تضعها في حدبً تعبيريا لايجارى. ولعل ذلك أمر يثير الاهتمام لملاحقة مثاقفة هذا الشاعر اللغوية التي صنعت له خصوصيته التعبيرية في بعديها المدرك ، والآخر المندس في اللاوعي ـ وهو يستدرج الذات الفردية لتندمج بذات جمعية في بيئتها ـ مثلما يؤشر مقدرة التماهي التي توطدت عنده مع مدركات الشخصية العراقية ـ الجنوبية على نحو خاص ـ وثقافة لسانها ، واحتشاد يقينها التعبيري المؤدى شعراً ” حيث الكناية والتلميح والأوجه المحتملة والنوادر المتعلقة بخيال صحي لاترتطم به الأوهام ” (عبد الرحمن طهمازي ، من مقدمة الأعمال الكاملة ، ص7) .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان