ثقافة شعبية

(مقاربة أكاديمية) … عريان السيد خلف.. الشاعر الذي حمل (الگمر والديرة) الى (تل الورد)

الجزء السابع 

 

 د. علي حداد

(4) 

 تتجلى في تاريخية المنجز الإيقاعي للشعر الشعبي العراقي قيماً عالية ومتنوعة ، تتماهى في بنيتها الاشتغالات الصوتية بالترنم المؤدى بطرائق معينة ، وصولاً إلى التشكيلات الغنائية التي ارتكنت إلى ملفوظيته فأمدها بتنوع فاتن من الأشكال الأدائية المغناة .

وفي هذا الاشتجار الإيقاعي المتسع في تاريخيته ومساحة تمثله فقد بقيت الموسيقى التي صنعت للشعرية العربية خصوصية منجزها ـ في أوزانها وتشكيلاتها تلك التي استقراها (الخليل بن أحمد الفراهيدي) بعقليته الفذة ـ هي المرتهن الأساس الذي تبناه الشعر الشعبي وأقام قوالبه عليه ، في مشهد ثقافي يؤصله ، ويعلن عن مهيمنة من (اللاوعي الجمعي) تجذر تلك النزعات الإيقاعية في الذات العربية ، بغض النظر عن المستوى الثقافي الذي تتوافر عليه ، وطبيعة الاشتغال الشعري ـ بين عاميه وفصيحه.

وهكذا صار بالإمكان أن نتأمل البعد الإيقاعي في الشعر الشعبي العراقي على مستويين : الأول ، الكشف عن مساحة تمثله لأدائية يستمدها من أوزان الشعر العربي الموروثة ، والآخر ماقنن نفسه فيه من قوالب تمثل شعبي له ألوانه ومسمياته التي استدعاها من بيئته المحلية . وقد أرتأينا أن نؤجل ـ  ونحن نتأمل شعرية إيقاع قصيدة عريان السيد خلف ـ الحديث عنها هنا ، متناولين إياها عند تأملنا للبعد الغنائي الذي تكيفت فيه نصوصه ، الذي نجده أدعى لأن يندرج فيها .              

 لقد تهيأ لقصيدة عريان السيد خلف أن تمتاح مددها الإيقاعي من تراث عالي الفخامة ، ومتنوع المصادر، أفضى بها إلى حصافة إيقاعية لافتة . فهي تنهل من قيم التراث الموسيقي للقصيدة العربية الفصيحة ، ومن قوالب النص الشعري الشعبي وتشكلاته الايقاعية الكثيرة ، ومن اشتغالات التجارب الشعرية الحديثة التي ذهبت بالقوالب الأدائية إلى حيث التمثل الحر. 

 تكيفت النصوص الشعرية التي حوتها الأعمال الشعرية الكاملة لعريان السيد خلف في قوالب ايقاعية محددة ، يمكن ـ وبيسرـ ادراجها في التوصيف المعهود الذي توافر عليه العروض العربي.غير أننا إزاء تجربة تتداول القالب العروضي الذي ترتضيه بأفق من الأريحية الخاصة ، الأمر الذي يستدعي ـ في البدء ـ الإشارة الى طبيعة التفعيلة المتداولة ، ليكون أمر تكرارها منطلقاُ لتأشير مسمى البحر الشعري الذي تقوم عليه القصيدة ، إذ توزعت  القصائد ـ كمياً ـ على تردد التفعيلات الآتية: 

ـ مفاعيلن : التي هي في أصلها تفعيلة بحر الوافر (مفاعلتن) التي جرى تسكين خامسها ، فتحولت الى أخرى مماثلة لها هي (مفاعيلن) التي نتج من تكرارها مرتين في كل شطر من القصيدة التقليدية بحر (الهزج) .  وقد ورد على ترددها الإيقاعي أكثر من أربعين قصيدة ، وبما يجعلها تقترب من الهيمنة الإيقاعية على نصف شعر عريان السيد خلف الذي بين أيدينا ، والقصائد هي : سل الشمع ، السوره ، نذر، جنح تايه ،إدنانه ، جية العيد ، الجثة والدود ، حسن ، حزن معدان ، سحابه ، هرش الكَاع ، بلايه وداع، توصيني، المعيبر عبد ، الغيظ ، ولاجني، بعد لتظن ، وسمه ، الشاهد، رعاك الله ، اخذني وياك، سابع بيت، مغرور ، كطرة كحل، دعوة ، كلبي على وطني ، ماجيت ، عود التين ، تين العجم ، شمس مغرب ، الباب بالباب، أوراق يومية ، المرثية ، شمس لوني ، قيل وقال ، حجو عني ،خضرالياس ، خاف تموت ، تل الورد .  

 ـ فاعلاتن : التي ينتج من تكرارها لثلاث مرات في كل شطر تشكيل بحر الرمل،  وقد استثمر الشاعر إيقاعها في أكثر من ثلاث وثلاثين قصيدة ، هي : ردي ردي، غربة ، موسلين ، منهو انته، جنت اظنك، حني حني ، وادعيني ، مجتول سمك ، لاتجينه، ماأفيدك ، حيف ، كوه ، سوم ، زيزاية ، روح بلاطبع ، وداع صدفه ، نية وحشة ، ولاية جديدة ، اتلولحي ، كبل ليلة، ديرة كمر ، بابين  ، روحي بيده، امعتبين ، اطفال العالم، عراريس وكمر، صياد الهموم، عاذرك ، ياربيع ، مواسم ، أمنية ، أعاتب ، ظنون العتب ، سواحل .

ـ مستفعلن : وهي أس الترديد الايقاعي لبحر( الرجز) ، ووردت عليها عنده ست قصائد: صدفه  ، لاتتمنه ، بالكيف ، طبع ميال ، حيره ، حلم ليلة  .

إن مايؤشره الرصد القرائي لطبيعة تداول التفعيلتين المهيمنتين أن الذوق الشعبي قد ذهب بهما لتشكيل قوالب أداء شعري تقوم على التمثل الإيقاعي نفسه ، ولكن بتخير لمسميات خاصة ترتبط بواقعة أو اسم لشاعر ما، أو لطبيعة التوجه الشعوري الذي يؤديه النص ،وذلك كله مما كانت له أمثلته في شعر عريان السيد خلف، فبعض نصوصه تتوافرعلى تفعيلة بحر الوافر(مفاعلتن) ، تلك التي جرى تبنيها لإنتاج (الأبوذية) ، وكذلك ماسمي ـ في البيئة الريفية ـ بـ (النصاري) ، وفي البيئة البدوية (العتابة) :  

جور اشما طفح غيظك عله الناس

سليل الضيم إلك بالساس نداس

لون تكبر حقد … نكبر علامات

وجذب شمس الظهر بالباع تنقاس

تذل كثره الكصص حد لطخة الطين

وكصصنه ابشدة التاريخ تنباس

 (أوراق يومية ،ص184)

 ومثله ماجرى من تمثل شعبي لتفعيلة بحر الرجز (مستفعلن) التي أصبح وزنها يسمى بـ (جلمه ونص) ، وقد نظم فيه عدد من أشهر القصائد الشعبية ، كـ : (المجرشة) المنسوبة لـ (ملاعبود الكرخي)، و(بحشاشتي…) للملا عبد الحسين صبره الحلي ، و(ياريحان) لمظفر النواب . أما عريان السيد خلف فنظم عدداً من نصوصه ، كـ (لاتتمنه  ،ص50) :

لاتدك يادكك قهر… مقفول باب الجنه

وهينوب مامش ظنه

آ… ياوكتنه الماصفت نيته … أوزرك عينه أنه

أو طحنه ابوسط شلوة هفه… أوكل ذيب يبرد سنه

وفي نصوص أخرى فربما سلك الشاعر ـ متماهياً مع اشتغالات التجارب الشعرية الحديثة ـ التي ذهبت بالقوالب الأدائية إلى حيث حرية التداخل بين أكثر من وزن  في القصيدة الواحدة ، وهو مايتأتى عنده في أكثر من نص ، لعل أشهرها نصه (كبل ليله، ص 95) الذي مازج في بعض بين تفعيلتي (الوافر) و (الرمل).

