ثقافة شعبية

بواكير تطور الأدب الشعبي في العقد السادس من القرن الماضي

طه التميمي

 الإنسان واللغة توأمان ولدا عراة ليكملا لنا نسيج الرداء الثقافي منذ أن كُحْلت أعيننا بنور الإبصار المعرفي عبر قرونٍ خلت من المشتركات السماوية والكتابية , ولغة العيون التي ترجمت الكثير من الأحاسيس التي يعجز عن إيصالها الشعور الخطابي للمتلقي المعني بذلك الشعور , وللابتسامة الحظ الأوفر في لغة البشر الأممية, وهي من المشتركات التي ولدت على عكس ما تبوح به الدموع ويجهر به الحزن والجزع في مفاصل حياتنا البشرية .
وقد أتفق مع الأستاذ الكاتب والمؤلف / علي كاظم حسن المعروف بأسم (علي الفتال) حيث يقول : ” الإنسان واللغة قطبان أحدهما يُكمْل الآخر , في مفاصل الحياة وعبر منحنيات التأريخ , فلو افترق أحدهما عن الآخر أنعدم وجودهما معاً “.
وهنا يعني الأستاذ الفتال بـ(الوجود) النمو والتطور وعلاقتهما طردية وعكسية , إذ كل ما تطور الإنسان تطورت لغته والعكس بالعكس , ولغة الأمة هي وعاء فكرها وخزين تراثها ونزيف تطورها في المجتمع فكلما تطور المجتمع وارتقى على سلم مخاضاته الفكرية , لاحت له إشارات نبوئية وإيماءات جدلية بأن اللهجة العامية هي المخاض الأول للغة وفيها ميزات وصفات قد تؤسس إلى أدب بيئي عامي يكون فيه من الصور الابداعية ما يعجز عنها الفصيح المنظوم وللأدب الشعبي كما للأدب الفصيح آفاق واسعة وجوانب متعددة عالج فيها مختلف نواحي الحياة العامة وتطرق إلى الخواطر والصور بأسلوب يتلذذ به الرأي العام على مختلف درجاته في الثقافة والإدراك , لأنه في لغته العامة وأدائه المستعمل وواسطته للوصول إلى القصد بتعبير اقصر , فهو من حيث تعريف البلاغة : مطابقة الكلام لمقتضى الحال.
 لذا فما جاء عن طريق لغة الشعب والأدب الشعبي كان مؤثراً في القلب ونافذا في السمع وملطفاً لجو النفس والقول للأستاذ علي الخاقاني : “لعلي لا أبالغ ولا أغالي أذا قلت أنه يغير مجرى التفكير بأسرع مما يفعله الأدب الفصيح , مهما كان الشاعر قد سمى فيه وارتفع “. , وهذه شهادة أخرى وردت عن لسان العلامة الدكتور (مصطفى جواد) في مقابلة أجراها معه الشاعر الكبير (كاظم التميمي) محرر صفحة الشعر الشعبي بمجلة الفكاهة والتي نشرت في العدد 16 , ص18 , في 3/ 12/ 1966 , عن سؤال للمحرر وجهه للدكتور سائلاً إياه عن مدى معاصرة الدكتور للحركة الأدبية , وما هي الخصائص التي يتمتع بها الشعر الشعبي أجاب الدكتور قائلاً : الشعر الشعبي هو غذاء روحي لطبقة كبيرة من الشعب , يحبون ان تصاغ تلك المعاني العاطفية والمعاني الاجتماعية بلغتهم , فيفهموها على حقيقتها ويتأثرون بها نفسياً وحسياً , ولم يزل الشعر الشعبي معروفاً منذ قرون طويلة وله أنواع طويلة ذكروها في كتب الأدب كـ(الزجل , الكان وكان , القوما , المواليا ) كما ذكر الشعر الشعبي (نصر الله أبن الأثير) في كتاب (المثل السائر) : إن العامة ببغداد في أيامه كانوا ينظمون من الشعر الشعبي ما شاق وراق واستحسن في الأذواق من المعاني الجميلة واهم خصائص الشعر الشعبي هو إنه شعر عامر شعبنا , وله معانٍ يستعذبها كثير من المثقفين , وفي إجابة عن سؤال وجهه المحرر للدكتور يقول السؤال : يدعي البعض من إن إتباع حركة الشعر الشعبي هي عامل او واجهة للقضاء على اللغة العربية , فما هو رأيكم بهذا الادعاء , أجاب الدكتور قائلاً : الشعر الشعبي موجز منظوم متداول منذ قرون طويلة كما ذكرت آنفا , ولم يقصد به الإضرار باللغة العربية الفصحى منذ ابتدع إلى الآن لأنه نشأ عن مقتضبات النفس الشعبية التي لا تستحلي من الشعر غيره , وقد بدأت فيه نهضة لغوية ظاهرة قوية تقربه من اللغة الفصيحة , وكلما زادت ثقافة الشعب ارتفعت لغة شعره العامي , وسيكون في مستقبل الزمان السهلة الميسرة ولغة الشعر في اللغة العربية بعد ارتفاعه من حيث التركيب والإعراب التقاء بين اللغة العربية الفصيحة والشعبي حيث يندمج الشعر في لغته الى مستواها الأدنى . هذه وثيقة موثقة ورأي يعمل به لاسيما إنه رأي الدكتور العلامة (مصطفى جواد) ولغرض أن اعود لعنوان بواكير التطور في الأدب الشعبي لذا وجب علي أن اعود الى الشعر الشعبي الكلاسيكي واسماء اوزانه الشعبية ومتى بدأت حركة التطور ومن هم المؤسسين لها :
أسماء أوزان الشعر الشعبي :
السريع / درب الهوه / الهجري / الساجدي / الهجيني / الرجدي / الحدي / السامري / الگصيد / العگيلي / التجليبة (وتكتب بطريقتين الجناس والحره)/ الدارمي / النايل / الطويل / النصاري / الميمر (ويكتب بثلاث طرق الجناس و الحر و المذيل) / چلمه ونص / الموشح / الركباني / المجرشة / الشبگهه / الأبو ذيه (الحر والمولد) / العتابة / مجزوء التجليبه / مجزوء الميمر / النعي / الموال (ويكتب بثلاث طرق المنفصل والمتصل والفتلاوي.)
إن هذه الأوزان والتسميات كثيراً ما تناولها شعراؤنا الشعبيون عبر عقود بداية القرن الماضي وإلى نصف الستينيات منه حيث نشأت وتبلورت لدى شعراء تلك المرحلة فكرة تطوير الشعر الشعبي وكسر قيود الأوزان والتحرر من اضطهاد القافية , فاتفق الشعراء على تأسيس حركة التحديث والتطوير للشعر الشعبي وهم الشعراء / كاظم جواد التميمي و كاظم الرويعي و خماس البصري وراضي محمد الكعبي وجبار النعاسي و جبار الركابي ومحمد عبد الرضا وإبراهيم التميمي , وانضم إليهم ناظم السماوي وعبد الله فتاح الصافي جواد كاظم الإبراهيمي وربيع الشمري , هؤلاء النخبة من الشعراء الذين أسسوا الندوة الحديثة في الشعر الشعبي وساهموا في تطوير الأدب الشعبي في العراق ومما ساعدهم في ذلك هي الصحف والمجلات التي كانت تنشر نتاجاتهم ومنها جريدة – كل شي-  و – جريدة النصر- ، – جريدة الأخبار- جريدة العمل-  العمال – جريدة الأمل- جريدة العالم الجديد-  جريدة المنار – جريدة الرائد وجريدة الراصد ومجلات مثل مجلة السياحة  ومجلة المتفرج ومجلة الفكاهة.
وهنا تجدر الإشارة إلى تأريخ تأسيس حركة التطوير والتحديث فكان ذلك في 25/ 11/ 1966 وفي 9/ 12/ 1966 أبدل اسم الندوة الحديثة للشعر الشعبي إلى (الندوة الحديثة للأدب الشعبي) وكان ذلك في الأمسية التي أقيمت في كازينو شط العرب , وكان تأسيس الندوة الحديثة للأدب الشعبي دافعاً مؤثراً في الأوساط الشعرية مما أدى إلى تحفيز الشعراء عبد المجيد القيسي وحسين الوردي وجبوري النجار وعبد الأمير النيار واحمد الشيخلي وعيدان الجصاني ومحمد الشكرچي العبدلي وإبراهيم احمد ورسول عبد زيد وعبد اللطيف العزاوي وعلي الحاج عباس أن يقدموا طلباً إلى وزارة الداخلية يطلبون به الموافقة على تأسيس جمعية الشعراء الشعبيين في بغداد وجاءت الموافقة بكتاب الوزارة ذي الرقم 566 في 18/ 1/ 1967 , وفي 8/ 4/ 1967 مارست الجمعية أعمالها بشكل رسمي , وفي إحدى أماسي الندوة الحديثة للشعر الشعبي والتي أقيمت في كازينو شط العرب بتاريخ 8/ 4/ 1967 , قُرئ فيها النظام الداخلي للجمعية وكما قُرئت فيها رسالة للشاعر المجدد مظفر النواب يشيد فيها بتأسيس الندوة الحديثة ويبارك شعر المجددين والمطورين للأدب الشعبي فيها , ومن خلال كل هذه الإشارات الزمنية الموثقة أضع بين أيادي القراء الأعزاء حقيقة وأحقية شعراء القصيدة الحديثة , ومن هم فرسانها في أواسط العقد السادس من القرن الماضي خدمة للشعر والشعراء.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان