ثقافة شعبية

الحكاية الشعبية العراقية بحث في الأصول الثقافية

الجزء الرابع

زينب عبد الكريم حمزة الخفاجي

…تابع
شظايا وحكايات ثم تتشظى نهاية الحكاية الى حكايات تختتم دائما بنهايات مأساوية اذ تبين لنا ان هذا الضابط  واسمه (نكسن )كان متزوجا ، وان زوجته البريطانية ارادت ان تنتقم من السيدة التي جاء بها زوجها من اهوار الجنوب العراقي فعمدت الى قتل رضيعها بطريقه بشعة ، فجن جنون بنت المعيدي فقتلت الضابط وزوجته وهربت متنقلة بين البلدان الى ان حطت رحالها اخيرا في قريتها الاولى بينما يروي اخرون انها رفضت الزواج منه ، وقفزت من الطائرة وهربت الى اعماق الاهوار لتعيش هناك حياة بدائية معتمدة على صيد الاسماك ، وفي كل الحالات يعبر العسكري البريطاني عن غرامه ويرسم لوحة رائعة لتلك السيدة الجميلة التي رفضته !! تفاصيل القصة التركمانية القادمة الى مدينة كركوك الشمالية لا تختلف عن قصة مدينة العمارة الجنوبية تقول القصة ان الفتاة الجميلة تنحدر من عائله تركمانية فقيرة الحال وكان ابوها يعمل تبانا (صمانجي)، يسكن محلة (القلعة) التاريخية ، وفي يوم من الايام وعندما كانت الفتاة تنظف عتبة الدار صادف مرور مجموعة من الضباط الانكليز فبهر احدهم بجمالها ..وتقدم الى اهلها مع بعض الوجهاء والمتنفذين في المدينة طالبا يدها للزواج ، وامام رفض والديها بسبب اختلاف الدين، اعلن الضابط عن استعداده لاعتناق الدين الاسلامي ثمنا للاقتران بها! وبعد عدة محاولات باءت بالفشل مارس الضابط الانكليزي ضغوطا نفسية ومادية وحكومية ، وتم زواجه منها وبعد زواجهما غادرا مدينة كركوك الى لندن ليعيشا فيها عيشة سعيدة . وقد استعان الزوج – كما تروي الحكاية – بأحد اشهر الرسامين الانكليز ليرسم له لوحة (بورتريت) للسيدة فأنتجت فرشاته هذه القطعة الفنية الرائعة التي ارسلها الزوج من باب الوفاء الى اسرتها ليخفف عنهم وطأة فراقهم لابنتهم ، فكان ان انتشرت الصورة بشكل سريع بعد ان قامت شركة بريطانية بطبعها وتوزيعها على نطاق واسع لتزدان بها بيوت قلعة اربيل بوصفها (بنت المحلة ) وانتشرت الصورة بسرعة في المدن العراقية الاخرى .. بينما تذهب رواية اخرى الى اتجاه مختلف تماما عندما ، تعمد عائلة الفتاة الى ابعاد الابنة عن الانظار حتى لا يقتفي اثرها احد وقيل انها اجبرت على الإقامة في احدى دور اقاربها تحت حراسة مشددة لحين رحيل الضابط وان اللوحة المرسومة للفتاة ماهي الا نتاج لفرشاة هذا الضابط الفنان الذي لم يجد حلا سوى ان يرسم هذه اللوحة لتعوضه عن فتاة احلامه . وفي هذا الصدد يذكر احد الباحثين “انتشرت في ستينيات القرن الماضي اغنية بصوت المطرب التركماني محمد احمد اربيلي يتغنى فيها بصاحبة الصورة ويقول في مطلعها ( صمانجي قيزي .. اون دورت ياشينده ) اي ابنة التبان ذات الاربعة عشر عاما …” ( 12)الاكراد العراقيون لديهم بدورهم قصة تلائمهم عن صاحبة الصورة فهم يسمونها (كيجي كافروش) الفتاة الجميلة والجذابة والساحرة ، وقد شاعت صورتها في بيوت الاكراد ، بل اصبحت معيارا للجمال الصارخ ، حتى انهم يقولون في معرض وصفهم لأية فتاة جميلة ” ان جمال فلانة كجمال كيجي كافروش ” كما اشتهرت بمطلع خمسينيات القرن الماضي اغنية للمطرب الكردي حسن زيرك تتحدث عن كيجي كافروش . وخلاصة الحكاية الكردية التي تعتمد كشقيقتيها العربية والتركمانية على الثيمة ذاتها : اي ان عسكريا بريطانيا بهر بجمالها فخطفها وحاول نقلها في طائرة متوجه الى لندن ، لكنها قفزت من الطائرة رافضة ان تتحول الى اسيرة ،ومن يومها  تحولت كيجي كافروش الى اسطورة كردية . وسارع الفنانون لرسم لوحة لهذه السيدة الجميلة ذات الشخصية المتحررة والقوية . اصل اللوحة غير ان ما هو مرجح بقوة ان لوحة (بنت المعيدي) او (كيجي كافروش) سواء اكانت تعتمد على حقيقة ام اسطورة نسجها الخيال الشعبي العربي او الكردي او سواه ، رسمت بفرشاة فنان غربي. (13)
المبحث الثاني
نقد وتحليل ثقافي وبحث عن اصول الحكايات
الحكايات التي أوردتها في المبحث الاول (المتن) وهي ست حكايات تبدو لأول وهلة مختلفة عن بعضها عدا الحكايات الثلاثة الاولى الا ان هذه الحكايات كما في معظم الادب الشعبي القصصي ، لا يمكن ان نجد لها اصلاً محدداً او مؤلفاً معيناً ومعروفاً او حتى تاريخ تأليفها . وهي مع ذلك تلتقي مع بعضها في سمات الادب الشعبي التي سأذكرها لاحقا ضمن سياق هذا المبحث . كما سألقي الضوء على بعض الاصول الثقافية لهذه الحكايات بصورة مختصرة ، مراعية بذلك كون هذا البحث مختصراً لا يحتاج الى استرسال في سرد الافكار والرؤى النقدية . وبالعودة الى بعض مفاهيمها . اقول : الحكاية الشعبية هي أحدوثة يسردها راوية في جماعة من المتلقين وهو يحفظها مشافهة عن راوية اخر ولكنه يؤديها بألفاظ الحكاية وان كان يتقيد بشخصيتها وحوادثها ومجمل بنائها العام . وغالبا ما ترويها العجائز لأحفادهن في ليالي الشتاء الطويلة قبل الذهاب الى النوم وقد يرويها غير العجائز في مواقف الوعظ والاعتبار وضرب المثل ولكن الحكاية لا تُسْرَد على الاغلب الا ليلا في جو يتم التهيؤ له ،فلجدة تلقي الحكاية بلغة خاصة متميزة ليست لغة الحديث العادي مما يمنحها قدرة على الايحاء والتأثير وغالبا ما يكون الا لقاء بتلوين صوتي يناسب المواقف والشخصيات وبإشارات من اليدين والعينين والراس فيها قدرة من التمثيل والتقليد . ويتم التلقي بإصغاء حاد قد يتخلله الضحك او الفزع كما يقتضي الموقف ولكن في تقدير واحترام وتصديق واندهاش ومقاطعة ولكل حكاية اسم هو عنوانها ويستمد من عنصر بارز فيها من شخصيات او الحوادث وهو اسم ثابت .
ان الحكاية الشعبية تحمل في طياتها مفاهيم ثقافية محددة تحاول ترسيخها في ذهن المتلقي خاصه وأن هذه الحكاية قابلة للتأويل في معظمها . ان التأويل النقدي للحكاية يمنحنا الاحساس بإعادة انتاج المعنى الذي لا يفترض خلوه من اصالته  في الحاضر . ان المسافة الزمنية التي تفصلنا عن الماضي ليست فاصلا ميتا بل هي تحويل ابداعي للمعنى . ولذا تثار الأسئلة لمحاولة التعرف على المعنى .
تحمل الحكاية الشعبية كما ترى (نبيلة ابراهيم)من الرموز الاشارية ما يمكن ان يستوعب حركة الفرد والمجتمع ، او لنقل حركة الفرد في اطار الحركة الدينامكية للمجتمع . (14)
 لو تأملنا الحكايات الثلاثة الاولى ، لوجدنا انها تدور حول مفهوم الغدر وما يجر على صاحبه من سوء العاقبة. وهذا من المفاهيم الثقافية التي يسعى المجتمع الانساني لترسيخها بين افراده . والغاية منها هي الارتقاء بالتصرف الانساني والتأكيد على مبدا الوحدة الإنسانية والتعاون على الخير ، وهو من الامور المحمودة . فضلاً عن اشارات مهمة في النصوص الحكائية ، والتي تشير الى نسق ثقافي متأصل في الحكايات وهو اعطاء المشروعية للملك بالحكم والتصرف السابق : 92 – 93.
بأرواح الرعية لأنه هو المالك لهذه الرعية ومن حقه ان يحكم فيها بما يشاء دون ان يعترض عليه احد . وهذه من الرواسب الثقافية التي ترسخت في الذهن البشري منذ القدم . واجد اصولاً لهذا المفهوم في حكايات العصر العباسي كما في قصص الف ليلة وليلة . والسبب فيما يبدو لي ان اصل هذه الحكايات كان يلقى على مسامع الملك في ليالي السمر . وبطبيعة الحال ان الراوي يريد ان يعظم من شأن الملك ، وفي الوقت نفسه يريد كسب رضاه ودنانيره في ان واحد .من دون ان يخلد بذهن الراوي او المؤلف انه يؤسس للفكر الدكتاتوري الذي يمقته الانسان المتحضر . والغريب في هذا الشأن ان هذه القضية لم يتناولها احد من الباحثين بالتحقيق الدقيق المبني على اسس علمية صحيحة وقراءات للواقع الاجتماعي العربي قبل العصر الحديث . علما ان مبدأ العدالة هو نسغ فطري عند الانسان . وهذه مسألة خطيرة تعكس جزءا من الواقع الاجتماعي العربي المتردي والبعيد عن قيم العدالة الإنسانية . ويمكن ان نستشف من خلاله سبب تمسك الحكام العرب بالسلطة ، وقتالهم عليها ، وكثرة الانقلابات في الدول العربية . وان كان في العصر الحديث  ظهرت عوامل ومتغيرات ساعدت على زيادة الوعي الثقافي والسياسي والاجتماعي خاصه بعد الاحتكاك المباشر مع الدول التي سبقتنا في تغير النمط القديم في انظمة الحكم .
ومن الاشارات المهمة التي يمكن ان نتلمسها في اصول هذه الحكايات هي قضيه الكنوز التي يجدها بطل الحكاية في كل مرة . واظن ان هذا الامر مرده الى الطموح الذي يختلج في صدر واضع الحكاية للخلاص من حيز الفقر الذي يقيده ويمنعه من ان يحقق تطلعاته وهذا الامر وجدناه في قصص الف ليلة وليلة . زيادةً على تقنع الراوي بقناع الحيوان ويتكلم على لسانه وكذلك الجان ، وهذا كله موجود في التراث العربي القديم .
ان هذه الحكايات تعود في معظمها الى ما يسمى في العصر الحديث بـ (ادب الاطفال) وادب الاطفال يستمد من القصص التي احتفظت بها ذاكرة الزمن لتسهم بنصيب كبير في تراث البشرية وخبراتها من جيل الى جيل ، حيث كانت مادة الحياة سواء رويت للكبار او حكيت للصغار ، ووسيلة لتقاسم الخبرة والتعليم ، ولوناً من الوان الامتاع والمؤانسة ، وعاش ادب الاطفال عاله على التراث الادبي للكبار ، حيث لم يتفرد الاطفال بأدب خاص بهم ينشئه لهم فنانون يبدعونه ، بل بسطت لهم حكايات الكبار من خرافات ، واساطير ، وحكايات الحيوان ، والجن ، وقصص التاريخ او الحرب والبطولات .. الى غير ذلك من القصص التي ابتكرها الانسان الكبير في تاريخه الطويل ، واتخذ منها مصادر يغترف منها المادة والصورة والخيال . كلما تطور التفكير الانساني وتطور فنه الادبي ، تطورت معه حكايات الصغار لتصبح جزءا من مادة الحياة، ووسيلة اتصال أساسية للبشرية، وسبيل الاجيال المتعاقبة لنقل الافكار والقيم الروحية والمثل ومستويات السلوك والتقاليد. وصارت حكايات الاطفال كالجدول ينساب في موازاة النهر العظيم من قصص الكبار ليستمد منه الحياة.
فيما تقدم من الشرح انما ينطبق على الحكايات الخمس الاولى اما الحكاية السادسة فلها مغزى اخر. وهي من ابداعات الخيال القصصي في بداية القرن العشرين وتحديدا بعد مضي مدّة من الاحتلال الانكليزي للعراق. وهو يعكس نوعا من الرفض الاجتماعي للمحتل. خاصه وأنّ الحكاية نجدها بعدة لغات ومنسوبة الى عدة اماكن في العراق. ولدي حدس في هذه القضية، اجد انه لا مناص من ذكره هنا، خلاصته ان هذه الحكاية يقف وراءها راوٍ اجنبي وهو معادٍ للاحتلال الانكليزي للعراق لأنه يتعارض مع مصالحة السياسية والاقتصادية، وممكن  ان نحدد هوية هذا المؤلف من خلال اختياره للصورة التي نجد فيها ملامح وهيئة سيدة تركية او من أوروبا الشرقية، وهي كانت قد دخلت في حرب مع الانكليز من اجل السيطرة على العراق. ان هذه الحكاية كانت تترك اثراً عميقاً في نفس العراقيين، وتزيد من حنقهم على المحتل . وهذا ما كان يبتغيه المؤلف المجهول الهوية.

الهوامش

(12) د . هاشم العقابي في معرض حديثة عن حكاية بنت المعيدي
(13) د. يحيى البطاط ، بحث عن حكاية (بنت المعيدي ) منشورات مركز علي الوردي للدراسات والبحوث . اغسطس 2010
(14) انظر . د . نبيلة ابراهيم ، المصدر السابق : 92 – 93

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان