الجزء الثاني
زينب عبد الكريم حمزة الخفاجي
قال : انا استطيع ان اكلمها، لكن الناس حضّوه على إن لا يورط نفسه مع ابنة السلطان ، حيث ان الكثيرين قتلوا بسبب عدم قدرتهم على شفائها .
دخل (ابو نية) على بنت السلطان واخرج ورقة من اوراق الشجرة العظيمة العجيبة ووضعها على فم بنت السلطان فتكلمت في الحال . فرح الجميع وامر السلطان بزواجها منه لكن (ابو نية ) طلب تأجيل الزواج مدة من الزمن . اخذ (ابو نية ) مجموعة من الرجال وذهب الى الشجرة حفر تحتها واخرج كنز الذهب ورجع الى مدينة السلطان وبنى قصرا فخما اجمل من قصر السلطان وتزوج فيه بنت السلطان . واخذ يساعد المحتاجين والفقراء واحبه الناس جميعا ، وعينه السلطان مسؤولا عن بيت المال فوافق على ذلك .
مرت الايام ، توفى السلطان وقام (ابو نية) مقامه . وفي احد الايام جاء (ابو نيتين) الى المدينة ، بعد ان سمع بكرم سلطانها ومساعدته للفقراء والمحتاجين . عرفه السلطان وسأله عن حاله فأجابه : بأنهُ لم يستفد من رحلته ولم يحصل على عمل . غفر (ابو نية) لصاحبه كل ما فعله به ، وعينه في قصره بعد ان بين للناس بانه اخوه . لم يستفد (ابو نيتين) من هذه الفرصة ، واكلت قلبه الغيرة والحسد ، واخذ ينافق على صاحبه السلطان مدعيا ان السلطان سارق ، سرق بيت المال وعمل قصرا له وصرف الباقي على الفقراء بحجة انه يصرف من ماله الخاص لكن الناس لم يصدقوه ، وهم يعرفون السلطان قبل ان يصبح مسؤولا عن بيت المال .
وفي يوم من الايام جمع (ابو نية ) الناس في قصره بحضور (ابو نيتين) وسرد عليهم القصة من البداية وعمله القبيح معه وحكى لهم قصة الكنز وافعال (ابو نيتين) ضده . احتج اهل المدينة على (ابو نيتين) وطالبوا بإعدامه كي يتخلصوا من شره وحسده ، لكن السلطان لم يوافق على طلبهم قائلا : بانه يعطيه فرصة اخرى واخيرة وطلب منه ان يذهب الى الشجرة العظيمة ويجرب حظه عندها . ذهب (ابو نيتين) الى الشجرة وجلس تحتها في هذه الاثناء جاء الذئب والسبع واخذا يتحدثان . قال الذئب الى السبع : هذه الشجرة لها مميزات كثيرة ،قال السبع : انا اعرف عنها اشياء كثيرة مفيدة لكن السبع والذئب قالا معا : لنفتش حول هذه الشجرة . احتمال ان نجد تحتها احدا يسمع حديثنا ويكشف السر . سارا معا حول الشجرة ، فشاهدا (ابو نيتين) متخفيا تحتها ، هجما عليه واكلاه ، وبذلك تخلص (ابو نية) والناس من شره.
(او لو كان بيتنه قريب جان جبتلكم طبق حمص وطبق زبيب) . (7)
الحكاية الثانية : (دم البقرة الصفراء)
كان ياما كان ، وعلى الله التوكل . كان في قديم الزمان في احدى المدن اخوان يعيشان معا ، لكن ابواب الرزق انسدت في وجهيهما فقررا السفر الى مدينة اخرى . حمل كل واحد منهما زاده ورحلا . وفي الطريق قال الصغير للكبير : لناكل من زاد احدانا حتى ينتهي ، ثم ناكل من زاد الثاني ، فأكلا زاد الاخ الكبير اولا ، وعندما انتهى زاد الكبير وماؤه وهما يسيران شعر الاخ الكبير بالعطش ، فطلب من اخيه الصغير ان يعطيه قليلا من الماء لكن الصغير قال : (ما معي يكفيني وحدي ) وترك اخاه الكبير وانصرف وحده . سار الكبير وحده ايضا ،وهو يعاني الجوع والعطش الشديدين فضعفت قواه فذهب الى حفرة ، واضطجع ليستريح فيها وفي هذه الاثناء مر جنيان وجلسا يستريحان قرب الحفرة . قال الجني الاول : (كيف تقضي وقت فراغك ياصديقي ؟ ) اجاب الجني الثاني(في مكان كذا توجد خزائن كثيرة ، اذا (ضجت ) انظر اليها وتنشرح نفسي وانت ، كيف تقضي وقت فراغك ؟ اجاب الجني الاول : (اما انا فاذا ضجت ، ادخل راس اي فتاة جميلة فتصير مجنونة ) سال الثاني : (وما علاجها ؟) اجاب الاول : (يرش على وجهها دم بقرة صفراء ، فتصبح عاقلة ).
كان الشاب يسمع حديثهما ، وهما لا يريانه . وبعد ان استراح الجنيان انصرفا وخرج الاخ الكبير من الحفرة ، فابصر قافلة متجهة الى احدى المدن ، فأشار اليها بيده ، وراه بعض رجالها ، فحملوه معهم ولما دخل المدينة ، وجد الناس في حالة هرج ومرج فسالهم : ما بكم ياناس ؟
فقالوا له : انت غريب ولا تعرف شيئا . ان بنت السلطان مجنونة ، ولا يستطيع احد ان يشفيها ذهب الشاب الى السلطان وقال له : (انا اقدر ان اشفي ابنتك ) فقال السلطان : (انها محبوسة في غرفة ، والكل يخاف الدخول عليها . اننا نعطيها طعامها وشرابها من الشباك ، هل تعلم انه اذا لم يفد علاجك قطعت رأسك ؟)
ثم ادخل غرفة مملوءة بالرؤوس المقطوعة للأطباء الذين لم يستطيعوا علاجها فطلب الشاب خمسمئة ربية وان يمهله فترة فأعطاه السلطان ما طلب . اشترى الشاب ملابس جديدة واستأجر سكنا ، ثم سأل عن سوق الحيوانات واخذ يفتش عن بقرة صفراء ، ولكن لم يجدها وكان كل يوم يذهب الى سوق الحيوانات من الصباح الى المساء ثم يرجع الى داره مرهقا حزينا ، الى ان جاء يوم وهو يبحث في السوق فابصر فلاحا يجر بقرة صفراء ليبيعها فاشتراها منه ، وذبحها ووضع دمها في طشت ثم ذهب الى قصر السلطان ، وطلب من الخدم ان يفتحوا باب غرفة بنت السلطان ففتحوها له ، وهربوا بعيدا ، اقترب الشاب من بنت السلطان ، ورش على وجهها دم البقرة فسقطت مغشيا عليها ، وبعد ان افاقت من غيبوبتها اخذت تبكي فأسكتتها الخادمات وادخلنها الحمام وحممنها وذهبت الى ابيها وقبلت يده ، ففرح كثيرا جدا . شكر السلطان الشاب ، وقال له : (لقد شفيت ابنتي، وسأزوجك بها) فرح الشاب، وتزوج بنت السلطان ثم نقل كل ما في الحفرة من ذهب ومجوهرات. وفي يوم من الايام خرج السلطان في مهمة ، فأوكل اليه السلطنة، وبينما كان الشاب جالسا، والناس يدخلون عليه رأى اخاه الصغير يرتدي ثيابا ممزقة فطلب من الحراس ان يعتنوا به وادخلوه عليه ، فعرفه اخوه الصغير وراح يبكي وشكا اليه سوء حاله ، وحكى الاخ الكبير ما حدث له ، وطلب منه البقاء معه ليشاركه في الحكم لكن الاخ الصغير قال : (انت وصلت الى هذه الحال حين نمت في الحفرة ، انا لا أعرف الحفرة جيدا ، سأذهب الى هناك واكن احسن منك ولا اريد منتك).
حاول الاخ الكبير منع اخيه الصغير من الذهاب لكن طمعه جعله يصر على الذهاب ، فذهب اليها وجلس فيها وعندما جاء الجنيان ، قال الاول (كيف تقضي وقت فراغك ياصديقي ؟) فأجاب الثاني : لم يعد لدي شيء اتسلى به فقد اختفت الخزائن )، فتنهد الثاني وقال : (انا ايضا عرف سري ) فقال الاول : (ربما يكون ابن ادم قد اطلع على سرينا ).
احس الجنيان بان في الحفرة شيئا فنظرا فيها ووجدا الاخ الصغير . فانقضا عليه وقتلاه وهذه هي نهاية الطمع(8)
الحكاية الثالثة : حامض اللبن وطيب اللبن :
يحكى عن صديقين اسم احدهما (طيب اللبن ) واسم الاخر (حامض اللبن )انهما اتفقا ان يهجرا القرية التي يعيشان فيها الى المدينة طلبا للعمل ، فحمل كل منهما معه متاعه في صرة وظلا يسيران حتى جاء المساء فقال (حامض اللبن ) لصديقه (طيب اللبن) : لنكن صديقين وفيين فنتقاسم طعامنا ونبدأ اليوم بطعامك وغدا بطعامي وكان (طيب اللبن) نقي الفؤاد فوافق في الحال ، وفرش المنديل ووضع عليه طعامه وتناولاه حتى اذا انتهيا قررا ان يفتّش كل منهما عن مغارة ينام فيها ليله وصمم (حامض اللبن ) ان يهرب ويترك صديقه (طيب اللبن) الذي جاء الى مغارة فدخلها ووصل الى نهايتها ثم وضع امامه حاجزا من الشوك ونام غير انه استيقظ عند منتصف الليل على صوت يقول : (اني اشم رائحة انسان ).
فنظر (طيب اللبن) من وراء الاشواك فرأى اسدا وابن اوى وفاراً وحيوانات اخرى .فعر ف (طيب اللبن ) انه نام في منتدى الحيوانات وسمع ابن اوى يقول (لو يوجد انسان هنا لأجهزت عليه بلقمتين لا يوجد احد سوانا تكلموا ما تشاءون ). فقال الاسد: (لو يعلم الانسان ان في الخرائب الفلانية كنوزا من الذهب مدفونة لذهب اليها واستولى عليها).
وقال ابن اوى:(لو يعلم الانسان ان جمجمة فتاة باكر عذراء موجودة وراء التل ..) فلم يمهله الثعلب ، بل اكمل قول ابن اوى قائلا : (اذا وضع الانسان فيها حليبا من العنزة الفلانية عند الراعي الفلاني وتركها ستاتي افعى وتشرب منها ثم تتقيأ الحليب ..) فسبقه ابن اوى الى النتيجة (فيكون ذلك دواء لكل مبتلى بالجنون ) فقال الفار : (ولو انه علم ان بنت السلطان مريضة لذهب اليها بهذا الدواء واشفاها ..) وكان (طيب اللبن ) يستمع الى ذلك مبهور الانفاس ويتمنى لو ان الصباح اشرق في الحال . فبحث عند الصباح عن الجمجمة وحلب العنزة وترك الحليب فيها فجاءت الافعى وشربت منه وتقيأته . فأخذه (طيب اللبن) ووضعه في اناء وتوجه الى بيت السلطان وتوقف امام بابه ، وشرع ينادي (طبيب .. طبيب .. حكيم يشفي الامراض … يشفي الجنون ) فخرج اليه رجل من رجال السلطان وقال له : (ابنة السلطان مصابة بالجنون منذ سنة وانت تدعي انك تستطيع شفاءها فان لم تستطع فان السلطان يقطع راسك كما قطع رؤوس الاخرين ) واراها له. فوافق (طيب اللبن )وادخلوه القصر . وطلب منهم ان يعقدوا له على البنت كي يحل له رؤية جسمها وتطبيبها فادخلوها في غرفة خاصة ونزعوا عنها ثيابها كما طلب منهم الطبيب . فدلك جسمها بالسائل الذي معه ، واغلق عليها الباب ، وتركها نائمة كما لم تنم من قبل .
ثم صحت من نومها وطلبت ملابسها وشعرت بالخجل من وضعها كما لم تشعر من قبل ونادت من اجل الطعام، فجلب لها ، وفرح كل من في القصر ، وسر والدها وقال ل (طيب اللبن): بما انك شفيت ابنتي من مرضها فهي زوجتك حسب العقد ، وانك وريثي من بعدي فخرج (طيب اللبن ) من القصر واخبرهم انه ذاهب الى اهله لجلب خزائنه بيد انه في الحقيقة استأجر جمالا وذهب الى الخزائن فحفر الارض واستخرج الكنوز المدفونة فيها ، وعاد بها الى قصر السلطان وتزوج ابنته في حفل بهيج ومرت الايام واذا ب(طيب اللبن) جالس امام قصر السلطان ، فمر به رجل رث الثياب ، ارسل (طيب اللبن ) في طلبه ، وسأله : هل تعرفني يا (حامض اللبن) ؟ قال : لا (قال له : انا صاحبك (طيب اللبن) اتذكر يوم اكلت طعامي وتركتني جائعا في المغارة الى اليوم الثاني ؟ . ثم قص عليه قصة المؤتمر والسر الذي سمعه من الحيوانات فكان ما كان فذهب (حامض اللبن) الى نفس المغارة التي نام بها صاحبه (طيب اللبن ) وعند منتصف الليل جاءت الحيوانات واكتمل النصاب فقال الاسد : (اني اشم رائحة انسان ) وايده الجميع في قوله واحساسه ، وفتشوا عنه فوجدوه وراء حاجز الشوك ، وقالوا :(ان هذا هو الذي سمع سرنا في السابق وسرق الكنز فمزقوه اربا ) (9).
الحكاية الرابعة: قمر الزمان :
يحكى ان الملك الذي كان يحب الاذكياء ، ويقربهم اليه دائما ، ويسعد بمجالسهم واختبارهم بأسئلته الذكية، كان في إحدى الصباحات يتنزه مع وزيره في حديقة القصر الواسعة ، فمرا ببحيره رائعة تزينها تماثيل اسود يخرج الماء العذب من افواهها بطريقة معجبة وساحرة . شعر الملك بالعطش ، وطلب من الوزير ان يسقيه شربة ماء .. فتناول الوزير طاسة فضية كانت على الحافة ، وملاها ، ثم سقى الملك ، واعاد الطاسة الى مكانها . نظر الملك الى الطاسة بعد ان استقرت في مكانها ، ثم التفت الوزير ، وقال :
– ايها الوزير ! لقد تكلمت الطاسة ، فماذا قالت ؟!
وحجم الوزير ، وكسا التعجب ملامحه ، ولم يدر بماذا يجيب . فالطاسة جماد، ولايمكن لها ان تتكلم ولكن هل يجرؤ على قول هذا للملك ؟!
ولما طال صمت الوزير ووجومه ، صاح به الملك:
– امهلك ثلاثة ايام لتأتيني بما تفوهت به الطاسة ، والا نالك مني عقاب قاس ! عاد الوزير الى بيته مهموما حزينا ، ثم دخل غرفته ، واغلق على نفسها بابها ، وراح يفكر ويفكر ، ولكنه لم يهتد الى حل او جواب مقنع ، وراح يتساءل : (ترى ماذا يقصد الملك بسؤاله ؟ .. هناك جواب ، ولاشك ، يدور في خلده .. ولكن ما هو ؟! طالت خلوة الوزير في غرفته فقلقت عليه ابنته الوحيدة (قمر الزمان ) ، فاقتربت من باب الغرفة ، ونقرت عليه بلطف ، ثم استأذنت بالدخول ، فأذن لها .
الهوامش
(7) قاسم خضير عباس :- ابو نية وابو نيتين ، التراث الشعبي ، العدد الاول ، 1994 ، ص 43 – 45
(8) وداد حسين ، حكايات شعبيه من العراق : 34 – 37
(9) كاظم سعد الدين . الحكاية الشعبية العراقية.









