الجزء الثالث
زينب عبد الكريم حمزة الخفاجي
قالت قمر الزمان لأبيها :(مضى عليك يومان وانت معتكف في غرفتك ، وارى الهم واضحا على وجهك ، فماذا جرى ياابي؟!
قال الوزير :
– حدث امر جلل يا ابنتي ..! لقد طرح علي الملك سؤالا صعبا ومستحيلا ، وامهلني ثلاثة ايام لأجيبه عليه ، والا عاقبني عقابا قاسيا!
قالت قمر الزمان : و ما هو السؤال ياابي ؟
قال الوزير – : سقيته الماء في طاسة، ولما اعت الطاسة الى مكانها ، قال لي : لقد تكلمت الطاسة،فماذا قالت؟
ضحكت (قمر الزمان ) ، وقالت انه سؤال ذكي ، وجوابه يجب ان يكون ذكيا ايضا!
صاح الوزير بلهفة -: وهل تعرفين الجواب يا ابنتي؟
قالت (قمر الزمان) –: طبعا .. فالطاسة قالت : صبرت على النار ، وطرق المطارق ، وبعدها وصلت الى المباسم ، وما من ظالم الا سيبلى بالظلم!
وعلى الفور لبس الوزير ثيابه ، وقصد مجلس الملك ، ثم نقل اليه الجواب كما قالته ابنته اعجب الملك بالجواب الذي كان اذكى من السؤال ، ولكنه شك في ان يكون الوزير هو الذي اتى اليه ..
وفي صباح اليوم التالي ، فاجا الملك الوزير قائلا: ايها الوزير ! اريدك ان تأتي الى مجلسي غدا لا راكبا ولا ماشيا .. وان فشلت ، فان عقابك سيكون قاسيا ، وقاسيا جدا !صعق الوزير للطلب المعجز ، وانصرف من مجلس الملك مهموما ، وعندما وصل الى بيته ، استنجد بابنته (قمر الزمان ) ، وحدثها عن طلب الملك ، وطلب منها الحل . ابتسمت قمر الزمان ، وقالت لأبيها : وهذا ايضا حله هين ياابي !
وفي صباح اليوم التالي ، احضرت (قمر الزمان) لأبيها دابة صغيرة ، فركب عليها وذهب الى قصر الملك ، وهو راكب على الدابة ، وقدماه على الارض .
ذهل الملك لحسن تصرف الوزير ودهاء حله ، فادناه منه ، وهمس له : قل لي من يقول لك ذلك .. ولك الامان!
قال الوزير : انها ابنتي (قمر الزمان ) يا مولاي !
قال الملك : احضرها لي في الحال !
ولما مثلت (قمر الزمان ) بين يدي الملك اعجبه جمالها ولكن ذلك لم يثنه عن اخبارها في سؤال معجز ، تكون الإجابة عليه مستحيلة . قال الملك : سأتزوجك الليلة يا قمر الزمان ، واريدك ان تحملي مني في الفور ، وان تلدي الليلة ولدا يكبر في ساعات ويغدو في الصباح ملكا يجلس على عرشي !
ابتسمت (قمر الزمان) وقالت يا مولاي ! واقتربت من النافذة المطلة على جزء كبير من الحديقة لأزرع فيه، ثم التفتت الى الملك وقالت .. اريدك يا مولاي ان تحرث هذه الارض الليلة ، وتزرعها الليلة وتقطف الزرع الليلة ،واكل من ثمارها في الصبح !
ذهل الملك ، ونهض صائحا هذا غير معقول!!
قالت قمر الزمان -: كيف تريدني اذن ان انجب لك ولدا الليلة ، ويكبر في ساعات ، ويغدو في الصباح ملكا ؟! سر الملك من جواب (قمر الزمان ) ثم عقد قرانه عليها ، واصبحت ملكه جواره وعاشا معا حياة سعيدة( 10)
الحكاية الخامسة : ولاية بطيخ :
ملاحظه: إنما اورد هذه الحكاية في هذا المبحث ، لا لسمة جمالية فيها وانما لما تشير اليه من مستوى اخلاقي متدنٍ في صفوف السلطة الحاكمة في ذلك الزمان .مع التحفظ على النسق الثقافي الذي تؤسس اليه هذه الحكاية، فهو نسق خطير ويؤسس لثقافة (الخاوة ) ويعطي التبريرات للصوص وقطاعي الطرق ، لكنها حكاية شعبية عراقية ، وربما هذا بعض ما يفسر لنا ظاهرة شيوع الفساد الاداري واللصوصية و(الحواسم) في المجتمع العراقي .
وهي حكاية المثل الشعبي المعروف . يحكى ان يتيماً في بغداد ، استطاع ان يجمع مبلغاً من المال قيل انه يساوي ليرة واحدة ، بعد ان عمل حطابا خارج اسوار بغداد ، وقيل ان بغداد كانت مسورة بعدة اسوار ، وعلى كل باب سور يقف حراس ، وكان اليتيم يأمل ان يثري ، فاشترى سبع بطيخات واراد بيعها داخل بغداد ، ولكن حراس الابواب اخذوا منه ست بطيخات بدعاوى وحجج مختلفة ، لغرض سلبها منه ، وتبقى الأخيرة فتؤخذ منه بحجة ان الملك لديه ضيف مريض ولا يشفيه الا البطيخ ، فيخسر بذلك جميع ماله . ويشكو امره فيقال ان امره موكل الى جلالة الملك . ويريد الوصول الى الملك ولكن الحراس يمنعونه . وتمنع سائر الناس من الوصول الى الملك لئلا يعرف ما يجري خارج البلاط فيضطر اليتيم الى ان يسلك سبيل التمرد ويكون عصابة ليأخذ الخاوة من الناس و طبعا هذه العصابة كلها من امثال هذا اليتيم . وهو يتعمد الى قطع طريق الناس ويؤذيهم حتى يشتكوا منه الى الملك . ولكن جماعة الملك شاركوا اليتيم في العصابة واخذوا الخاوة لان شافوا بيه فائدة لهم . ويخترع اليتيم (رئيس العصابة) طريقة غريبة لأخذ الخاوة ، وهي انه يمنع الناس من البكاء على موتاهم وكذلك يمنعه من ان يدفنوا امواتهم الا من بعد ان يعطوا الخاوة . ويتفق ان تموت ابنة الملك فيمنعهم من الدفن ولأنه عصابة قوية فيرجع جماعة الملك ويخبروا الملك ان هناك انسان شرير ومجرم يمنعهم من الدفن ويريد منهم خاوة . فيرسل اليه الملك ليستطلع خبره فيقول له ان ولايتك ولاية بطيخ هي السبب وقص عليه القصة فيعاقب الملك المجرمين والسراق بعد ان يعلن اليتيم توبته وانه ما قام بهذا العمل لأذية الناس ولكن ليصل الى الملك ويعينه الملك وزيراً عنده ويطرد باقي الوزراء . وخلصت الحكاية (11).
حكاية السادسة: حكاية بنت المعيدي :
منذ ثلاثينيات القرن الماضي وحتى سبعينياته ، ظلت تلعب لوحة (بنت المعيدي) دورا جماليا وثقافيا مدهشا في مخيلة العراقيين ، كانوا يعلقونها على جدار غرفة الضيوف الى جانب صورة صاحب البيت ، او بموازاة صورة الملك غازي ثاني الملوك او من تلاه من حكام العراق . بوصفها ملكة تتربع على عرش الجمال بلا منافس وكان يحرص الاكثر سعة منهم على تأطيرها وتزجيجها بحيث يستطيع الداخل والخارج ، من افراد الأسرة ومن اقاربهم واصدقائهم ، ان يحصل على زاوية مناسبة لمشاهدتها بكل تفاصيلها . حتى اصحاب المقاهي ، والباعة في دكاكينهم الصغيرة ، واصحاب الحمامات العامة ، والمطببون الشعبيون ،والحلاقون ، وصاغة الذهب، لا تعييهم الحيلة في ايجاد مطرح مناسب يليق بصورة (بنت المعيدي) يتباهون بتعليقها امام انظار زبائنهم ، فهي رمز الجمال العراقي الصارخ والحزين ، الجميع يسعدهم تأمل ملامح تلك السيدة الصغيرة وهي تطل بنظرتها الحالمة البريئة الى زاوية الصورة متحاشية النظر مباشرة الى عين المشاهد . تفاصيل صاحبة الصورة توحي بترف لذيذ، وغنى فاحش ،.. فهي تبدو سيدة في مطلع العشرينات تتألق على جيدها ثلاثة عقود جميلة ، الاول من حبات لؤلؤية صغيرة تشكل خمسة أطواق ينسجم بياضها مع بياض البشرة الناعمة ، والثاني من خرز لؤلؤي اكبر حجما، بينما العقد الثالث ذهبيا تتوسطه جوهرة كبيرة الحجم تتدلى على الجزء الاعلى من صدرها . وبطريقة ملكية بهية ، تعلو راس صاحبة الصورة قبعة على شكل تاج ، تتألق في قمتها تشكيلات زهرية مصنوعة من قماش الدانتيلا ذي لون وردي فاتح ، وتلتف ببراعة على تشكيلة شعاعية من حبات لؤلؤية صغيرة ،تقوم كلها على ظفيره من الجنيهات الذهبية الخالصة والمصممة على هيأة عقال عربي تغرق هذي التفاصيل المدهشة ببحر من خصلات شعرها البني التي تنتشر متموجة بغزارة على كتفيها لتغمر جزءا من ثوبها الاحمر المطرز بخرز واقراص لماعة حكاية للجميع يكاد يكون الحديث عن (بنت المعيدي ) مدخلا مناسبا للكثير من الاحاديث التي تدور بين الناس آنذاك ، بل قد يصبح الحديث عن جمالها وقصتها الغريبة ، ملاذا شديد الجاذبية ، عندما لا يجد الناس ما يتحدثون به . مثلما استلهم المغنون الشعبيون والمسرحيون من جمالها وحكايتها الحزينة اعمالا فنيه لاقت رواجا لافتا ، فهذا المطرب الشعبي البحريني عيسى بدر يقول في احدى اغانيه (بنت المعيدي سافرت قطر اربعة شهور ما جاني خبر) وفي المسرح قدم المخرج العراقي محسن العزاوي مسرحية اعتمدت على اسطورة (بنت المعيدي ) في الجنوب يسمونها (ليلى المعيدية) ، وهناك من يصحح ويدعي انها (فاطمة ، أو جميلة المعيدية )، غير ان الاسم موضع الخلاف قد يختفي ، ويكتفي الناس بأطلاق لقب (بنت المعيدي) . اما في شمال العراق فيطلقون عليها لقبين ، الاكراد يسمونها (كيجي كافروش) وتعني بالعربية ابنة التبان ، بينما يطلق عليها التركمان اسم (صمانجي قيزي) وتعني ابنة عامل او بائع التبن . ولكن السؤال الذي يبقى يلح بطلب الإجابة : ما حقيقة هذه الصورة؟ ومن هي صاحبتها ، هل هي حقا فتاة عربية من منطقة الاهوار في جنوب العراق كما تدعي الأسطورة الشعبية ، ام انها فتاة تركمانية من اسرة فقيرة ام هي كردية لاب يعمل تبانا ؟ لا احد يستطيع ان يجزم بحقيقة الصورة ، بالرغم من كل من يتصدى للإجابة ينسبها بثقة اليه ، لذا ليس لنا غير تلك الحكايات التي تواترت على السنة الناس لسنوات طوال وفي مناطق العراق المختلفة .
تقول الحكاية الجنوبية :
ان بنت المعيدي فتاة من منطقة الاهوار ، واسمها جميلة ولدت في عام 1904 في لواء العمارة (حاليا مدينة ميسان ) واحدى الروايات الفرعية تؤكد انها ابنة فلاح بسيط ، بينما ترى الرواية ثالثة انها ابنة احد مربي الجاموس من سكنة الاهوار الذين يطلق عليهم اسم (المعدان) تبدأ القصة بحادثة مفادها ان ضابطا إنكليزيا في حقبة الثلاثينيات وكان ضمن الحملة البريطانية على العراق ، شاهد بمحض المصادفة هذه المرأة فبهره جمالها ، ووقع في غرامها يسأل الضابط عن عائلتها ، ويوسط بعض المقربين من اسرتها للزواج منها ، وامام الرفض الشديد يصل الامر بهذا العسكري الى ان يرسل وفدا من وجهاء وشيوخ مدينة العمارة لطلب يد الفتاة الجميلة .. الا ان والدها وعشيرتها يرفضون بشدة تنفيذ رغبة هذا البريطاني المحتل .. وتنقل الرواية عن احد اعمام الفتاة احتجاجه الشديد بقوله (اما يكفي احتلالهم للعراق .. هذه المرة يريدون الزواج من بناتنا ..) ويتواصل سرد الحكاية الى منعطف دراماتيكي عندما يبيت الضابط في سره امرا خطيرا .. فقد وضع خطة لخطف بنت المعيدي والرحيل بها الى بريطانيا ، وبالفعل حقق مراده وخطف الفتاة وحلق بها على متن طائرة عسكرية ، ليتزوجها وينجب منها ولدا !!
الهوامش
(10) داد حسين . المصدر السابق : 86 – 89
(11) كاظم سعد الدين ،بالحكاية الشعبية العراقية :76 – 77









