باسم عبد الحميد حمودي
طربوش أو عمة أو طرطور مرتفع على الرأس، وكتاب وعصا وفانوس، وصوت جمهوري يحسن التقطيع او التصويت انخفاضاً وارتفاعاً، ربما دكة في مقهى او كرسي للجلوس وربما سيف خشبي او حتى حقيقي لتكامل الاداء ولكنه كل ذلك، وهو الحكواتي، وله وجوهه المتعددة قديماً وحديثاً وفي هاتين الاشارتين صورة للتكامل المعرفي اساسها الحكواتي قديماً وحديثاً.
حكاية النص من الحكواتي الى الشاشة
تنطلق القصة الرواية بسياقاتها الفنية الكلاسيكية والحديثة أو الاكثر حداثة، من الأداء الحكائي، من ” السالفة” ” السبحونة” أو ” الحدوتة” في صياغتها الخارجية. وفي الاساس الفلكلوري كانت ” السالفة” أو” الحكاية” التي تطورت بعد ذلك الى انواع” شعبية” متعددة مثل الفابيولا وقصص الجان والقصص الضاحكة وقصص الحيوان.. الخ.. كانت مجرد أداء خارجي” كلامي” منطوق لدراما صغيرة تحولت الى تصوير لـ” درامات” أوسع وأكثر مجالاً حيائياً ، مكاناً وزماناً في ” الملحمة”و ” السيرة”.
كان الكلام- الصامت- المنطوق- الدرامي- القصير النفس- الذي تطور الى سياق أوسع، فضاء جنينياً اساسياً للقصة والرواية القديمة التي تصنعت فنياً الى كلام، مكتوب أو مقروء ومتداخل البنى والرؤى والصيغ الفنية.
لقد استبدل الراوي القديم مجلسه الصغير او الكبير بين الناس بالجلوس على منضدة الكتابة والتدوين.
بين” الكلام” الصامت الموجه لجماعة تجلس حول الراوي أو تمشي معه وبين الكلام المكتوب لقارئ ما، حدث ذلك التطور الهائل في العملية الفنية التي حولت السالفة الفلكلورية الى كتاب قصص أو روائي وحولت الملحمة الشفاهية الى ديوان شعري.
ولئن كان مشكوكاً في أن الملاحم لم تنظم من قبل فرد واحد وأن العرب بالذات لايملكون ملاحم خاصة بهم فإن الجدل في هذا يدفعنا الى الخروج عن الفكرة التي نريد اثباتها وهي انتقال الحكواتي، السارد والشاعر القديم من صيغة الابداع الشفاهي الى صيغة الابداع المدون الذي ينتقل عن طريق الكلمة المكتوبة لا المنطوقة، وإن دورة حياة جديدة قد رافقت الاداء الدرامي للحكاية القديمة التي تحولت الى عمل درامي مدون حداثي، ذلك أن هذا العمل قد انتقل. بفضل ايقاع العصر والتطور- من الورق الذي دون عليه الى فضاء الشاشة الكبيرة او الصغيرة، قبل ذلك انتقلت الكثير من الاعمال الروائية الحديثة الى المسرح حيث أعد المخرجون والمعدون الاخرون العديد منها وقدمت مسرحياً وبذلك جسد الحكواتي الجديد- المخرج- حركة الابداع الادائي للشخصيات عينياً..
وعندما بدأت شاشتا العرض الجماهيري بالاستحواذ على فن القصص المدون عبر السيناريو المدون الذي تم تجسيده بواسطة الكاميرا انتقل العرض الادائي للحدوتة الى شكل جديد اكثر امتاعاً هو شكل التمثيل التلفازي والسينمائي الذي يحركه المخرج عبر كامراته كحكواتي جديد يقدم الحدوتة مجسدة وقد انتقلت الى صورة، ويتضح دور الحكواتي الجديد- المخرج في مجال المسلسل التلفزيوني حيث يقطع المخرج النص الذي بين يديه الى فصول(مشاهد) يقفل في نهاية كل حلقة فيها علىمشهد من مشاهد الذروة كما كانت تفعل شهرزاد ومئات الرواة قديماً ليقدم انا في ” الليلة التالي” الحل الدرامي الذي يسحبنا الى مشاهدة- سماع قديماً الحلقة الجديدة، وهكذا يستخدم الكواتي العصري – الالكتروني – الجديد اسلحة الماضي الادئي بطريقة اكثر إمتاعاً ولكنها مبنية على الاساس التقطيعي القديم للحدث المروي من قبل الحكواتي .
دور الحكواتي
في ليلة الحصاد او عند بدء موسم الحرث والزرع كان الفلاحين في كل أرض يقومون بالتجمع مساء في مكان قريب لتبدأ سهرة الليلة برصد وسماع حكاية يحكيها الكبار عن تجاربهم وسفرهم، أو يعلو صوت الرواية أ, الحكواتي لرواية مسلسل شعبي من الادب الشعبي القصصي القديم وتمثيل بعض أحداثه.
يتم ذلك في المدينة العربية القديمة وفي حواريها المثقلة بالحرس والعسس والأمل والحب، في قصر الخليفة وفي المحلة أو عند دكة مقهى من المقاهي(فيما بعد) حيث يجتمع الجلاس في شهر رمضان ليستمعوا الى أيام العرب والى الحكواتي وهو يروي قصة عنترة او الاميرة ذات الاهمة او الف ليلة أو الزير سالم أو سيف ملك اليمن ولكل رواية طريقته وحصيلته من الاخبار والقصائد والاحداث، بعضهم يضيف وبعضهم يحذف وبعضهم يعطي لملامح المنطقة أو العصر الذي يعيشه دوراً داخل الملحمة او الكاية الطويلة التي يرويها فصلاً فصلاً ويقطعها كل ليلة عند مشهد معين ليضمن حاضرين آخرين مساء الغد يهمهم ان يستمعوا الى بقية الحكاية.
كان الراوي القديم مثل تلفاز اليوم حيث يقوم المخرج بدور الرواية وقوم الممثلون بأداء أدوار الاحداث العصرية أو التأريخية أو البوليسية التي يتضمنها الحدث.
واذا كان عصرنا الذي نعيش فيه اليوم هو عصر السرعة فقد اعتمد بعض الرواة الجدد(المخرجون) طريقة الفلم السينمائي السريع الذي يعرض أحداثه مرة واحدةوينتهي الامر في الليلة التالية الى عمل درامي آخر ذلك أن التلفزيون- مكان الرواية- هو غير الحكواتي القديم وغير الحارة او مكان تجمع الفلاحين فله قسماته الخاصة التي لابد منها ولكنه جهاز أخبار متنوعة، يجمع الناس حوله، فرادى أو جماعة ليسمعوا ويشاهدوا ما لم يلذ ولكن فكرته لا تكاد تختلف عن فكرة الحكواتي القديم في عصرنا هذا، كل ما في الامر ان المشاهد او المستمع يمتلك حرية اكثر في المشاهدة او الاستمتاع او الرفض، فإذا كان من العيب قديما أن يغادر المرء مجلس الرواية الا لسبب قاهر فإن طفلاً صغيراً يستطيع في أي وقت أن يقطع على مذيع الشاشة الفضية روايته لينصرف الى بعض امره دون ملاحظة من أحد. واذا كان الراوي الشعبي قد غير في النص الدرامي الشعبي وأضاف اليه وأنقص منه وجعل جامعو التراث الشعبي القصصي يقضون سنوات عمرهم في الجمع والكتابة والتحقيق فلقد توصلوا في نهاية أن لكل رواية شعبية حقها الاساسي في الاستقلال فرواية جابر او حسين المصري مثلا للسيرة الهلالية تعتبر رواية خاصة تختلف عن رواية اي حكواتي اخر، أو النص الاساسي المحفوظ في مكتبة برلين وفي الوقت نفسه فإن مخرج الفلم أو المسلسل الدرامي يتمتع كذلك باستقلالية خاصة في (رواية) الاحداث تختلف عن النص المكتوب او المروي، فقد قدمت السينما العربية قصة عنترة مرتين مرة بأخراج نيازي مصطفى وسيناريو نجيب محفوظ وتمثيل سراج منير ومرة بأخراج وسيناريو صلاح ابو سيف وتمثيل فريد شوقي ولكل فلم تأثيره الخاص كما قدمت السينما العربية قصة ابو زيد الهلالي مرة واحدة بتمثيل سراج منير وما زال الوقت قابلا لتقديم هذه القصة المأخوذة من السيرة الهلالية الكبرى بشكل واخراج اخرين.
على ذلك فإن دور الحكواتي القديم تتنازعه اليوم جهات متعددة منها السينما ومنها الشاشة الفضيةومنها المسرح ومنها الاوبريت والباليه وكل وسائل الرواية الحديثة المرئية والمسموعة . وما زال الناس في كل مكان بحاجة للجلوس والسماع والمشاهدة للنص الفلكلوريالذي كان اساساً نصاً حديثاً – وفق زمنه- وللنص الحديث الذي تقدمه مسلسلات اليوم ويكون الحكواتي فيه هو فريق العمل التنفيذي الذي يشرف عليه المخرج.
ألسنا نعيش عصر الأمس بتقنيات جديدة؟









