ثقافة شعبية

ملحمة شعرية لشاعر السماوة تترجم رعب الوطن على مر العصور

انها قصيدة رعب مركب رافق الانسان طوال حياته ، رعب في الطفولة من سلطة الاب الظالم ، رعب المراهقة من التقاليد الاجتماعية الصارمة ، رعب الانتماء السياسي الذي انتهى باستقالة مبكرة من الحزب الذي ينتمي اليه الشاعر ، رعب السلطة الحاكمة الذي أمتد الى فراش النوم والجلسات والرؤى والاحلام ، وهذه القصيدة من اكثر قصائد شاكر السماوي رعباً ووحشية واغتراباً عن الواقع والوجود ، والسماوي بشكل خاص من الكائنات المتوجسّة التي كانت كثيرة التلفت والشكوك والانتباه والحذر ،باآخر ايامه في بغداد قبل ان يغادر الوطن الى المهاجر ، كان حين يسير في شارع أو يجلس في مقهى أو حانة ، يتخيل بـأية لحظة يلقى عليه القبض او يطلق الرصاص على جسده من قبل رجال مجهولين .

الجزء الاخير

 سعد صاحب

 
 وجود موحش
وفي القصيدة حضور للمكان الريفي اكثر من المكان المديني ، وتجدر الاشارة بان الشاعر انتقل الى بغداد في وقت مبكر وتعرف على اجواء المدينة وشخوصها واسرارها عن كثب ، ولكن وجود المكان البغدادي في قصيدته وجود : موحش ، باهت ، مريب . وبالنتيجة لم يأتلف السماوي مع هذه الامكنة برغم ما كانت  تقدم له من متع مؤقتة زائلة يفسدها رقيب أو حاسد أومراء . 
 كان الجو العام للقصيدة سوداوياً حقيقياً وليس مفتعلاً ، وكانت الزنازين مظلمة وانين السجناء يتسلل الينا من خلال تجليات النص المكتوب وليس من حديد القضبان الجامدة ، والليل سمفونية سوداء متواصلة من السياط والدماء والصرخات والقتلى والدموع والعيون التي فقدت بريقها والاكف المقطعة والورود الذابلة .
وأرهن عمري بكل قانون …
نيه او طيبه او طاعة خايف للسجان !
وارجع من كل طيبه او نيه :
نص تابوت او نص انسان !!
او نص حاير ضيعّ وجدانه ابكل وجدان ،
واسهر بالسكته السهرتني ابهالة دمعه ،
اندارت مثل الكمره او دارت ضيها ابعين …
ذاك المشنوق الّي ودّع روحه ابروحي …
اوودّع دمعاته ابد معات …
كل شمعه ايوجها الانسان !!
  طبيعة الحياة التي عاشها الشاعر من مراقبة ورصد وضغوطات ومتابعة ، لم تترك له الفرصة لرؤية الشوارع والحانات والحدائق رؤية ايجابية سعيدة ، بل كان السماوي مسكوناُ بالخوف من النادل والسائق والشرطي والريح والنسمة العابرة ، والسماوي يعتقد ان الظل مخبر سري يتعقبه من البيت الى المدرسة ، والقمر الذي في السماء مكلف برصد خطواته المرتبكة المتباعدة . 
يشير أرسطو : الملحمة تروي أحداث قصة وقعت في الزمن الماضي ، وهذه القصيدة كتبت بتاريخ (27 – 11 – 1975 ) واحداثها التي وقعت أقدم من فعل الكتابة ، والتراجيديا تعرض أحداث قصة تجري في الزمن القائم ، واذا كان عنصر الادهاش يجد مكانه الاصح في التراجيديا ، فان عنصر اللامعقول يأخذ مكانه الحقيقي في الملحمة ، والطول من سمات القصيدة الملحمية ولكن الطول الملائم لا يقاع هذا الزمن المتسارع وليس الطول القديم ، ( وقد ورد في قاموس أكسفورد ان نص الالياذة يتألف من 15680 بيتاً من الشعر ، بينما يبلغ طول الاوديسة 12109 من الابيات ، وكل الملاحم التي بقيت من القدامى أقصر من هاتين الملحمتين ) وبالامكان اعتبار القصيدة التي تتجاوز أكثر من 200 بيت فما فوق قصيدة ملحمية مع مراعاة شروط الكتابة بهذا اللون . 
والهث بالحيرة التمشيني …
صنطه او ذلّه او رجفه او آخ …              
 ذكريات قديمة
 وللخلاص من وحشة هذا المكان البائس  يلوذ الشاعر بالشباك والياس والجوري والهمسات والشراشف والبار ، ويستعيد الذكريات القديمة التي هي الاخرى يجدها مسكونة بالقلق والموت والتشرد والرهاب ، وحينما يصحو السماوي من حلمه لايجد في عالمه الكئيب غير السجناء الذين اختاروا السجن أن يكون مكاناً لحياتهم ورفض الحياة الخارجية بما فيها من مغريات وسعادة ونساء ومناظر جميلة . 
واتحسّر بالدمعة أو ألكّى 
اعلى الشباك النار النار !
تركض بين الياس أو تركض فوك الجوري …
أو تحصد من كل لحظه اتمر …
سحر الهمسة او طعم البار !!
او تدفن كلبين اعلى الجرجف ،
من صورتهن غار العاكر والسمسار !!
 الشاعر السجين يعيش حالة التهميش والانحسار والاذلال ، وهذا ما يدعوه للحديث المتواصل مع نفسه ، والعتاب المرير في حضرة الوطن الحاضر – الغائب ، وكان لوجود ( الجا ) في نهاية هذه الابيات وجوداً مهماً أرتقى بالقصيدة فنياً الى مستويات جمالية عالية ،ومعروف عن السماوي بمقدرته الفائقة على أجادة التكرار  غير الممل وان استغرق تكراره ابيات قصيدة كاملة .
يا وطني الطايح بجروحي …
 يا وطني الطايح بجروحك !
هذا أنته الحبيتك جا …؟
هذا أنته الغنيتك جا …؟
هذا أنته التانيتك جا …؟
يا عين الرب يمته اتشوف :
اجفوف الصلّى الحبك جا …؟
يا نبض الحب يمته  اتحس :
ابنبض الحبوك ابهجرانك جا …؟
يا نبع الصب روحه ابكل روجه او كل غيمه … يمته اتوافي النبع الحط لك :
كل فيضه اعلى اجروفك جا …!؟!
وارجع اتنشّد والحيره …
اتدولبني اعلى ادروب الحيره :
ليلك طال اتمطه الظلمه !؟
لو هيّه اشموسك متعوده ،
من اتهل الفجر اتغيب ؟!
   في هذه القصيدة الكثير من التساؤلات المخيفة التي تجاوزت حدود الخطاب الواحد ، فتارة يكون السؤال نفسياً ، لكنه طافح بالمعاناة والاحزان والمرارات ، وفي موقع آخر يكون سياسياً بمفردات عاطفية قاحلة ، وحين تتشابك الصور الشعرية في ما بينها يصبح الاستفهام كونياً يبحث عن مصيرالانسان الغامض في هذا الوجود الذي يواجهه بالرفض والثورة والتحدي والصمود ، وكل الذي كان يسعى له الشاعر عدم السقوط بالوحول وعدم الاستمرار في هذا المشوار المليء بالخوف والتوجس والطعون والجثث والرايات والضحايا ،ان هذا النص الشعري المثير الضاج بالاوصاف الساخنة والمشاهد الدموية وحفلات التعذيب اليومية المملة ، يعد واحداً من النصوص المتقدمة فنياً وانسانياً لما يحتويه من علاقات متجددة وصراعات مستحدثة وتنويع متماسك في الاشكال والمضامين والمقاطع المفاجئة ، والتجسيد الناضج لتجربة السجن والموت والاحباط والنفي والاغتراب بداخل الوطن وليس خارجه.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان