اراء وأفكار

قراءة نقدية في قصيدة (واسطة العقد)

في رثاء الأستاذ الدكتور علي إسماعيل عبيد

تحتفظ ذاكرة الأدب العربي بكنز كبير من الشعر الذي قيل في باب الرثاء، لكونه غرضا رفيعا من أغراض الشعر العربي، وقد فاق كثيرا بقية الأغراض في بروز العنصر الإنساني فيه. فهو غرض قديم وأصيل في أدبنا العربي، وسبيله أن يكون ظاهر التفجع، بين الحسرة مخلوطا بالتلهف والأسف، ويدور موضوعه الرئيس حول ندب الميت والبكاء عليه بحرارة، والوقوف على القبور، والثناء على أصحابها وخصالهم الحميدة، كما ذكره لنا ابن رشيق القيرواني.

والرثاء غالبا ما يرتبط ارتباطا قويا بذات الشاعر ومشاعره الخاصة، ويحاول التعبير عما يجيش في صدره ويحتبس في أعماقه من أحاسيس حين يختطف الموت واحدا ممن يرتبط بهم برابطة قوية أو صداقة، لأن صدق العاطفة وعمقها في الرثاء يتوقفان على مدى صلة الشاعر (د. قاسم السعيدي) بالمرثي (الدكتور علي إسماعيل)، فكلما كانت الصلة أقرب والعلاقة أوثق كانت العاطفة أصدق وأعمق، ولربما كان للعلاقات الاجتماعية بين الشاعر والمرثي أثر في إثارة عواطف الشاعر السعيدي، فنراه يقول:

هو الدمع لا يغني وإن سال لا يجدي
إذا ما نعى شهما يجل عن الفقد
وإن صب في عيني جمرا من الأسى
يذكيه حزن القلب في حرقة الكبد
وليس لعين سرها في حياته
تؤدي بما صبت قليلا من الوجد
فوالله لا توفيك عين تزينت
بأفعال حر أعجزت كل ذي حقد
وكيف تقر العين وهو ربيبها
وما فارقته العين في القرب والبعد
بنيت فأعليت البناء كأنما
خلقت جوادا لا تكل عن المجد
أقمت منارات ستبكيك لوعة
وإن بقيت للناس تهدي كما تهدي
فما نال منك الجهد مهما تعاظمت
مطالبه فيما يريد من السهد
ألا أيها السعد الذي كان حاضرا
فلما مضى صرنا ننوح على السعد

وعرف الرثاء منذ أقدم العصور، فقلما نجد ديوانا يخلو من هذا اللون، ولأن الموت قدر مشترك بين الناس جميعا، ولأن عاطفة الشاعر (د. قاسم السعيدي) جياشة، فإنه يعبر عنها بشكل مؤثر جدا. ولابد أن يشوب شعر المحدثين في هذا الفن الكبير شيء من التقليد، سواء في الأساليب أو الأفكار، مع بعض الاختلافات الناتجة عن اختلاف الحدث. وقد يبكي الشعراء أناسا حل بهم الموت ورحلوا عن هذه الدنيا إلى الدار الآخرة، وهذا ما ذكره محمود حسن.

وتختلف مرثيات الشاعر السعيدي في قوتها وتباينها في حسن السبك والصياغة، باختلاف العلاقة والصلة بين الشاعر والمرثي، وتبعا لمقدرة الشاعر الشعرية وتمكنه من فن الرثاء، فنراه يقول:

نويت رحيلا لم تودع أحبة
لهم في فراق الود شوق إلى الود
تشرف مهد فيك إذ كنت إلفه
وأزهر حتى صرت تعصى على اللحد
وما أنت إلا السيف عشت مجردا
فلما بلغت الفتح سارعت للغمد
عطاياك لم تعرف بيوم نسيئة
وما عجزت كفاك عن ساعة النقد
لبست رداء قد جمعت بعطفه
من الفضل كنزا يستحيل على العد
حنوت على الطلاب ما كنت غائبا
ولا كان في كفيك نبو عن الوعد
تراقبهم في أعين تحتفي بهم
وما انتقلت إلا وكانت إلى رفد
عرفت ببسط الكف فيهم فما انثنت
ولا حدت يوما عن جود كفك الجعد

إذ يرثيه السعيدي بألفاظ تدل على مدى الحزن العميق الذي خلفه ذلك الرحيل في قلوب أهله ومحبيه، فذكراه وطيفه لا يفارقان مخيلة الشاعر. فقد كان في حياته كما السيف الذي لا يفارق غمده، ولكن آن الأوان أن يرتحل إلى مكان آخر حيث الرقاد الأبدي، إلى قبر موحش تنفصل فيه الروح عن الجسد كما ينفصل السيف عن الغمد.

ويستعرض الشاعر عددا من مميزات المرثي، والمهم أن نعلم أن موضوع الرثاء من الموضوعات التي توارثها الأدب العربي عامة والشعر خاصة من جيل إلى آخر، ويمكن القول إن الرثاء عند السعيدي سار في مراثيه على النهج نفسه الذي سلكه السابقون، فهو يذكر صفات المرثي ويعرض مواقفه النبيلة وخصاله الحميدة، فنراه يقول:

سأخشى عليهم بعده بذل نفسهم
لما قيل إن الجود من كفه يعدي
فمن فاته عطف رآك أبا له
ومن غاب عنه الرشد يصح على الرشد
تساميت حتى أصبح الصفح غاية
وتقويم عقل المرء أزكى من الهد
فما حقرت عيناك أدنى ولا رأت
بذي رتبة عليا سبيلا إلى ند
تساوت بك الحالات لم ترض باطلا
ولا خنت حقا أو بخلت على جد
فلو جمع الإنسان في خير حاله
لما كان إلا أنت في واحد فرد
ظهرت بما قاسيت عند ابتنائه
بما لا يراه الأستاذ بل يظهر الجهد

ويلاحظ أن الشاعر السعيدي في رثاء الدكتور علي إسماعيل عبيد استخدم عبارات مشجية وألفاظا محزنة تصدع القلوب القاسية وتذيب العيون الجامدة، لتكون المرثية مليئة بالتأوه والعويل، ومشحونة بمشاعر التوجع وحرقة الأحشاء. ويمكن تسميته بالرثاء العاطفي، لأنه يختص برثاء صديقه ومن ينزل منزلته، ويتسم بصدق العاطفة والحسرة الشديدة إزاء هول الموت.

ويعمد الشاعر إلى تصوير اللحظات الأخيرة من حياة صديقه، فنراه يقول:

لقد كنت برقا ألهب الأرض ضوؤه
فلما انجلى عشنا بنائحة الرعد
فسقيا لأرض زانها في حياته
وقد زان أرض اللحد إذ حل في اللحد
بها منك طبع الورد في اللون والشذا
وما احدودبت إلا حنينا إلى الورد
إذا عبقت أرجاؤها فيك أزهرت
عيون كأن الحسن منها على وعد
وكنت يدا بيضاء ممدودة الندى
وكف الذي جاراك مقطوعة الزند
يسابق جنح الريح حتى بموته
كفارس هيجاء علا أظهر الجرد

وتتجلى في النص روح الوفاء والحنان لصديقه، وقد أحسن الشاعر اختيار الألفاظ والمعاني الحزينة التي تصور لحظات الفقد، كما يتضح الحزن العميق في قصائده التي رثى فيها أستاذه وصديقه الدكتور علي إسماعيل عبيد.

وفي موضع آخر يقول:

لقد كانت الأيام فيك سمينة
وعاشت على ذكراك عظما على جلد
لقد كانت الأيام فيك سمينة
فخلقتها تنعاك بالعظم والجلد
عبرت بها درب المكارم سيدا
وما غبت إلا أبيض الخد والأيدي
بثثت بها روحا تعذر مثلها
ولو أجلب الباقون بالخيل والجند
كأنا بما نلقاه من حسن صنعه
نجاور شخصا جاء من دولة المهدي

إن الشاعر السعيدي تميز في الرثاء بالعبارات المشجية والألفاظ المحزنة، مما يجعل النص مليئا بالتأوه واللوعة، ويمكن تسميته بالرثاء العاطفي، لما فيه من صدق في التعبير عن الفقد والحزن. كما يظهر وفاؤه العميق لصديقه وأستاذه، وإبراز مناقبه وفضائله، مما يعكس مكانته العلمية والاجتماعية.

وفي الختام، يمكن القول إن الشاعر السعيدي في موضوع الرثاء اتسم بأفق التجديد الشعري، مع التزامه البناء التقليدي للقصيدة العمودية، وقد منحت صفات المرثي نصوصه أبعادا دلالية تعزز من الإشادة به، فضلا عن كثرة معاني البكاء والتأمل والحكمة المصاحبة للرثاء، بما يعكس عمق التجربة الإنسانية وصدقها.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان