الجزء السادس
د. علي حداد
(3)
تتمثل قصائد عريان السيد خلف وجهة غنائية بحت ، الأمر الذي كان يحدو بها ـ كما هو الأمر الذي تثبته وقائع التلقي كحالة مشخصة ـ إلى أن تعلي في بوحها من شأن اشتغال تركيبي لجملة أسمية تمسك بالأداء الذي يرسخ دلالات تعبير له طابعه الراسخ في حضوره وثبوتية تكيفه الشعوري . وقد أتى مثل ذلك بمقادير دالة عند الشاعر ، لاسيما وهو يكرس حضور ذاته من خلال الضمير (أنا) الذي يؤسس ـ بالضرورة التعبيرية الراكزة ـ لمساحة مقابلة من استحضار الضمير (أنت) الذي سيكون من اللافت فيه توجهه الى الحبيبة بصيغته للمذكر ، ولعل في ذلك استثمار لوجهة التعبير الشعبي التي كيفته لسياق من خطاب تداولي مفهوم المقاصد عند تلقيه ، في كونه موجهاً الى أنثى مموهة الحضور التركيبي ، وإن كانت هي منتهى مقاصده.
ولكن ما يواجهنا عند الشاعر هو ذلك التكيف الغالب لنسق من الجمل ذات التراكيب الفعلية ، تلك التي هي ـ في حقيقة التفقه الدلالي لها ـ ذات حركية شعورية تتماهى والحس العاطفي المنفعل ،وتكاشف متلقيها بسمة درامية خاصة، لعلها هي غاية التشكيل ومقاصدة ، حتى ليمكن لها أن تضع بين يدي التلقي مساحة من الفحص المنتج الذي يتحقق من خلاله استجلاء قيم التجربة كاملة ، ومن مختلف أبعادها ، سواء أكان ذلك عبر قراءة معرفية، أم في مجادلتها لثنائية الذات والموضوع ، أو عبر تأمل تطور تقنيات القصيدة تصويريا ، وهي تتناسغ مع حركية الفعل وحيويته الزمانية ، في مواجهة الثبوت الدلالي للصيغة الأسمية وترددها الراكن عند ما تكيفت له.
وفي حيز انشغالنا بتجربة عريان السيد خلف الشعرية فقد استوقفنا من صيغ التركيب المؤسس على بنية الفعل مارصدنا لها مساحة الترداد الأوفى عنده ، كصيغة النداء ، والنفي ، والأمر، وهي صيغ غالباً ما جاءت استهلالاً للنص ، حتى بدت واحدة من السمات الأسلوبية الأساس عند الشاعر.
يأتي (النداء) سمة أسلوبية طاغية حتى لاتكاد قصيدة لتخلو من تمثلها ، وفي اكثر من مساحة تعبير فيها. إذ وظف الشاعر كل امكانات (ياء النداء) بشكلها المباشر، أو تلك المتمثلة لصيغته عبر فاعلية خطابية مدركة ، تتساوى عنده فيه في الأدائية الفصيحة والشعبية.
ويمكننا ان نضع لهذه الصيغة تشكيلات عدة ، عبر رصد الصياغة التركيبية التي جاء عليها ، سواء في قالبه المعهود ، حيث ترد ياء النداء مع الاسم معرفة أو نكرة :
ـ ياظعن شت عن هله /وحداي غربه البيه يحدي( ص11)
ـ ياكمرة حياتي البعد ماهلت /
يا..انته وكفاني اتوهدنت وياك ( ص214)
و في صيغة تشكله في اللهجة العامية حيث تسمح بتعدد لافت لتشكيلاته فيها ، ليطرد مجيء أداته مع الفعل :
ـ يالشلت كلبي.. ولظمت الخيط/
بجروحه اعله جيدك / يالتظن حسنك
ملك عالناس / والوادم عبيدك ( ص57)
و مع الاسم الموصول:
ـ يللي جنت اوياه / متساوي السهم/
والوكنت حطني اوراح شاله ( ص59)
و بتجاور مع أداة التشبيه أو حرف الجر، أو أداة الاستفهام :
ـ يل مثل دله استوت / بوجاغ /مايخمد لهيبه ( ص15)
ـ يالعلى اشفافك تحط / بسمه /أونصل سجين بيدك/
يالحسرتي اتونسك /
ـ يالوين أشوفك …وين؟ (ص167)
وقد يرد النداء بصيغة من الأداء المتلاحق :
ـ ياخوف وأمان / ويانفاه وضيج /
وياصفكه وبواجي/ ومأتم وحفلات/
وياحب الحبيبة ورفة الكلبين /
ورسوم الفرح / من تحمر الوجنات/
ويا آنه وعلي/ وصبري/ وجريب الناس /
وياعمري البجه / وعمري العزيز الفات
(الغيظ ، ص136)
ومعتاد النداء أن يذهب نحو الآخر ،كالحبيب الغائب الذي تتوافر العاطفة على استحضاره في لحظة من الوجد المتوقد لتكاشفه باللواعج والأشواق والعتب:
ـ يامعود / تردس بروحي ردس / واحتمل / وانته العيب ترتد (ص18)
ـ يمعود .. دخيلك / والكلب شيصير (ص208)
ـ يالحنين استاهدك / شوكك وله المصيوب ماعف ( ص18)
ـ يالتخليني احترج / وانشتل / شامة حسن عالخد / يامعود (ص18)
ـ ياليمر ذكرك على عضاي / او تظل كله اتخاذف ( ص19)
وقريباً من تلك العاطفة يجيء خطاب الوطن وومناداته:
ـ يشاتل بالكلب دايات / دايه اتلوب .. من دايه/
يبو الشط النعيش اوياك/ قصة طينه أو مايه (ص42)
وربما تواترت وجهة من النداء إلى من يقصده الشاعر باسمه الصريح أو المكنى عنه
ـ حسن / يا… حسن / يمولع العين /
الماتريد اتمل/ يمن دمنه اعله جدمك /
لو…هدرته يحل ( ص76)
ـ يلمعيبر(عبد) ياخفكة النور ( ص130)
ويبدو الشاعر كثير الاستجارة بالنداء ليواجه دواخله ويحاورها ، ويصدح بوجهها بما ترسم وجودها من مشاعر وخيبات وهموم وأسى :
ـ آخ ياروحي / الكبل جانت عزيزه / أشلون ذلت ؟ ( ص14)
ـ يالتريدين الولف / ولف الجفاج منين أجيبه ( ص15)
ـ يلحصرتج حسرة المجبود / وادموعج تبدت /
يالعلى اجروحج / أعز الناس من شافج تشمت/
يالتظنين الشمل يلتم / شمل عزج… تشتت ( ص16)
ـ آخ يانسمة شبابي /ا لغربت / ياهو اليردهه؟ ( ص24)
ـ ياكلبي لاتتمنه / ماطول جافانه الهوى … وبطلنه (ص50)
لقد أرسى هذا الكم المتواتر من النداء مساحة تكاتف دلالي شاسعة تجلت فيها مقاصده كلها ، وعلى نحو لافت ، فهو لايرد في النصوص لغايات نفعية الدلالة بل لتناه من الكشف الشعوري الذي يتهامى معبأً باحتدامه المشوق وبتصدعه العاطفي الذي يلوذ بصوته متفجعاً ، أو مستغيثاً .
تتابع صيغ التشكيل الفعلي النافي في التجلي على مساحة قيمية دالة على تكيفات شعورية تستند الى محمولها من التركيب ، حيث يأتي النفي عبر ادواته المعتادة (لا) :
ـ قهرنه / ولاعذاب الآه / يا آهي … شكثر تكبر
سحابه ولالبكها الريح/ لابيها الوكت حدر (ص29)
او (ما) :
ـ مايطفه الكمر … ماتستحي النجمات
مايعثر بختهه / وينجفي الفنجان
ماتمتد اديه بعين هذا وذاك ( ص92)
أو بتناوب مجيء الأداتين في العبارة :
ـ مالهنه أيام عنهه / اولاتهنه بلوم
وارتاح ونساههه (ص101)
وإلى جانب ذلك فقد استخدمت صيغة النفي المتداولة باللهجة الشعبية :
ـ أنه موش أول زند / يشتل شلب
ويحصد بردي ( ص12)
ـ آنه … موش أول هرش
واسن بسباحي / ولوني ( ص33)
وكما غيره من الصيغ الفعلية ، فهو قد يجيء عنواناً ، كما ورد للنصين: (بلايه وداع ـ ص118) ، و(ماأفيدك ـ ص57) الذي تلاحقت في مبتدأ كل عبارة منه تداولية لافتة لتلك الصيغة .
وتكاد الهيمنة الدلالية لهذه الصيغة تؤطر وجودها في الاشتغال التعبيري لمكابدات (أنا) الشاعر في بعدين ، الأول : تجسيدها لعواطفها وهواجسها المشتجرة في خطاب يستحضرـ بدأب لاينتهي ـ الحبيب الذي راكم هجره أحاسيس لاحد له من الفقدان والأسى :
ـ عقاني اشبيه الك نابات / ماخلت كتر سالم ( ص27)
ولاصبر الصبرته اعليك نافعني / بكثر ماضر (ص 29)
ـ والاكثر / يل ولاتنساك / طيفك… / لانشد .. لامر (ص31)
ـ أداري وكضت روحي انذور / لاود ../ لاشمل يلتم (ص41)
ـ وأردن لاوشيل ادموع / لاحسبات تلويني (ص45) والآخر حين يحضر الحبيب ـ من خلال ضمير خطابه (أنت) ، ليستعيد القول ترسم مواقفه وسلوكه العاطفي الصادم ـ الذي تكون مردودات فعله كله خيبات مكررة تواجهها (أنا) الشاعر مرة ثانية :
ـ وأنته أبد / ماجنك انته ( ص21)
ـ لاتلكيته /بسلام احباب /ومحاضن حضنته
ولابجيت الحالته/ اولا نشفت / بيدك دمعته
اولاكطعن النفس نته / وطردة الضايع طردته
اولا نشدته (ص22)
ـ ولادانك عذابك يوم عاصف / بردم بجالي
ولاترخص شجاها الروح/ عدها اشما تذل غالي ( ص26)
وعبر توهج عاطفي منشد الى الذات يكيف الشاعر تعبيريته في صياغة أسلوبية خاصة يقلب فيها التعبير من نسقه المعتاد الى نقيضه ، فيصبح النفي اثباتاً دلالياً راسخ التجسيد ، كقوله عن نفسه :
ـ ونه طبعي من اصاحب / صاحبي المضنوك
لابجي بشديده / ولايرك الحيل
لاذل خاطره.. ولاوصخ الماعون
ولاأدفه بمنام /اشما يجور الليل ( ص204)
وقوله عن الحبيب :
ـ وانته /لاطبعك شري / اولاتكره
او لاكلبك أسود ( ص18)
وربما صنع من ذلك سياقاً تعبيرياً يتسع لأكبر مساحة نصية ، تواترت فيها تلك المفارقة ـ في مسعى لمناكدة الحبيب ـ من خلال القول بعكس ماتضمره نفسه من انشغال عاطفي بمواصفاته وسجاياه:
كَالولك حلو … وخلّوك بيه اتجور
والكَلك .. اشوصف بيك ؟ واشعدد ؟
اشو .. لا .. موحلو . وما تشبه الغزلان
ولا ريح الكَرنفل بيك .. لو ورّد
ولا عينك مسافة .. وبسمتك سلوان
ولا كل اليشوفك تمر .. يتحدد
ولا الله ابتلاني .. وخالط الجيلين
ولا عمري .. اعلة شربة ماي يتفرهد
ولا تزهي ابشبابك .. ماخذك طغيان
ولا صوتك شعر .. وحجايتك ناكَوط
وبشفافك نضارة الماحواهه احد
ولا غاوي ولذيذ .. وتشبه النعناع
طيبة .. وطيبتك كل يوم تتجدّد
ولا طولك مصيبة .. ومثل كل الناس
صدّكَني .. احبك حب غريب الطور
واحب صبرك عليّة وما كَلت لحّد
(مغرور، ص154)
مثلت الصيغتان التركيبيتان مارتا التبيان سمة زمانية حاضرة في القصائد تتكرس في استدعاء التعبير إلى زمانية آنية تصنع الدلالة التركيبة منطوقها فيها، فالنداء ـ ومثله النفي ـ جملة معلنة عن تفوه دلالي يحتكم الى لحطة البوح به . وإذا ماتشخص فيه محتوى زماني آخر فسيكون مؤشره باتجاه مامضى مواجهته من الفعل.
غير أن صيغة تركيبية أخرى ـ تجلت في النصوص بمقادير لافتة ـ أخذت متن القول الى زمانية تتجه من الحاضر الى حيث تشتمل على المستقبل كذلك ، وتلك هي صيغة (الأمر) التي أخبرت عن تداولها ـ في بعض النصوص ـ منذ عتبة العنونة : (ردي ردي ص11 ، حني حني ص32 ، وادعيني ص35، اتلولحي ص 90، بعد لتظن ص142 ، اخذي وياك ص150) . وسنشهد لهذه الصيغة تكرارها في ثنايا متن كل نص منها ، ولأكثر من مرة ، لتتبدى فيه لازمة استرسال تعبيري ، وكذلك لازمة ايقاع مستعاد منذ أول قصيدة (ردي ردي) التي رددت في القصيدة لمرات ست)
لقد استثمر الشاعر كل تشكيلات الصيغة الآمرة ، سواء ماجارى السياقية الفصيحة ، حيث يكون الفعل هو أس الصيغة الآمرة ، كما في الأمثلة السابقة. أو ما اشتمل على الأدائية الشعبية الآمرة ،وهي تتوزع بين صياغة فعلية خاصة
ـ دفك عينك.. زمانك ليل/ ليل…/ايريد له انطاره ( ص39 )
ـ د ذر جرح الصبر بارود/ خل يتباهن اكتاره (ص40)
ـ دخليني هرش فتني العطش/ مافيض…
بعد الموت يحييني ( ص 44)
أو حين تصوغ العامية نسقها اللآمر،عبر تداولها لأنواع خاصة بها من (اسم الفعل الآمر) :
ـ كافي غيبه/ كافي… / جلمات العتب
علناس / ياروحي الغريبة ( ص15)
ـ كافي/ من نار البعد/ وليال فركه/ المالهن حد (ص18)
ـ عله هونك ../ بيه الك حسبات / كلها اغيوم مطاره (ص40)
ـ ابهيده / يلماراد يوفي..اولاعرك / وجهه الجبيله ( ص61)
ـ بهداي يالدوسك غنج/ روح المتيم/ خزفه (ص46)
ـ ياربيع/ انحيل سنبل ديرتك/ وشويه / من دهلتك دهله
اشويه / بلكت هالسنابل/ لو رواها الزود تحله (ص178)
تتواترـ في أفق الذات وماتكادبه من تداعيات مواجهتها لكل ماحولها ـ التشكيلات الآمرة ، لتكون حصتها منها خلاصات عن تجاربها في الحب والحياة والصلة بالآخر:
ـ ذوبي من نار الجفه/او بدموعج اليجرن تهني (ص33)
ـ واجابر ياعذاب الروح/ وين الفرح دليني ؟ ( ص44)
ـ ياكَلب لاتتمنه / … /لاتدكَـ يادكـَك قهر
مقفول / باب الجنه ( ص50)
أما حين يتجه الأمر إلى خارج تلك الذات فإنه يتلون بحسب طبيعة المخاطب وموقعه، ليجيء مع الحبيب استعطافاً وتوسلاً هو جدير به :
ـ فتر أعيونك /تره اعيونك كصن/ بسنين عمري (ص32)
ـ جملني بعد كطره واخذني وياك / هناك الفيض كَلبك
حته روحي تنام (ص150)
في حين يستحيل ـ وعند استيقافه خارج الانشغالات العاطفية ـ منطوقاً لرؤى متعددة ،تسعى لإيصال رسالتها عبر صيغتها الآمرة :
ـ تكتر / كون ماتكدر/ تدك أنكر ( ص29)
ـ كَول يشتاوة جرح يلهم ترايه/ ويعتلك نجمه
أعله كل هامة رمح ( ص88 )
يبقى في هذا المستوى أن نشير أخيراً الى فاعلية أسلوبية مهيمنة التداول في مختلف تشكلات التركيب عايشتها النصوص الشعرية كلها ، فإذا ماعدنا لتدارك جانباً من المكنون الدلالي التي توافرت عليه الصيغ مارة الذكر كلها فسوف يتسنى لنا وضع الأصبع على مساحة من التشكل الدلالي التي يصنعها أسلوب التركيب عند الشاعر، وتتمثل في تداعي الصيغة والاسترسال في تكرارها ، الذي يعبر عن إلحاف شعوري يمسك بتلابيب التعبير ويشغل وجهته الشعورية ، سواء في الطلب أو النفي أو النداء ،أو السؤال ، فقد يأتي سؤال في مكان ما من النص ،لتتلاحق الأسئلة بعده :
ـ اشتكل لمشذبات الروس/ لوجن ليك / شجايه
اشتكل للطاح / بين ارماح / كلهه اوياه كصايه. ؟
اشتكلي؟ / أو بيك روحي تموت
وترد… / بيك تتحايه ؟ (نذر ص42)
وسيقع مثله في صيغة النداء :
ـ يلبسمتج فرحتي/ او رفة جفن عينج سعاده
أو يامطر لنواظري/ أوياهم وكتهن لوتراده
يل تبوك أعيونج من الليل/ كل لذة سواده /
يل حنيني الشوفتج / حن السكن غربه البلاده
يل تكولين: الونين ايجيد / ون الروح عاده ( ص36)
وكذلك هو في الأمر:
ـ دبس.. درحم وشيل العين/ .. دزل/ دبعد
يكلبي ابعيد ( ص27)
كما هو في النفي :
ـ لانفع بيها العذل/ لافادت الجويات عالجف
لانست ليل الجفه /لايوم عالونه اتحسف (ص 17)
وفي صيغة النهي :
ـ لاتوصي الناس وتكلف كَلب/ تعبان/ كفارة بريدك
لاتذوب شمعة العشرين / والعشرين جلزنجيل بيدك
لاتحط نفسك شكَص نوجات / وانته احجاية العاذل تصيدك
لاتحط كَلبك على الصوبين / كل وصله ابكتر
وتكول : أريدك
( ما أفيدك ،ص57)









