ثقافة شعبية

الحكاية الشعبية العراقية بحث في الأصول الثقافية

الجزء الاول

زينب عبد الكريم حمزة الخفاجي

المقدمة
سنتناول في هذا البحث الحكاية الشعبية العراقية وأصولها الثقافية ، حيث أنها بنية ثقافية لها أصول وتؤسس لثقافة معينة . الحكاية الشعبية نتاج فكري جميل ، أنتجته الشعوب عبر تاريخها الطويل ،وأودعت بها أروع قصصها ، وجل ما مرّ بها من أحداث وحكايات ، فجاءت لتعكس خلاصة تجاربها ، وتعطي صورة نابضة حية عن واقع الأمة عبر مراحل تاريخها الطويل ، تتجلى فيها حكمة الشعب وعصارة تجاربه وتفاعله في المراحل التاريخية التي عاشها ، وتعطي وصفاً لبعض الجوانب من الحياة الإنسانية ، والأحداث التاريخية والاجتماعية المختلفة ، وإظهار النواحي الفكرية والعقلية التي شهدتها البلاد في فترة من الفترات ، فتعيد لذاكرة الأبناء صورة من تاريخهم وتراثهم العريق بما عرفه من نبل  وأصالة ، وتعيد إلى أذهانهم صورة آبائهم وأجدادهم ومواقفهم الحميدة وأعمالهم الخالدة ، التي يعتز بها كل محب لأرضة ووطنه   وأهله وتاريخه . ولو لم تكن الحكايات تحتوي على مقومات البقاء لما استطاعت الصمود أمام تحديات العصور ، ووقفت بكل شموخ لتؤدي دورها الاجتماعي والفكري الذي من أجلة أنشئت.
الحكاية الشعبية تعدّ جزءاً من موروثنا الشعبي وخلاصة إفرازات لتفاعلات الناس مع ظروف الحياة التي عاشها الإنسان . حيث كانت هذه الحكاية ،إحدى الدعائم المهمة في صقل شخصية الطفل ، فقد كانت كل قصة تهدف إلى قيمة يتم غرسها في نفوس الأبناء حتى يعدوا منهم رجالا قادرين على تحمل المسؤولية ومجابهة ظروف الحياة المتغيرة وكذلك إعداد نساء يعتمد عليهن في بناء الأسرة المستقبلية ،ضمن التحديات الاجتماعية ، والاقتصادية المختلفة .
الحكاية الشعبية هي تلك التي تناقلها الناس عن طريق الرواية الشفوية منذ القدم ، ويؤثر الخيال الشعبي تأثيراً كبيراً في صياغتها ، وفي تطاير بعض الأحداث التاريخية والشخصيات ، بالمبالغة والغرائبية ، وتأتي الحكاية الخرافية في الإطار نفسه، وان تميزت من الحكايات الشعبية بان أبطالها هم من البشر أو الجن ،بينما تقف الحكاية الشعبية عند حدود الحياة اليومية والأمور الدينية العادية ، كمكر النساء ومكائد زوجات الرجل الواحد ، وقسوة زوجة الأب على الطفلة المسكينة التي تتدخل العناية الإلهية لإنقاذها ، وتتداخل الحدود بين الخرافة والحكاية الشعبية .
والحكاية في اللغة ” : هي ما يحكى ويقص ، واقع أو تخيل ، وهي :” ما يقص من حادثة حقيقية أو خيالية كتابة أو شفاها ، وهي مصدر مشتق من الفعل حكى يحكي حكاية ، أي قص و روى ، والحكي هو الكلام ، والحكاية هي القصة المروية التي يتناقلها عامة الناس فيحكيها الكبير للصغير ، وتتناقلها الأجيال حتى تصبح موروثا شعبيا متعارفا عليه . الحكاية من المحاكاة والقصة من قص الأثر ، والسالفة والسالوفة وجمعها سوالف وسواليف من يسولف ،أي يروي الحديث عن الأمور والأحداث السالفة . ( 1)
أصولها: يمكن أن تعد الحكاية الشعبية العراقية من اعرق الحكايات في العالم، ولعلها هي المنبع الأول لأغلب الحكايات، ويصعب على الباحث أن يبت برأي قاطع إنْ كان كثير من الحكايات غير متأثر بتراث بلاد الرافدين.(2)
تقاليد رواية الحكاية ومجالسها:
لرواية الحكاية الشعبية تقاليد خاصة، فحكاية النساء غير حكاية الرجال، وحكاية البادية غيرها في الحاضرة. وتختلف هذه الحكايات في موضوعاتها ومجالسها وطريقة روايتها وأسلوبها .
أما وقتها ، فعلى العموم يكون ليلا ، ويتشاءمون من رواية الحكايات نهارا ، لأنه “يؤثر في الفقر ” أي سبب الفقر ، واللي يسولف بالنهار يصير حمار ” وغير ذلك من المعتقدات . وينقل مجلس الحكاية من بيت إلى بيت آخر ، ولاسيما عند النساء، فيقولون “:التعلولة ” في اليوم الفلاني في بيت فلان .وتعني التعلولة قضاء الأمسية متعللين برواية الحكايات والأحاديث .
مجلس النساء:
في الشتاء تجلس النساء وأطفالهن حول (منقلة) وهي الكانون ، أو الموقد المصنوع من الطين في إحدى الحجرات أو حول سماور. ويقدم الشاي وبعض المأكولات كالزبيب والحمص والجوز واللوز مع التمر أو أي فاكهة متيسرة كالتين اليابس أو البرتقال والنومي (الليمون الحلو) .
أما في الصيف ، فينعقد المجلس في الحوش، أي في فناء الدار حيث تسكن مجموعة من عوائل الأعمام والأخوال ،ويعقد أحيانا على سطوح البيوت إذا كان البيت يتكون من أكثر من طابق واحد ،ولاسيما في الليالي المقمرة . (3)
مجالس الرجال:
يجتمع الرجال شتاء في المضيف أو الديوان أو في بيت احد الموسرين في حجرة واسعة ،طويلة ، تسمى الديوانية ، أما في الصيف فيخرجون من الحجرات إلى (الطارمة ) أو (الحوش) في البراني. وفي الريف تفرش البسط بجانب المضيف أو في أحدى الحارات التي تنظف وترش عصرا . ويجلس الرجال متقابلين ، وفي الوسط دلال القهوة . وكانت في المدن مقاه خاصة لرواية القصص التراثية ، أمثال قصة عنترة والسيرة الهلالية وألف ليلة وليلة . (4)
تنقسم الحكايات حسب المكان.
أ- حكايات أهل الصحراء:
تمتاز حكايات أهل البادية والصحراء من البدو والأعراب بطابع خاص يربطها بتلك الصحراء وظروفها ومناخها وطبيعة الحياة والمعيشة فيها .
فنجد لديهم حكايات عن الكرم ، وهو ما يتفاخر به أهل الصحراء ، والفروسية ،والغزو، والصيد والصبر ،والإناء، والرعي مع المواشي ، أو موارد الماء ، وكل هذه الأشياء من صميم حياة البادية وأهلها .
  ب- حكايات أهل القرى :
أما حكايات أهل القرى فتدور أحداثها حول الفقر ومشكلاته المختلفة والتطلع إلى الغنى عن طريق عفريت من الجن ، أو العثور على كنز مرصود مليء بالجواهر الثمينة أو العثور على آثار قديمة نادرة وغالية الثمن في مغارة أو في قبر دارس قديم ،أو في بئر مهجورة أو غير ذلك
ومن الطبيعي أن حكايات أهل القرى لا تخلو من قصص البطولة والوفاء والكرم والذود عن الحمى ، وإكرام الضيف وغيره ،إضافة إلى قصص السحر والشعوذة وشخصيتها هي المرآة ولا فرق بين هذه وتلك من ناحية المعتقد والتفكير إلا فيما ندر .
ج- حكايات أهل الحواضر والمدن :
أما أهل الحواضر والمدن فتدور أحداثها حول التجار ومغامراتهم ومغامرات ابنائهم ، وما يحدث معهم من قصص الغش والمكر والخداع وغير ذلك ،وذلك يعود الى جو المدينة الذي تكثر فيه التجارة والحركة اليومية النشطة، فضلاً عن  قصص الجواري والخدامين ، ومحاولة الوصول الى التجار الكبار او الوزراء او الملوك ،وحكاياتهم مختلفة ومتنوعة حول هذا الموضوع ، وقصص الغرام التي تحدث بين ابناء الطبقات الغنية والفقيرة ، وما يصاحب ذلك من مشاكل تفرضها الفروق الاجتماعية(5) .
الحكاية الشعبية العراقية تتحد مع الحكاية الشعبية في باقي الدول العربية في كثير من الحكايات وخاصة تلك التي تتحدث عن الشخصيات التراثية ، والاحداث التاريخية التي مرت بها الامة في عصورها المختلفة . الا ان الحكاية الشعبية العراقية فيها خصوصية في كثير منها لا نها محكومة ضمن بيئة معينة ، هناك تراث شعبي خاص بها .
في ادبنا الشعبي العراقي، وفي مجال الحكاية ، هناك ظواهر تستحق التوقف عندها ودراستها . هذه الظواهر تكاد تنحصر في ادبنا الشعبي ولانجد لها مثيلا في ادب الشعوب الاخرى . ما يميز هذه الظواهر انها صارت متأصلة بحياة شعبنا العراقي بعد ان القت بظلالها على امال وافكار هذا الشعب وطبيعته التكوينية. لا عجب في هذا ان الادب الشعبي يمثل ، بحد ذاته ، ظاهرة اجتماعية ابداعية اسهمت في تكوينها شحنات النفس العفوية التي اعتمدت لغة الشعب المحكية وسيلة للتعبير عن همومها وتطلعاتها وانفعالاتها . لقد اختار الانسان العراقي لهجته الشعبية للتعبير عن همومه واصواته الداخلية لانه اكتشف بفطرته النقية انها هي الاقدر على ايصال صوته من خلال اغان وترنيمات ابداعية .
لذا سأختار في هذا البحث بعض الحكايات الشعبية العراقية وبعضها باللهجة المحلية واضمها في المبحث الاول ( وهو مبحث المتن ) اما المبحث الثاني ،فسيكون للنقد والتحليل مع ملاحظة الاصول الثقافية لهذه الحكايات ، فضلا عن طرح بعض المفاهيم التي تحاول الحكايات ترسيخها كبنية ثقافية في ذهن المتلقي .
ارجو ان اوفق في اخراج هذا البحث بصورة متقنة وطرحي اراء مبتكرة ، كمن يزيل الغبار عن اثار مهمة في البنية الثقافية والتاريخية للمجتمع العراقي .
  المبحث الاول
حكايات من التراث الشعبي العراقي
في هذا المبحث سوف نتناول بعض الحكايات الشعبية العراقية المدونة في الكتب الخاصة بالحكايات الشعبية العراقية . او في مجلة التراث الشعبي العراقية . ومنها حكاية باللهجة المحلية . ومنها كذلك . ثلاث حكايات تتردد في ثلاث مدن ، وبثلاثة اسماء مختلفة حكاية اسمها في الكوت (ابو نية وابو نيتين ) وفي البصرة (دم البقرة الصفراء) وفي الخالص (حامض اللبن وطيب اللبن ) ويقول الاستاذ (كاظم سعد الدين) عن هذه الحكاية أيضا انه قراها مترجمة عن الكردية بعنوان (سعيد وشقي). (6)
الحكاية الاولى : (ابو نية وابو نيتين)
كان ما كان في قديم الزمان رجل يسعى كل صباح باحثا عن عمل يعيش منه لكنه لا يجده . وفي يوم من الايام سال نفسه : الى متى ابقى على هذه الحال ؟ وقرر ان يهجر مدينته ويذهب الى مدينة اخرى كي يجرب حظه فيها عسى ان يحصل على عمل يعيش منه . اعد طعام المسير  ووضع قربة الماء على كتفه وسار في طريقه وهو يمشي صادفه رجل ، هذا الرجل سال صاحبنا عن اسمه ووجهته ، اجابه : بان اسمه (ابو نية ) ووجهته البحث عن عمل يعيش منه في بلدة اخرى ، فلما كان من هذا الرجل الا ان قال له بانه ايضا يبحث عن عمل ، وطلب مرافقته قائلا له : ان كنت انت (ابو نية ) فانا (ابو نيتين) . سارا معا في الطريق ، وفي اثناء المسير قال (ابو نيتين) لصاحبه: لنتفق اذا جعنا ناكل من طعامك ونشرب من مائك، وعندما ننتهي نرجع الى طعامي ومائي .قال( ابو نية) ماشي كلامك نحن الان اخوان وطعامي طعامك . واخذا فمشيا الى ان تعبا وجلسا ليستريحا . اخرج (ابو نية ) طعامه وشرابه واكل الاثنان . وبقيا على هذه الحال الى ان نفذ طعام (ابو نية ) ، وهما يسيران في طريق البحث عن العمل . جاع (ابو نية ) وحسب الاتفاق طلب من رفيقه طعاماً وماءً ولكن (ابو نيتين ) رفض اعطاءه ما طلب الا بشرط ، هذا الشرط هو ان يفقأ إحدى عيني صاحبه (ابو نية)
ظل (ابو نية ) في حيرة من امر صاحبه هذا ومن شرطه العجيب لكنه ازاء عقارب الجوع وفعلها في معدته وافق على شرط (ابو نيتين) . ففقأ (ابو نيتين) احدى عيني صاحبه واعطاه قليلا من الطعام.
اكل صاحبنا الطعام واحتاج الى الماء الذي طلبهُ من صاحبه (ابو نيتين) لكن هذا رفض اعطاءه الماء الا مقابل فقء عينه الاخرى ، وازاء عطشه وافق (أبو نية ) على شرط (ابو نيتين )الثاني ففقأ (أبو نيتين )عين صاحبه الثانية ، واعطاه قليلا من الماء وتركهُ وغادر المكان مواصلا رحلته ، وصاحبه يعاني من الالام المبرحة. صاحبنا (ابو نية ) لم يستطع مواصلة السير لكنه وصل قرب شجرة جلس تحتها ليستريح . وفي هذه الاثناء سمع صوت سبع وذئب  يتحدثان معا . قال الذئب الله ، ما اعظم هذه الشجرة . اجابه السبع : وما وجه العظمة فيها ؟ قال الذئب : كم اعمى فتحت عينه ، وكم اخرس نطق وكم مريض شفي ، كل ورقة من اوراقها تشفي مرضا . رد عليه السبع : اذا انت عرفت سر اوراق هذه الشجرة ، فانا اخبرك بسر لا يعرفهُ احد غيري :هذه الشجرة مدفون تحتها كنز من الذهب لايعرف احد عنهُ شيئا . سمع (ابو نية ) كلامهما وما ان غادرا حتى قام الى الشجرة واخذ ورقة من اوراقها ووضعها على احدى عينيه فشفيت في الحال ، وفتحت ثم فعل بالعين الاخرى ما فعله بالأولى وشفيت هي الاخرى .
فرح فرحا عظيما واخذ مجموعة من أوراق هذه الشجرة ، ووضعها في جيبه وواصل مسيرته الى ان وصل الى مدينة دخلها فوجد الناس مجتمعين امام باب بيت الملك وهم في حالة هرج ومرج . سألهم عن سبب اجتماعهم ، فأجابوه : بان بنت السلطان اصيبت بالخرس واي شخص يخلصها من هذه العلة تصبح زوجا له . واذا لم يستطع شفاءها تضرب عنقه.

 

الهوامش

(1) انظر ، الحكاية الشعبية العراقية . كاظم سعد الدين : 7، كذلك انظر: المعجم الوسيط مادة (حكى) ومادة (قص).
 (2) انظر، معالم مضيئة من التراث الشعبي ، كاظم سعد الدين : 9
(3) انظر . الحكاية الشعبية العراقية : 8-11
(4) انظر الحكاية الشعبية العراقية :11 – 12
(5) انظر اشكال التعبير في الادب الشعبي ، نبيلة ابراهيم :98 . كذلك انظر ، اثر البيئة في الحكاية الشعبية العراقية ، عمر محمد الطالب :8
(6) كاظم سعد الدين :- الحكاية الشعبية العراقية : 17

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان