ثقافة شعبية

الحكاية الشعبية العراقية وتدوينها

في آب الماضي رحل عن عالمنا الأستاذ الدكتور داود سلوم ، أحد الأكاديميين العراقيين البارزين، وبرحيله فقدت الحكاية الشعبية العراقية أكثر الباحثين اهتماماً بجمعها وتدوينها ونشرها. والحكاية الشعبية ، كما هو معروف ، من أجمل مكونات التراث الشعبي ومن أبلغها في التعبير عن روح الشعب والإفصاح عن همومه وآلامه وأحلامه وآماله. وتعرف هذه الحكاية في العامية العراقية باسم (السالفة) أو (السالوفة) وجمعها (سُوالف) وهي حكايات تروى شفاهاً وتنتقل شفاهاً من بيئة إلى أخرى ومن جيل إلى جيل.

وقد تميزت الحكايات الشعبية العراقية بوفرة عددها وتنوع بيئاتها وتعدد روافدها، فكانت مصدراً من مصادر غنى التراث الشعبي العراقي وخصبه وجماله. ولكن المؤسف أن رواة هذه الحكايات بدأوا بالانقراض منذ أن غزا التلفاز البيوت. فقد همّش هذا الجهاز السحري دور الأمهات والجدات اللواتي كن يحفظنها ويروينها وينقلنها من جيل إلى جيل حتى غدت مهددة بالنسيان والضياع، بل لقد نسي الكثير منها فعلاً وضاع، وكاد ما تبقى منها في طيات الذاكرة أن يضيع هو الآخر لو لم يقيض له كتاب يعنون بجمعه وتدوينه ونشره ، وفي مقدمتهم الراحل الدكتور داود سلوم ، وها هم هؤلاء يرحلون الواحد بعد الآخر ، دون أن نجد في الأجيال الجديدة من يتابع مسيرتهم .

سامي مهدي

 

تعد المحاولة التي قامت بها ( الآنسة ي. س. ستيفنز ) أبكر المحاولات التي عنيت بجمع الحكايات الشعبية العراقية وتدوينها. فمنذ أكثر من ثمانية عقود قامت ستيفنز هذه بتدوين ثمان وأربعين حكاية عن ألسنة نساء عراقيات اتصلت بهن اتصالاً مباشراً ، ثم قامت بترجمتها إلى اللغة الإنكليزية وأخرجتها في كتاب عام 1931 ، وقام بترجمة هذه الحكايات إلى العربية كل من الدكتور عبد الله أحمد المهنا والدكتور داود سلوم ، وأخرجت هذه الترجمة في كتاب نشر في الكويت عام 1983 ، وعنوان هذا الكتاب ( قصص شعبية عراقية ) وقصصه مصوغة صياغة جيدة.

ويذكر مترجما هذا الكتاب في مقدمته أن الأب أنستاس الكرملي قام عام 1932 بتأليف كتاب عنوانه ( ديوان التفتاف أو حكايات بغدادية ) وهو كتاب مخطوط لم يتح له من يحققه وينشره حتى اليوم ، ومخطوطته كانت محفوظة في مكتبة المتحف العراقي برقم 1580 ، ولا ندري ما إذا كانت هذه المخطوطة ما تزال محفوظة في مكتبة هذا المتحف أم أنها ضاعت مع ما ضاع من الآثار العراقية يوم استبيحت الآثار المحفوظة فيه في الأيام الأولى من أيام الاحتلال الأمريكي. ورأى المترجمان أن الأب الكرملي وضع كتابه متأثراً بما أثارته الآنسة ستيفنز في محاضرة لها عن الحكاية الشعبية العراقية قدمتها عام ,1930 وقام بترجمة هذه المحاضرة كاظم سعد الدين ، وأعادا هما نشرها في الكتاب الذي ترجماه.

وفي عام 1963 ظهر للدكتور داود سلوم كتاب بعنوان ( قصص بغدادية ) ضمت مجموعة من الحكايات الشعبية. وتلت هذا الكتاب محاولة ليوسف أمين قصير دون فيها عدداً كبيراً من الحكايات وصدرت في كتاب عام 1970 بعنوان ( الحكاية والإنسان ). وفي عام 1976 أصدر المؤلف نفسه كتاباً آخر بعنوان ( حكاية وفلسفة ) وضم هذا الكتاب حكايات شعبية أخرى. ولكن كتابي قصير هذين بهما حاجة إلى المراجعة والتنقيح من حيث الصياغة في رأينا ، فهي صياغة ضعيفة يعتورها الكثير من الأخطاء.

وفي عام 1979 صدر لكاظم سعد الدين ، وهو باحث ومترجم عراقي له اهتمام خاص بالحكاية الشعبية والدراسات المقارنة الخاصة بها ، كتاب بعنوان ( الحكاية الشعبية العراقية ـ دراسات ونصوص ). وضم هذا الكتاب ثلاث دراسات جيدة منها محاضرة ستيفنز التي مر ذكرها مع عشرين حكاية مدونة بالفصحى لمسنا في بعضها بعض التدخل من جانب صاحب الكتاب ، وهو أمر لا نحبذه بغض النظر عن مسوغاته.

 وأسهم في تدوين عدد من الحكايات الباحث عزيز جاسم الحجية ، المتخصص بتراث بغداد الشعبي ، ونشرها في سلسلة كتبه التي تحمل عنوان ( بغداديات ) منها حكاية اقتبسها من ( ديوان التفتاف ) الذي حرره الكرملي. وقد كتب بعض هذه الحكايات بفصحى ميسرة ، بينما كتب الأخرى باللهجة البغدادية العتيقة ووضع لها هوامش لتبيان معاني مفرداتها لمن يجهلها ، زيادة على المفردات التي وضع معانيها بين قوسين في متن النص.

وخلال سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته نشطت مجلة ( التراث الشعبي ) في نشر حكايات شعبية دونها عدد كبير من الكتاب من شتى أنحاء العراق. ويلاحظ على نشر هذه الحكايات مظاهر كثيرة للفوضى والارتجال والعشوائية. ذلك أن أغلب مدونيها كانوا من الهواة والمتأدبين. ومع ذلك قام الدكتور داود سلوم والدكتور صبري مسلم بجمع هذه الحكايات في كتاب من جزئين ، تضمن كل منهما عشرات الحكايات ، ونشر الكتاب في قطر بعنوان ( القصص الشعبية العراقية ).

وفي عام 1994 أصدر القاص العراقي خضير عبد الأمير كتاباً بعنوان ( حكايات الشتاء القصيرة ) وتضمن هذا الكتاب خمس عشرة حكاية كان المؤلف قد نشر بعضها في مجلة التراث الشعبي في أوقات مختلفة وأعيد نشرها في كتاب ( القصص الشعبية العراقية ) الذي سبقت الإشارة إليه.

هذا ما أمكننا متابعته في مجال تدوين الحكايات الشعبية العراقية على مدى العقود الماضية ، وجهود الدكتور سلوم في جمعها ونشرها. وليس لنا إلا أن نشيد بجهود الأساتذة الذين قاموا بعمليات التدوين والجمع. فقد قدموا بعملهم هذا خدمة كبيرة للتراث الشعبي العراقي ، وأسهموا في حفظ هذا الجانب منه من النسيان والضياع. ومع ذلك نجد لزاماً علينا إبداء الملاحظات التالية على هذه الجهود:

1 – يلاحظ ، قبل كل شيء ، أن مفهوم الحكاية الشعبية يبدو غامضاً وملتبساً عند بعض المدونين والجامعين بحيث جمعوا إلى جانب الحكايات قصص الأمثال والمفارقات والنوادر. وأخص بهذه الملاحظة بعض مدوني الحكايات التي نشرت في مجلة ( التراث الشعبي ). ومن المؤسف أن جامعَيْ هذه الحكايات ، الدكتور سلوم والدكتور مسلم ، لم يقوما بفرز ما جمعاه من تلك المجلة ، حتى لقد تضمن كتابهما أكثر من قصة ملفقة ومؤلفة ، لا صلة لها بالحكايات الشعبية ولا بالتراث الشعبي ، ومن ذلك قصة ( في انتظار المهرجان ) وقصة أخرى للقاص الراحل غازي العبادي كتبها عن حادث وفاة والدته وتشييعها إلى مثواها الأخير.

2 – إن عملية التدوين والجمع لم تخضع لمنهج موحد ، نظراً لاختلاف المدونين وتباين اجتهاداتهم ، فثمة قصص دونت بالفصحى ، وأخرى بالعامية ، وأخرى بخليط من هذه وتلك ، وحمل بعض المدون بالعامية هوامش إيضاحية ، وبعضها نشر من دون هذه الهوامش.

3 – إن المدونين يتفاوتون في مستويات علمهم بالتراث الشعبي وحكاياته ، فخلط بعضهم بين الحكاية وغيرها ، وهم يختلفون في قدراتهم السردية ، فجاء بعض ما دونوه جيداً متماسكاً ، وجاء بعضه مفككاً مهلهلاً ، وربما كانت الحكايات التي دونها الباحث عزيز الحجية أفضلها صياغة.

4 – إن بعض المدونين أعطى لنفسه حق التلاعب ببعض الحكايات وتحريفها ، ومن هؤلاء الأستاذ خضير عبد الأمير ، كما صرح لنا.

5 – ظهرت أخطاء نحوية وإملائية كثيرة في بعض الحكايات المدونة بالفصحى بسبب جهل مدونيها بقواعد اللغة العربية.

لكل ذلك نرى أن ما قدم حتى الآن جهد أولي لا يتعدى التدوين والجمع ، والحكايات ما زالت بها حاجة إلى جهد آخر ، علمي ومنظم ، يخرجها إخراجاً يليق بقيمتها التراثية ، ولابد لهذا من مشروع يقوم على مراجعة كل ما دون ونشر من حكايات ، بما فيها تلك التي دونتها الآنسة ستيفنز ، والأخرى التي دونها الأب الكرملي ، وفرزها في ضوء المفهوم العلمي للحكاية الشعبية ، واستبعاد ما لا يدخل منها في إطار هذا المفهوم ، ثم إعادة صياغتها صياغة فنية ، بلغة فصحى ميسرة ومعززة بالهوامش الضرورية ، ولكن من دون حذف أو إضافة أو تحريف في التفاصيل ، مع تثبيت أسماء مدوني هذه الحكايات ورواتها ومعيدي صياغتها ، وذكر الكتب والمجلات التي نشرت فيها أول مرة ، وكتابة مقدمة علمية وافية لها ، وأخيراً جمعها في كتاب يصدر دفعة واحدة أو في أجزاء متتابعة.

إن تحقيق هذا المشروع يمكن أن يقدم للقارئ العربي كتاباً لا يقل أهمية وجمالاً وإمتاعاً عن كتاب ( ألف ليلة وليلة ). ولكن من ينهض بهذا المشروع اليوم؟ ومن يتبناه؟

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان