ثقافة شعبية

ملحمة شعرية لشاعر السماوة تترجم رعب الوطن على مر العصور

انها قصيدة رعب مركب رافق الانسان طوال حياته ، رعب في الطفولة من سلطة الاب الظالم ، رعب المراهقة من التقاليد الاجتماعية الصارمة ، رعب الانتماء السياسي الذي انتهى باستقالة مبكرة من الحزب الذي ينتمي اليه الشاعر ، رعب السلطة الحاكمة الذي أمتد الى فراش النوم والجلسات والرؤى والاحلام ، وهذه القصيدة من اكثر قصائد شاكر السماوي رعباً ووحشية واغتراباً عن الواقع والوجود ، والسماوي بشكل خاص من الكائنات المتوجسّة التي كانت كثيرة التلفت والشكوك والانتباه والحذر ،بآخر ايامه في بغداد قبل ان يغادر الوطن الى المهاجر ، كان حين يسير في شارع أو يجلس في مقهى أو حانة ، يتخيل بـأية لحظة يلقى عليه القبض او يطلق الرصاص على جسده من قبل رجال مجهولين .

الجزء الاول

 سعد صاحب

 
قصيدة ملحمية
هذه القصيدة من القصائد الملحمية ، وبحسب أرسطو في كتابه ( فن الشعر )، أن الملحمة تروي فصلا يتعلق باقدار مجموعة من الناس أو أمة ومن ثم فهي تقدم  حياة متكاملة لعصر معين ، كما للملحمة مدى استيعابي أبعد من امكانات التراجيديا، فهي تتألف من مشاهد متعددة يمكنها ملء الفراغات التي تقع بين الاحداث ، وفي الملحمة ينبغي على الشاعر ألاّ يتكلم بلسان حاله الا في أضيق الحدود ، أما الشاعر المبدع شاكر السماوي هو بطل الملحمة ولم يزج نفسه  زجاً خلال احداث القصيدة المتصاعدة وكان يتحدث بلسان الجميع، وان مدخل القصيدة مشهد مسرحي طويل يثير الرعب والخوف والقلق والارتباك في عالم غرائبي .
 والقصيدة أشبه بالسيرة الذاتية لحياة الشاعر الاجتماعية والسياسية والنفسية وكانت تتمتع بالجرأة والمصداقية والتحدي والرفض والاحتجاج ، وان تكرار كلمة ( ظلمة ) لخمس مرات كافياً لمعرفة الوجع الذي يعانيه الشاعر في دهاليز ذلك السجن الرهيب .
 ظلمه أبظلمه أبظلمه أبظلمه أبظلمه …
نصها ارماد  أوبوم ، اونصها ،
غربان أو صبير ، او نصها …
اعيون أوسن حيه أو حس ذيب !
واتهجس باكتار الظلمه ،
واكتار اعيوني التظلم ، حيطان الدم
تلتم فوك اعيوني اعيون ،
عميه اتحومي ابسرداب اظلم !
ياخذ بين السكته أو روحي :
شكل الجرح أو طعم السم …
اولون المغرب وكت الهم !!
والتم بجروحي الما تلتم …
واتهجس كل لحظة اتفوت …
بين عيوني وبين اخيالي :
سجينة مكبث تبرالي …
والطيف الخاتل بظنوني ،
يتشمع ظلمه اعلى عيوني …
واحلامي اتعشعش باحلامي ،
عاكر بيها الدنيا أتشيب !!
 أما من حيث الوزن بحسب المصدر السابق فان التجربة تدل على ان الوزن الرصين كوزن الوافر والبسيط والرمل والطويل هو الذي يستطيع استيعاب الكلمات النادرة والمجازات ، ولا يجوز استخدام البحور الراقصة التي تمتاز بالحركة لهذا الشأن ، غير ان السماوي استخدم بحر الخبب الراقص وطوعه في كتابة القصيدة الملحمية واعطاه شحنة غير عادية من الدلالات المعبرة ، ولا يحق للشاعر في الملحمة ان يمزج بين الاوزان ، وحفاظاً على هذا النفس الملحمي لم ينتقل الشاعر الى بحر آخر وهو المعروف عنه بالانتقال وعدم البقاء على وزن واحد ، للسماوي سطوة خاصة على هذا البحر ولو نستعرض اغلب القصائد التي كتبها بهذه التفعيلة نجدها قصائد كبيرة تناقش رؤى وافكارا فلسفية ودينية وانسانية ذات انزياحات مبتكرة ، وكل المتعلقات بهذا الوزن الغنائي تحولت الى طينة طيعة في كف الشاعر الخبير الماهر .
واذبل واتهجس بجروحي …
بين السوط أو زنزانة اعلى حدود الريح !
عفه اتطيح او نجمه اتسيح …
او طفله ابلوحه : تبجي او بيها السوط ايصيح !! او جثه ابتالي الظلمه اتنوح ،
اوتنده لي ابحسها المذبوح :
لا تتبحر زايد بيها …
الطفله اعيونك تاذيها !
واجفل واتلفت واتهجس بيه …
بين العتبه او طبعات جفوف اعلى الدم ،
طفله ابلا راس اولا جف …
تمشي ابد معتها وتتنشد :
عن كذلتها او قرديلتها …
او عن صورة أمها اوعن صوغه ابجفيتها …
اوعن جرح ابحلمة جارتها ،
لاهو ايكت ولا يلتم !!
 المكان الرومانسي
  المكان من التكوينات البارزة في القصيدة ، وبالتأكيد انه سجن موحش يضم  بين قضبانه سجناء اصحاب موقف ومبدأ وعقيدة ، والسماوي مبدع في رصده لتحرك الشخصيات وتداعياتها برغم الظلام المخيم على كل شيء في هذا الجو الكابوسي المخيف . والشاعر لم يكن معنياً بالمكان الرومانسي او جماليات الطبيعة من انهار وطيور وينابيع وجبال ، واذا استخدم هذه المفردات فانه لا يستخدمها معجباً أو عاشقاَ أو زائراً وانما قلق خائف متوجس حتى من الاشجار والنسائم والماء. 
 الصاري اعلى الضويات اجروح …
والروجه ابسد شاطيها اتنوح …
والنجمه اعلى الروجات اتلوح :
دمعه ابنص  ظلمتها اتسوح !!
جثه اتغوص او جثه اتطوف ،
او جثه اتهلهل وتغص ابحسها المذبوح !
او جثه اباخر جرح اتروف …
او جثه ابلايه اعيون اتطوف …
اوجثه اعلى  الصوبين اتحط ،،
للغايب حنّه او شمعات …
ع الماي اتسافر بطيوف !
او جثه اتسافر بشراع ابلا صاري او نيه 
اوجثه ابتالي الماي اتصيح …
اوتومي لي ابجفها المكطوع :
–    لا !!
 لا تكرب لحدود الشط …
الشط هم غرفة تعذيب !!

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان