الجزء الاخير
لاشك أن إسم (الأدب الشعبي) مصطلح عربي أي مؤلف من ألفاظ عربية خالصة في العصر الحديث، وإذا إبتكر العرب هذه الصيغة فقد استعار الباحثون العرب المفهوم من الكلمة الغربية (فولكلور Folklore) في فترة الخمسينيات منهم أحمد رشدي صالح وفاروق خورشيد وفوزي العنتيل ونبيلة إبراهيم وحسين النصار ، ويواجه الباحثون العرب في تحديد مفهوم الأدب الشعبي مشكلة وضع مقايس معينة .ويرتبط الأدب الشعبي في الأبحاث العربية بتعريفات محددة ستكون محاورها الأساسية نقطة إنطلاقنا لمحاولة التوصل إلى تحديد مفهوم الأدب الشعبي.
“إن الأدب الشعبي لأية أمة هو أدب عاميتها التقليدي الشفاهي ،مجهول المؤلف ،المتوارث جيلا بعد جيل”.
التقليد : إن مايمثل الأصل في تسمية (أدب العامة التقليدي) متضمن في مفهوم الأدب الشعبي بشكل ملخص إذ نتبنى تعبير الأدب الشعبي للدلالة على مجموعة من الأشكال التقليدية (الأساطير – الحكايات الخرافية – القصص – الأمثال – الأغاني – السير…) وسواء أكانت هذه الأنواع التقليدية شفوية أم أعيدت كتابتها وانتقلت فيما بعد من جيل إلى جيل. غير أن حصر الأدب الشعبي في العراقة يعني بالضرورة اعادة إنتاج إبداعات الأدباء السابقين. إن التقليد مناقض للتطور. والأدب الشعبي ظاهرة اجتماعية تعبر باستمرار عن حاجات جديدة.
الحقيقة – متابعة
إن الراوي لا يستطيع أن ينتج نصا بمعزل عن الجمهور، ويتحدد معنى تدخله في النص الأدبي من خلال هذه العلاقة القائمة بين الراوي والجمهور، وتفترض عملية التواصل بين المرسل والملتقى جملة من عوامل تؤدي دورا هاما في صياغة الأثر الأدبي وتشكيله صورة ومعنى. تسيطر على الجمهور حاجات عديدة، وتتفاوت هذه الحاجات من فئة اجتماعية إلى أخرى حسب العمر (الشباب – الكهول – الشيوخ) والجنس (الذكور والإناث) ويعمل الراوي على أشباعها، وتختلف قدرات الرواة على الرواية وطاقاتهم على الحفظ والتذكر ومن ثم فإن النص يتعرض باستمرار للتغيير أثناء انتقاله في المجتمع، ولكن حجم هذا التغيير وأهميته تختلف باختلاف العناصر التي يصيبها التغيير، فالتغيير في مكان الأحداث وزمانها أو في الشخصيات يعد تغييرا بسيطا ولكن التغيير في حبكة الأحداث وتسلسلها أو في وضع نهاية مختلفة يعد أمرا هاما وهو ما يحدث عادة أثناء انتقال الحكاية، وإذا كان الأدب الشعبي يتعارض مع الكتابة فإنه من الطبيعي أن نقدر أن هؤلاء الأميين سوف يكونون المهتمين بالأدب الشعبي المحافظين عليه القادرين على ترديده. ولكن إن ترديد الأدب الشعبي موجود دائما بين الناس جميعا ويرتبط بمناسبات عديدة.
إن نصوص الأدب الشعبي بأنواعه المختلفة تتقبل الإضافة والحذف والتعديل دائما بينما تعيش الأنواع الأدبية الخاصة على حالتها التي ابدعها بها مؤلفها، ويؤثر جمهور كل من الأدبين (الشعبي والمدون) في طبيعة كل منهما، يمكن للكاتب أن يعيش بعيدا عن الناس منعزلا في مكان خاص لا يشاركه فيه أحد أثناء ابداعه ولا يمكن للراوي أن ينعزل عن المستمع فلا بد أن يكون على صلة مباشرة به وأن يواجهه.
إن الكاتب أو الشاعر يشبهان جهاز الإرسال ويصبح الجمهور جهاز الإستقبال، وتوجد علاقة مباشرة بين المرسل والمستقبل.
لا يوجد رد فعل مؤثر مباشر من جانب الجمهور فيما يتعلق بالأدب المكتوب فإن الإرسال (الأثر الأدبي) هنا يعد مكتملا ومنتهيا قبل أن يصل إلى المستقبل وهو الجمهور أو القراء بينما نجد في نطاق الأدب الشعبي، ظهور ردود فعل مباشرة أثناء عملية الإرسال (أي أثناء الأداء) ومن هنا فإن الصورة النهائية التي يبدو بها هي نتيجة التفاعل المتواصل بين المرسل (الراوي – المغني) وبين الملتقى (الجمهور المستمعين) وتؤثر طبيعة الجماعة من حيث السن (الشباب – الكهول – الشيوخ) والجنس (الذكور أو الإناث) والثقافة (القراءة والكتابة – الأمية) في تنوع أساليب رواية النص ومضمونه، يتغير الأدب الشعبي إذن باستمرار ولكن هذا التعديل مرتبط بالظروف التي أنجز فيها هذا العمل الشعبي نفسه، إذ يحاول المؤدون تعديل نصوصهم الشعبية حسب مزاجهم وطبيعة مستمعيهم والمدة الزمنية التي وضعت في تصرفهم، فهم يختزلون العمل الشعبي أو يمددون فيه، يطورونه ويفصلونه أو يحذفون مقطعا منه حفاظا على أصالته إن الأدب الشعبي ملك الجميع وغير معقول أن تكون الجماعة باسرها مصدرا له.
يقول هابرلاندت M. Haberlandt أن من أهم واجبات علم الفولكلور أن ينتبه إلى وجود أولئك الأفراد المبدعين الذي تمكن معرفتهم بالإسم في كل مجال من مجالات الثقافة الشعبية الحية بين الناس وعليه يتحتم علينا أن نعدل بعض الشيء من مفهوم (الثقافة الشعبية الجماعية) ذلك أن الإبداع الثقافي الفردي كامن في كل ثقافة جماعية من هذا النوع والفرق بين شعب وآخر وعصر وآخر هو في عدد وأساليب هذه الشخصيات الإيجابية المبدعة.
ولا يركز علم الفولكلور بالدرجة الأولى على فردية الإبداع الشعبي أي على الصورة الفردية التي يخرج بها الأثر الأدبي إلى الناس وإنما هو يهتم أولا وقبل كل شيء بالرصيد المشترك الشائع بين الأغلبية، ولكن لا يمكن فهم هذا الرصيد المشترك الشائع إلا عن طريق هذا الشيء المتفرد، ودراسة حياة حملة هذه المنتجات الشعبية المتفردة والمتميزة بسمات مبدعيها، فكثير من الصور التي اتخذها التراث المشترك لا يمكن فهمها دون اعتبار دور القوى المبدعة للإنسان الشعبي الفرد، فتحديد اسهام هذا الفرد في التراث الجماعي أمر ضروري ومنهجي في ميدان الدراسات الشعبية.
إن المقصود بالقوة الإبداعية للجماعة الشعبية هو ابداعات الأفراد الموهوبين قد تكون معروفة بالإسم في البداية إلا أنها سرعان ما تدخل ضمن الرصيد المشترك لا يمكن لأحد أن يدعى إزاءه حقا شخصيا لأنها لا تستند إلى مؤلف معين إن النوع الشعبي هو انتاج شخص مبدع صاحب موهبة ولكن حينما يوجد فيه تعبير معين أو اصطلاح أو صورة غير موفقة أو غير مفهومة للكافة تعمد الجماعة إلى تغييرها من تلقاء نفسها وتجعل كل اجزاء هذا النوع الشعبي سهلا على نطاقها وفهمها، هذه المشاركة هي التي تسمو بالنوع الشعبي إلى درجة فنية راقية إلى الحد الذي تجعله بشكله المتداول فوق مستوى الفرد المبدع.
كان الرومانسيون يرجعون مثلا أسباب التنويعات والروايات المتعددة لحكاية واحدة إلى الأخطاء أو سوء الفهم والإضطراب وغيرها من أسباب كثرة تداول مواد الأدب الشعبي، فيرجعونه إلى الربط غير الواعي بين موتيفات متعددة من حكايات متباينة في حكاية واحدة وليس إلى الخلق الواعي.
إن فرد السرد سواء كان مقلدا أو مبدعا لا يمارسه بين الجماعة سوى أفراد قلائل دائما، إن امثال هؤلاء الرواة لا سيما المبدعون منهم ليسوا كثرة سواء بين الطبقة الدنيا أو العليا، إن المقلد وهو الطراز الملتزم بالرواية الأصلية هو الشائع بين الناس ، فهو يعيش على افراز القلة من المبدعين.
إن الإهتمام بالنص وممارسته من قبل الجماعة على الرغم من أنه من أهم مميزات الأدب الشعبي فإنه قضية نسبية فهناك قصائد شعرية نشرت في المجلات أو لدى بعض الأفراد ولم تدخل حياة الجماعة الشعبية وقد لا تسمع بها اطلاقا.
إن الجماعية هو أن يكون العمل الأدبي مجهول المؤلف لا لإن دور الفرد في إنشائه معدوم ولا لأن العامة اصطلحوا على أن ينكروا على الخالق الفرد حقه في أن ينسب إلى نفسه ما يبدع بل لأن العمل الأدبي الشعبي يستوي أثرا فنيا بتوافق ذوق الجماعة وجريا على عرفهم من حيث موضوعه وشكله ولأنه لا يتخذ شكله النهائي قبلما يصل جمهوره شأن أدب المطبعة وأدب الفصحى عامة بل يتم له الشكل الأخير من خلال الإستعمال والتداول، ثم إن وسيلة إذاعته وهي النقل الشفاهي لا تلزمه حدودا جامدة بحيث يكون من المستطاع أن يضاف إليه أو يحذف منه أو يعاد ترتيب عناصره أثناء انتقاله من موطن إلى آخر.
من هو مؤلف الأدب الشعبي ؟ أهو الشعب كمجموع أم فرد مجهول يعبر عن روح المجموع، ثم يتناقل الرواة ما ألفه بالإضافة والحذف ؟
الجماعية :
الجماعية بالمعنى السياسي أو الإجتماعي المعروفة به هي مبدأ اشتراكي قائل بسيطرة الدولة أو الشعب على جميع وسائل الإنتاج والنشاطات الإقتصادية.
الجماعية في الأدب والفن تعني تيارات الطليعية (وخاصة مذاهب التعبيرية والتجريدية والفعالية والفعالية مذهب خلقي يعني بمتطلبات الحياة الفعلية ومنجزاتها أكثر من عنايته بالمبادئ النظرية هذه التيارات تحاول أن تنقص من النظرة المستقلة الذاتية لصاحب التكوين الفني، في سبيل إثبات الجماعية التي ينبغي عليها أن يكون لها المقام الأول وقد حاول جماعة من الفنانين الذين يدعون إلى الجماعية توحيد صفوفهم وجهودهم في التكوين الفني الواحد لإثبات قوتهم.
ويرى بعض الفلاسفة أن فكرة الجماعية في الفن والأدب هي فكرة خاطئة مستندين إلى أن أصل جوهر التكوين أو الخلق الفني ماهو إلا نظرة ذاتية للفنان يخرج منها إلى الإيضاح وإلى التعبير وإلى عكس الأشياء من وجهة نظر واحدة هي وجهة نظره فقط
الجمهور :
أصل الكلمة اللاتينية Publicus وهي تعني مجموعة المشاهدين والسامعين للعرض الفني، كما تعني المستقبلين لكل عمل فني آخر والجمهور مهما كانت شاكلته، واعيا أم غير واع ، أميا كان أم متعلما هو في النهاية الحكم الحقيقي والفعلي على مختلف الإنتاجات الفنية في أي فرع من الفروع، وفي العروض الحديثة يمكن أن يقوم الممثل بالتمثيل وممارسة فنه ومهنته وسط قاعة الجماهير بما يتشابه مع بعض العصور سابقا كما في دراما السوق في القرون الوسطى أو في الإتصالات بين الممثل وجمهوره في كوميديا الفن (الكوميديا دي لارتي) والعكس يمكن أن يحدث اليوم فإن يصعد الجمهور إلى خشبة المسرح لأماكن معدة له ليشاهد التمثيل في مواجهة لبقيته ووجها لوجه مع صالة الجمهور.
7 – الأدب الشعبي هو مجموعة العطاءات القولية والفنية والفكرية والمجتمعية التي ورثتها الشعوب التي أصبحت تتكلم العربية وتدين بالإسلام”
الموروث التاريخي :
يدل هذا التعريف على أن الأدب الشعبي ليس وليد الجزيرة العربية وحدها وإن كانت أصلا رئيسيا فيه ولكنه نتاج رقعة جغرافية وحضارية واسعة شاركت شعوبها التي تعبر بالعربية وتدين بالإسلام في صنعه بموروثها القديم عبر مراحل التاريخ، ويتضمن الأدب الشعبي آثار الفلسفات والعقائد سواء التي انتجتها الشعوب صاحبة هذا الأدب أو التي تتعلق بالبلدان المجاورة لها.
ولا يتحدد معنى الأدب الشعبي دون صلته بكل هذه التأثيرات، ولا يمكن أن نتجاهل التأثير الذي مارسه الموروث التاريخي على الأدب الشعبي.
إن الموروث التاريخي مقوم أساسي للأدب الشعبي، وأن النقاد والدارسين لم يلتفتوا إلى الموروث القديم بصورة كافية، واعتبروه مرة عقبة في سبيل استمرار العقيدة الدينية ومرة مجرد ظواهر لا قيمة لها، أو الوقوف على موروث الجزيرة العربية وحدها وعزل آثار المناطق الجغرافية والتاريخية الأخرى التي اسهمت في تكوين حصيلة الأدب الشعبي بمختلف أنواعه.
ماذا نعني بارتباط الأدب الشعبي بالعنصرين العربية والإسلام، هل نعني أنه الأدب الخارج عن الجزيرة العربية والمرتبط تاريخيا بالعطاء الصادر من الجزيرة العربية والذي يرجع إلى الأصول العربية قبل الإسلام وبعده ؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل استطاع العرب أن يزيلوا الموروث الحضاري للشعوب التي دخلت الإسلام منذ سنواته الأولى وكونت من البداية المنطقة الحضارية العربية التي صمدت أمام كل محاولات تفتيتها حتى اليوم، وبمعنى آخر هل تخلت شعوب المنطقة التي تمسكت بانتمائها العربي عن موروثها الحضاري والشعر القديم بمجرد دخولها إلى الإسلام دينا واستخدامها العربية لغة رسمية ؟
إن سبب الخلاف بين العلماء في تحديد مفهوم الأدب الشعبي يعود أساسا إلى عنايتهم بالشروط الخارجة عن ماهية النصوص الأدبية، وقد وضعت هذه القيود في مرحلة الإهتمام بدراسة الأدب الشعبي (الرواية والتوارث وجهل المؤلف – الجماعية – التقليد أو العراقة – اللغة العامية والفصحى – العادات والتقاليد – الوجدان الشعبي – الذاتية الشعبية – التقدم الحضاري – القول التلقائي) وهي شروط لا تقتصر على التعبير الشعبي بقدر ما يشترك في بعض منها الأدب المدون ، وتعتبر هذه الشروط الآن جزءا من تاريخ الأدب الشعبي وهي شروط لا تحدد مفهوم الشعبية في الأدب، ينبغي أن ينصب الإهتمام في تحديد الشعبية على النص الأدبي قبل صاحبه الذي أبدعه والظروف التي أحاطت به ، إن الجماعة تتفاعل مع النص الذي يعبر عن همومها ، إن تعريف الأدب الشعبي يكمن في خصائص أخرى ينفرد بها النص الشعبي في نظر صاحبه وتفكيره وإحساسه وتذوقه ، كالإعتقاد الشديد بالغيب والإلتجاء إلى اصطناع حيز غير جغرافي والتعامل المطلق مع المجهول والإقبال على التعايش مع الكائنات الخارقة وغيرها من العناصر الغريبة والشاذة والمألوفة التي يتألف منها الواقع المعيش L’histoire Vécue.









