الجزء الاخير
د. علي حداد
لم يكتف الشاعر باستثمار قالب القصيدة المؤسسة على إيقاعات الذوق العربي الذي توارثه الشعر الفصيح بل أستوحى ـ بموازاته ـ مساحة للتشكيل الموسيقي الذي تنبني عليه القصيدة من خلال تلك الأنواع الشعرية والأدائية التي تخلقت في مساحة التداول الشعبي ، فكان له أن تبنى قوالب إيقاعية محددة ، وهي تتكيف في أنماط من التعبير المناسب للغرض الشعري ،وبحسب الإنصات الذي أمعنت الذائقة الشعبية في تمثله ، كالذي تخيره لنصيه (صدفه ، ص46) ومثله (لاتتمنه ، ص50) اللذين جاءا على أقرب ما يكون من إيقاع (الميمر) ،كما يتبين من هذا المقطع من النص الأول :
ذوبت روحي بخزرتك / والروح كلش ترفه
حتى المفاصل .. والضلوع اتناوبن بالرجفه
وك روحي وصلة بور/ يابو الفيض
والبور اشوكت يتكفه
ونصه (حلم ليلة ـ ص196) الذي وضع بناءه الإيقاعي على تمثل إيقاعي قريب من قالب العراضة (الهوسة) :
اتباتين / أنسه اشبيدي من ايدي الحد الذات
وحال الشمعه / اتلالي الدمعة
ومعذور البدمعه ايبات
ولأنه متماه على مستوى خصيب مع تلك الفاعلية فهو يستثمرها بأريحية من التمثل ، كهذا الدارمي :
ـ كلبي التولع بيك أنغلك بابه
أو خيم عليه الضيم مثل السحابة
( زيزاية ، ص72)
وربما جاء ذلك التوظيف بين طيات المتن العام للقصيدة ، كما في قصيدته (كبل ليله ، ص99 ) التي أورد فيها أسطراً من (النعي) :
هلي يامن ضيعوني
وكحه النفس ماتقبل تلين
منبت حزن ومخالف اسنين
الليل لو سد الروازين
شمسين حمره ايخضر الطين
لعل من بين الامتيازات الكثيرة التي وسمت بها شاعرية عريان السيد خلف ذلك التزاحم الدائب على تلحين نصوصها ، وأدائها من قبل عدد كبير من الملحنين والمطربين أولئك الذين استشعروا مددها العالي من الشجن والانهمار العاطفي والتطريب المموسق ، متماهياً مع معجميتها التي جاءت على أقرب مرامي التوصيل اللغوي .
لقد كانت نصوصه ذات حضور مؤثر في التداول اللحني للنص الشعري ، من خلال ماكرسه فيها من اشتغالات على تلك الوجهة الخاصة من التمثل الجمالي ، التي جعلت نصه أقرب إلى سليقة الذائقة الشعبية والترسم الشعوري الذي تميل إليه ، وهو ما يمكن الإشارة إليه في قصائده المغناة : ردي ردي، ص 32 ، حني حني ، ص35 ، وادعيني ، ص90 ، اتلولحي ،ص 118، بلايه وداع ، ص 123 ، توصيني ، ص 125، بالكيف ، ص126 ، طبع ميال،ص169 ، تين العجم ، ص 209، وحشة ليل ، ص209.
أخيراً … لقد أكد التداول المتمسك بأقصى تشكلات الذائقة الموسيقية العربية عمق التمثل الايقاعي المندس في ذات الشاعر عريان السيد خلف وذائقته ،والتماهي الرصين مع إرث موسيقي متأصل ، الأمر الذي منح قصائده امتياز الحضور الادائي لدى معظم الفئات ـ يتساوى في ذلك عالي التحصيل الثقافي بمحدوده ـ وفي ذلك ما أهل كثيراً من قصائده لأن تنال امتياز الركون القيمي المتداول للفاعلية التراثية الشعبية ، حد قدرتها على الاندماج في كنفها .
* خلاصة القراءة ونتائجها :
تفيأت تجربة عريان السيد خلف الشعرية حضورها في المشهد الشعبي العراقي بتميز كبير من خلال ماتمسكت به من تكيفات دلالية وجمالية،تبنتها وواصلت الاشتغال عليها ، وجعلتها أسلوبها في الأداء والتخير والتعبيري ، حتى صار بإمكان التلقي أن يشخص ـ وبلا كبير تردد ـ نسبة القصيدة إلى هذا الشاعر دون سواه .
وفي الغالب على ما أنجزته هذه التجربة فإنها لم تقدم محمولها الدلالي بكثير من التأويل المخاتل ،ولم تذهب الى الترميز الذي لايكاشف متلقيه الا بعد مكابدة تخرجه من المتن الشعوري إلى حيث الكد الذهني .
إنها قصيدة لاتغالب متلقيها ، ولاتكيد له بمثاقفة ذهنية مدعاة ، بل تأتيه صريحة البوح بانفعالها الوجداني ، لتضعه على معايشة لصيقة بها ، حد الاحساس بانتمائها المباشر الى مدركاته التعبيرية ونزوعه القولي المكتنف لهجسه العاطفي الذي يعايشه كل حين.
ولكنها ـ وفي التكيف ذاته ـ لاتجاري أحاسيس التلقي المسطحة الروح او المباشرة التنادي، بل تتعالى ـ في مؤداها التعبيري ، وتخيرها اللفظي ـ الى حيث لايدرك صبوة حدوسها الدلالية إلا الوجدان النقي ، وإلا الروح التي لم تنطفىء فيها جمرة العشق ومحبة الناس والحياة بكل تلوناتها ومكابدات الإنسان فيها .
وفي العمق مما صنعه عريان السيد خلف لقصيدته من متون دلالية وتعبيرية فقد كان التردد الخصيب على نزعة غنائية صافية هي المنطلق الأساس في التشكيل النصي ، غير أن ذلك جاء متناسغاً مع ماتهامى على جسد القصيدة من نثيث التعبير الدرامي حيث المماحكة الحوارية ، واستعادة الوقائع بشيء من التكيف السردي ، والترسم الواصف للحدث وفضائه ـ ببعديه المكاني والزماني ـ واستيحاء وجود الآخر ـ الحبيب وسواه ـ والذهاب بعيداً في مجادلته .
لقد تواضع الباحثون في مجال الأدب الشعبي ـ الشعري خاصة ـ على أن مايميزه عن مجمل الأداء اليومي للهجة العامية هو مايشخص فيه ” من الأقباس الفنية والموهبة الحساسة ، ويصاغ بلهجة عامية ، ولكنها غير لهجة الحديث اليومي . إنه يستعمل خلاصة العامية في أسلوبه ،ويستعمل خلاصة الأفكار العامية في معناه. تختار له الألفاظ الموحية أو ذات الجرس الجميل أو المعنى الدقيق،ويسلك في تركيبها سلوكاً هو أقرب إلى السلوك الفني ” (عامر رشيد السامرائي ، ص14) .
إن في قصائد عريان السيد خلف فضاءات من الخصب العاطفي الذي كثيراً ماتأولته الذات الشعبية ولهجت به . وفيها تلك اللمسة الندية من البوح المتجانس في انسيابية توصيل ، تجعل الأعماق لاهجة بها ، قبل أن ينشغل اللسان بإحالتها إلى ترنمات طرية التمثل .وهي تضع ذلك كله في كشوفات من الملفوظية الشعبية التي تشغل المثاقفة اللغوية لا لتلمس دلالتها ، وتأشير مآلاتها الجغرافية فحسب ، بل والانفعال المستثار بنسقية الأداء العاطفي الذكي الذي استدرجها الشاعر إليه .
وهكذا … وفي تواتر الوقائع التي قدمها شعر عريان السيد خلف لقراءتنا ، وتلمساً للقيم التي أرساها التوصيف مار الإشارة ، وما يتجلى من محدداته في قصائده فإننا نستطيع أنك نؤكد توافرها على ما يمكن أن نلهج معه بتوثيق مقدرتها على الاندماج مع متن التعبير الشعبي ، بمضامينه ، وبحدود كبيرة من ملفوظيته الخاصة ، وقبل ذلك وبعده بفاعليتها على تمثل روحه ، وتشخيص كثير من تفوهاته .
لقد جاءت قصيدته واثقة من مبتغاها التعبيري الذي تـبنته ـ سواء في تمثلها للكيفيات التي يشكل فيها الوجدان الشعبي ـ في المكان الذي استمدت منه مشخصات هجسه العاطفي ـ أو في ماتخيرته من سياقات أداء، كانت المفردة المستمدة من أعمق تفوهات تلك البيئة وأكثرها انشداداً هي ماتكرس لها من خصوصيات صداحها التعبيري . يأتي ذلك عبر مواجهة ذكية لمقتضيات بناء نصه والتبني شديد الحساسية لتزويده بإمكانات أداء لاتقاربها التجارب الشعرية الأخرى بذات المقدرة مع توافر رصيدها الشعبي من الوقائع والأمثلة بين يديها .
لقد صنعت قصيدته أفقها الذي تهيأ له أن يضاهي بعض قيم التمثل الشعبي من خلال تمكنه من الآتي :
ـ الاقتراب الحميم من الموروث الشعري الشعبي،والتقدير البين لمهيمناته الدلالية
والجمالية ، وتبني طبائعه في الانشغال وأنساقه في الأداء ،واحترام كشوفاته
العاطفية ، في مسعى الارتقاء التعبيري بها الى ممارسات شعورية عميقة
الاشتباك مع الذاكرة الشعبية في آفاقها المعرفية والاعتقادية ـ وقبل ذلك وبعده ـ
الجمالية .
ـ التمثل الواعي لمشخصات التعبير الشعبي في المفردة والاكتناز الدلالي الذي يشار إليه بوصفه (حسجه) ،تأكيداً على مافي العبارة من عمق شعوري ومفارقة تقتنص المعنى البعيد وتستحضره ، في رصف ذكي من المفردات التي تتوهج بشعرية أداء عالية .
ـ ثقته بالتأسيس المعرفي الذي أستوعبته تجربته الشعرية بعداً ثقافياً واستجابات
ذوقية ، أمعنت في تمثلها والانتماء إليها.
ـ الإخلاص لنفس شعري أول بقيت التجربة الشعرية تنهل منه وتواصل تنمية
أرصدته بوعي ومماحكة شعورية دائبة .
ـ التلقي الذي تحقق لنصوصه ـ شعراً وغناء ـ من مختلف الفئات الثقافية ، ومن دون أي تحفظ يساور الوعي أو الذائقة في تحسس طاقته التوصيلية المحتشدة الشجن فيها .
يبقى في آخر الأخير من القول أن نشير إلى بعض ماعن لنا مما كنا نتمنى لهذه الشاعرية الكبيرة أن تتأمله وتقاربه ـ في الوعي والممارسة ـ فعريان السيد خلف قد فاء بمقدرته الشعرية إلى مساحة من التداول (الموضوعاتي) لمضامين عاطفية كان دائب الكرّ على محتواها ، ولم يتلمس لطاقته الشعرية مدى أوسع من انشدادها إلى الذات ـ ذاته ـ متمسكاً بالنزوع الذي عايشته تلك المضامين في الصعيد التداولي المشاع عنها ـ الذي كرسته الرؤية الشعرية العربية ذات الطابع الغنائي .
كما أنه لم يخرج بالرؤية النصية كثيراً إلى حيث تكون المحاورة ـ ولاسيما الوجدانية منها ـ ذات طرفين متقابلين ، وليس استلاباً من طرف واحد ـ يستبد وجوده بالنص ويفرض تفوهاته عليه . فنحن لم نجد في الغالب على قصائده سوى صوت العاشق و(أناه) التي لها سطة التفوه وشهادته لنفسه عن مكابداته من الوجد والهجر وتمنع الحبيبة وإدلالها الباذخ . أما الآخر (الحبيبة) فليس لها عنده سوى أن تصغي للضجة الشعورية التي يثيرها ، وأن تتلقى شتى أقاويله عنها .
وينبني على هذه الرؤية ـ ونحن نقارب تجربة شاعر ذي وجهة تقدمية معلنة ـ أن نؤشر محدودية المضامين الاجتماعية التي تداولتها قصائده ، وهو الشديد الاقتراب من البيئة الشعبية ، والمتلمس لكثير من مشخصاتها الشعورية . فهو ـ على سبيل التمثيل ـ لم يقارب موضوعة المرأة الشعبية في بيئتها الريفية ، وماتعانيه من مواضعات الممارسة الاجتماعية وعنت وجودها اليومي المنتهك فيها .
كما ـ وفي جانب آخر تعايشه الفاعلية الشعبية أيضاً ـ لم يشتغل على الموضوعة الدينية ، وارتسامات وجودها في السلوك والاعتقاد عندها ـ كواقعة الطف ـ التي تؤهله مقدرة الشجن العالية التي يمتلىء إناؤه التعبيري بها أن يصنع لها نصا كبير القيمة والحضور، لاسيما أن عريان السيد خلف قريب من البيئة الشعبية ، متحسس للعمق الوجداني الباذخ الذي يعايش كشوفات هذه الواقعة ويستعيد فاجعتها بتمثل لاينقطع .