 إذا كان العنوان هو أولى عتبات المواجهة مع النص ، فمن الطريف في كثير من النصوص التي بين أيدينا أن لانتلقى من عنواناتها متنأً دلالياً فقط ، بل هي تضعنا أيضاً في مدرك التردد الايقاعي الذي جرى تخيره للنص كله ، حيث يأتي العنوان منغموماً على التفعيلة ذاتها . وهكذا جاءت على تفعيلة الوافر العنوانات الآتية : (جنح تايه ، حزن معدان ، كبل ليلة، هرش الكاع ، بلايه وداع ، توصيني، طبع ميال ،ولاجني ، بعد لتطن ، رعاك الله ،اخذي وياك ، سابع بيت ، شمس مغرب ،شمس لوني ،حلم ليله ، حجوعني ) ، في حين جاءت على تفعيلة الرمل  النصوص : (ردي ردي ، منهو انته ، جنت أظنك ، حني حني ، وادعيني ، لاتجينه  ، ماأفيدك ، جية العيد ، كوه .. كوه ، وداع صدفه ، نيه وحشه ، روحي بيده). 

ومانراه في هذه المسألة لايذهب الى القول بممارسة تبناها الشاعر قاصداً . فلعل ذلك     نتاج مماحكة من الانشداد الدلالي ـ والإيقاعي أيضاً ـ مع مفردة أو عبارة بعينها شغلت  الشاعر بترددها ،وأمست استهلالاً تلاحقت أبيات القصيدة بعده، في استدراج شعوري تمسك بايقاع تلك المفردة أو العبارة وواصله حتى آخرها ، ليصبح تخيرها عنواناً لازمة أدائية وشعورية واجبة التمثل .

ومما يلفت التأمل هنا أن عنوانات المجموعة الثانية تشرع لنا ـ فيما تمثلته من هيمنة إيقاعية أتت على التفعيلة الأساس لبحر الرمل ـ فرصة لتأمل الوجهة الموسيقية التي سلكتها تجربة الشاعرعريان السيد خلف منذ منطلقها التأسيسي ، فهذا الوزن الذي هيمن تنغيمه على قصائد ديوانه الأول (الكمر والديرة) على نحو كبير ، يضعنا في أفق استعادة ماكان لهذا الوزن من هيمنة إيقاعية سابغة على أشهر النصوص المكتوبة باللغة الفصيحة لشعراء الرومانسية العرب :(علي محمود طه المهندس ، وإبراهيم ناجي ، وأحمد رامي) وسواهم من قصائدهم التي قدر لها أن تغنى ، وكذلك على عدد غير قليل من قصائد الدواوين الأولى لشعراء التجديد الشعري الذين كشفت تطلعاتهم الشعرية عن تمثل مهيمن لتلك الوجهة من الرومانسية. . ولنا أن نستذكر هنا قصيدة السياب الحرة الأولى (هل كان حباً) التي جاءت على إيقاع الوافر ذاته:

 هل تسمين الذي ألقى هياما

 أم جنوناً بالأماني أم غراما ؟

 مايكون الحب ؟ نوحاً وابتساما

 أم خفوق الأضلع الحرى إذا حان التلاقي 

 بين عينينا فأطرقت، فراراً باشتياقي 

 (الديوان ،2:101)

         ويبدو ـ فيما ننشغل به من أمر شاعرية عريان السيد خلف ـ أن هناك تكاتفاً لجملة من الظروف والوقائع ـ الذاتية والموضوعية ـ التي أسبغت حضورها ـ في تلك المرحلة ـ على وجهته التعبيرية المدلة على تكيفها الرومانسي الخاص ، فيها ماهو تمثل لنوازع مرحلة الشباب وانشغالاتها عنده ، وفيها ما يمكن ان تشرعه تلك الوجهة الشعرية من كوة لشهرة قريبة المنال،عبر حيويية الموضوعة العاطفية وخطابها الذي تتسع فضاءات تلقيه. وربما يكون قد سبق ذلك كله توجهات خاصة واستعداد من التبني لمضامين محددة من الأداء الشعري الشعبي ومضامينه ، عايشتها رؤية الشاعر في تخيرها الحميم لموضوعتها ، مثلما تماهت معها ذائقته وانتمت إلى بوحها ، لترسخها مشغلات فاعلية منغمسة في هجسها الترنمي لاتكاد نصوص هذا الشاعر لتغادرانشدادها نحوها في أي من مراحل تجربته الشعرية ، مع ماتحقق لها من ارتياد (موضوعاتي) برؤى أكثر عمقاً وأساليب تشكيل وافية الخصب. 

   وإذا كان ذلك هو واقع حال بحر (الرمل) في المسار الإيقاعي لشعر عريان السيد خلف فإن ما يقدمه الجدول من كشف يشير الى أن بحر (الوافر) ، ومن خلال تفعيلته (مفاعيلن) هو الأوفرفي مقاديره الإيقاعية المتداولة عنده ،سواء في عنونة النصوص ـ كما تبين سابقاً ـ أو في الحيز الإيقاعي الذي وردت عليه متونها ، وهو أمر ناتج من طبيعة المحتوى الموسيقي لهذه التفعيلة ، وحيوية ما تتخيره الأدائية الشعبية لها من  مساحة لفظية منتقاة ـ في مفرداتها وصياغتها التعبيرية ـ تتكيف على هذا القالب من الأداء الذي يحتمل طول النفس الصوتي المتكرر وحركته المتناغمة مع مسار التنفس صعوداً وهبوطاً .     

وهكذا ومن خلال التردد المنشد الى قيم تلكما التفعيلتين فقد تهيأ لقصيدة عريان السيد خلف أن تؤسس أفقها التعبيري الذي ملأته بإيقاعات التداول لشعبي الريفي وشجنه ، مساوقة إياه بإدائية الحداء البدوي وتوالي تنغيمه الذي يذهب بعيداً في تكرار مده الصوتي .                              

 تمثل (التقفية) انشغالاً إيقاعياً لافتاً في نصوص عريان السيد خلف كلها. فالغالب على نصوصه تمسكها بالقافية الواحدة المطردة ، حتى لتحيل افق التلقي لاستذكار قالب القصيدة العربية الفصيحة ذات النظام البيتي والتقفية الواحدة وفخامة بنيانه ، في الوقت ذاته الذي تبرز فيه مساحة الثراء اللغوي لدى الشاعر وحيويته لاستدراج التناغم اللفظي كي يراكم قيمه الدلالية والإيقاعية المنتقاة بذوق لفظي ، هو واحدة من سمات نصه. 

 يراكم الحرص الإيقاعي الذي يتبناه الشاعر قيماً أخرى مضافة ،عبر تقنيات يتداولها في كثير من نصوصه ، فهو ـ غالباً ـ ما يستعيد ذكر المقطع الأول من القصيدة في ختامها ، وهي استعادة تأتي ـ دلالياً وإيقاعياً ـ من محمل التذكير بالاستهلال ، مثلما تضفي على النص حركة دائرية ، يأخذ فيها شكل (المسبحة) التي ما أن تنتهي دورتها حتى تبدأ دورة جديدة متواصلة معها . 

وكثيراً ماتبدى في تلاحق أصوات الحروف تجسيد لترنم إيقاعي له حده الصوتي اللافت الذي يؤشر قيمة نفسية يمكن استجلاءها عبر تأمل الخصائص الشعورية التي تكتنفها أصوات الحروف ، كما في هذا المقطع : 

لاتحتار

بعد الماي مايك ياهدير السيل

عيب السفن ذيج

ايسوكها الحدار

وانته النوخذه النشمي

وتشم الريح

وبليل العواصف شيمتك بحار

 ( حيرة، ص177)

ففي أسطره السبعة يبرز تكرار بين لحرف الراء (خمس مرات) ،وهذا الحرف يحمل دلالنه الصوتية في كونه صوت لثوي مجهور، يؤدى بين الشدة والرخاوة . والوقوف عليه ـ قافية لهذا المقطع وسواه ـ تجعل لتردده أمتداده المكرور. وسيبدو في المقطع كيف أن صوت السين المستعاد لخمس مرات ، يعطي لحرف آخرـ هوالشين المتكررلثلاث مرات ـ أن يأخذ حيزه التنغيمي ، لاسيما أنهما حرفان يميلان إلى مساحة من التفشي الصوتي الذي يسعيان من خلاله الى الحد من صداح الراء وتكريس مساحة صوتية متوازنة معه. يأتي هذا كله بإزاء المد الصوتي المتدافع الذي أنتجه تكرار حرفي العلة (الألف والياء) ، ليستحيل المقطع كله اشتجاراً صوتياً يتمثل الوقع الدلالي الذي يريد المقطع إيصاله ، ليس من خلال المفردة وانتظامها في جمل متواصلة بل في أصواتية النص كذلك.

ولعلنا ـ وتأسيساً على ما لنص عريان السيد خلف من الاكتناز اللافت في قيمه الصوتية التي أشرناها موجزة ـ نستطيع القول بأهمية الوقوف على هذه القيم في دراسة صوتية معمقة ، تستجليها ، وتصنع منها مثالاً لابراز امتيازات الأداء الشعري الشعبي.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان