طالب الوحيلي
المعروف ان كل مبدع ينبغي ان تتبلور لديه ادواته المعرفية والابداعية لكي يبرز في نشاطه ، لكن ذلك يظل قاصرا مالم يكن قد نال حيزا من الثقافة العامة التي تمكنه من استقراء الظرف الحياتي بكل موضوعية وتحليله على وفق منهجية تتجاوز حدود الذات ، ليجد نفسه قريبا من عموم المتلقين الذين هم من ذات البيئة التي نما وترعرع في مناخاتها ، وقد عرفت الشاعر رياض الركابي متمكنا من ادواته تلك ، فهو الى جانب الحرفية في الكتابة الشعرية ، هو صحفي رائع الرؤى وكاتب عمود ملتزم بهموم الناس والواقع الذي يحيطنا باحباطاته وتداعياته ، لذا فلابد ان نجد شعره ليس مجرد ترف.
حين طالعت عنوان المجموعة الشعرية للرائع رياض الركابي، توهمت للوهلة الاولى ان الدخان هو دخان المحارق اليومية وريحها السمج الذي يقتحم الصدور والمشاعر، دخان الرعب اليومي الذي استحل دخان المباخر العبق في بيوت اهلنا وملاذاتنا الامينة، لكني حين دلفت الى منعطفات وباحات شعر رياض وجدتها رياضا ساحرة الظلال والنسائم ، لتشي لي بعشقه الذي ابى الا ان يوائمه مهما ظن انه قد غادر مراتع الصبى والشباب ، لانه في كل خطوة له في مفازاته يجد ثمة عشقا يتربصه ، فتحلق قصيدة شعر عذب تفيض في موسيقاها وكانها اغنية ترقص في الذاكرة .
اذا باسمك اصيح .. السكّر ايزيد
لان طعمه عسل باطراف اللسان
او لمسة ايدك اتزيل التجاعيد
او وصفوا بوستك للوجهه ذبلان
يقين اتشم هوى .. او شو ابيض الجيد
چا آنه اشأشم متگلي دخان ؟
ولعلي اقف محزونا امام ما يجيش بمشاعر رياض من غصة حزن فيه شيء من الجدلية حين يستهل هذه المجموعة بترنيمة يستذكر فيها معشوقته الاولى والتي لن تتربع قلبه مثلها ابدا وهي الام ، والتي ترد في خواطرنا فتعيدنا الى ارهاصات الزمن القاسي الذي عشناه بين الفقر والتيه والتوجس والثورة .
ففي حمامة بيت استل هذا المقطع المذهل
(بعد عطرچ إبطي اثيابنه يفوح
وبعد بوساتچ إتطرّز ادينه
وحشه الليل بغيابچ نگضّيه
او عگب حضنچ ولا ليله دفينه
روج الحزن عالي ، وطاح الشراع
إحسبي ايام غرگانه السفينه
بحديقتنه او وردها ، او فوگ الاغصان
لو تدرين .. چم دمعه لگينه
إبغيابچ .. شمعه صرنه ابرحمة الريح
الف مره اشتعل دمنه او طفينه …)
وفي قصيدته سفرة بعيدة
(شيلة امي حضره او چفها شباچ
او بختها العافية او بي حزّمتنه
بأطراف العباية انكت الدموع
دموع العوز لو ظلّت عمتنه
من اتغيب امي يظلم البيت
او يشع بالنور اذا شفناها اجتنه
ابمحبتها تبّرد غيض الگلوب
واذا تنگل جدمها اتطفي فتنه
لو ما دمعة امي او رشّة الماي
چان اعله السواتر غربه متنه )
ولعل الشاعر الركابي قد شاكس بعضنا ممن هم في جيله باستذكار الالم اليومي الذي كنا نعيشه ايام الحرب الرعناء التي اشعلها الطاغية المقبور ، وكيف كنا اذا ما ارتدينا اسمال موتنا للذهاب الى وحداتنا العسكرية ، كنا ننتظر رشقة الماء من اوعية امهاتنا او حبيباتنا كتعويذة تعيدنا سالمين من موت موقوف ، فيظل صوت ذلك الماء كموسيقا ترادف ادعيتهن ، تكاد تبقينا في امل الحياة .
ومن الزوايا التي اهتم بها الشاعر الركابي الجانب الاجتماعي ، حيث العلاقات الطيبة التي تربطه بباقة من الاصدقاء الذين لم يغفلهم بعواطفه وشعره وقد افرد لهم في هذه المجموعة بعض القصائد منها ما يتميز بالعتب ومنها ما يشيد بالعرفان .
والحقيقة ان كل قصيدة من قصائد هذه المجموعة تستوقف القارئ عند كل مفردة او بيت او مقطع ، فبعضها يصل حد الحكمة البليغة وبعضها ينعكس كصور او اسكتشات تشكيلية متناسقة الالوان والفضاءات والخطوط .
اخيرا فان هوى رياض هو همس وجداني لا يبتعد عن الحس الجمعي للفرد العراقي بكل ملامحه ، ودخانه هو احتراق رقيق لبخور عواطفه الانسانية التي تكاد تلامس عواطف جل ابناء جيله والاجيال اللاحقة ، ومنجز كهذا وغيره من منجزات مبدعينا هو انتصار للجمال على القبح الذي كاد ان يغرقنا .









