أحمد فضل شبلول
قبل رحيله بأيام قليلة منحت مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري جائزتها التكريمية في دورة أبي تمام الطائي (21 – 23 أكتوبر/تشرين الأول 2014) للشاعر اللبناني الشهير جورج جرداق، لكنه لم يستطع الحضور من لبنان إلى مراكش المغربية حيث تعقد فعاليات الدورة، لاستلام جائزته التكريمية التي تمنحها المؤسسة بناء على اختيار رئيس مجلس أمنائها الشاعر عبدالعزيز سعود البابطين.
وأناب الشاعر جورج جرداق مواطنه الناقد الدكتور ياسين الأيوبي لاستلام الجائزة نيابة عنه، وما أن نودي على اسم جورج جرداق أثناء مراسم تسليم الجائزة حتى ضجت القاعة المغربية بالتصفيق وعزفت موسيقى أغنية “هذه ليلتي” التي تغنت بها كوكب الشرق أم كلثوم، من ألحان الموسيقار محمد عبدالوهاب الذي كانت تربطه صداقة عميقة بالشاعر الراحل.
وظل اسم الشاعر اللبناني يتردد بقوة طيلة هذه الليلة وبقية أيام الدورة، وتساءل البعض عن سر عدم حضوره لاستلام جائزته التي تصل قيمتها إلى خمسين ألف دولار، وإنشاد بعض قصائده في تلك الدورة التي تحتفي باسم أبي تمام الطائي وأعماله الشعرية ومؤلفاته الأخرى، وعندما علم الحضور بأن الشاعر محجوز في غرفة الإنعاش أو غرفة العناية المركزة، دعوا له بالشفاء العاجل، ولكن لم تمر أيام قليلة حتى فاضت الروح لبارئها وفقد الشعر العربي علما من أعلامه في العصر الحديث.
ربما كانت “هذه ليلتي” من أهم أسباب تعرف الجماهير العربية على اسم الشاعر اللبناني جورج سجعان جرداق، ولكن للشاعر المولود عام 1933 في مرجعيون بلبنان أعمال وإبداعات شعرية أخرى كثيرة، ولم تكن “هذه ليلتي” سوى نقطة في بحر إبداع الشاعر الذي درس العربية والفرنسية في جديدة مرجعيون, ثم انتقل إلى بيروت حيث تابع دراسته في الكلية البطريركية. وبدأ يكتب المسرحية وهو في الثالثة عشر، والقصة وهو في السابعة عشر.
وبدأ ينهل من الشعر فتبارى المطربون والمطربات على غناء قصائده التي وصلت إلى أكثر من خمسين قصيدة، لينافس بذلك معاصره ومواطنه الشاعر بشارة الخوري أو الأخطل الصغير. وممن تغنى بشعر جرداق، وديع الصافي ونجاة الصغيرة وماجدة الرومي وهبة القواس إلى جانب أم كلثوم بطبيعة الحال، وغيرهم.
لم يتنكر جرداق لـ “هذه ليلتي” سبب شهرته المدوية، كما فعل الشاعر السوداني الهادي آدم صاحب قصيدة “أغدا القاك” التي قال عنها إنها حجبت الجزء الأكبر من شعره. ولكن جرداق كان يحلو له الحديث عن هذه الأغنية وعن مدى ارتباطه بمحمد عبدالوهاب سواء في القاهرة أو بيروت، ومدى عشقه لصوت أم كلثوم التي كانت دائمة الاحتفاء به عندما يحط طائره الشعري في القاهرة، فتدعوه إلى بيتها وتستمع الى المزيد من أشعاره وتسمعه الجديد من أغنياتها.
لقد عشق جورج جرداق صوت عبدالوهاب وألحانه خاصة بعد أن استمع إلى ألحان قصيدة “الكرنك” فكتب فيه قصيدة أرسلها له، وما أن حل الموسيقار في مصطافه بحمدون، حتى أرسل أحد المطربين إلى بيروت للبحث عن جرداق. وامره ألا يعود إلى بحمدون إلا وفي يده هذا الشاعر. ومن يومها رسخت العلاقة بينهما.
كتب جورج جرداق العديد من الدواوين الشعرية منها: أنا شرقية ـ بوهيمية ـ إلهة الأولمب ـ قصائد حب ـ أبدع الأغاني. كما كتب العدد من المسرحيات والروايات والسير القصصية منها: فاغنر والمرأة ـ صلاح الدين ـ شاعر وجارية في قصور بغداد ـ المطرب ـ الوالي.
ووضع ما يشبه الموسوعة عن الإمام علي كرم الله وجهه صدرت في خمسة كتب تحمل العناوين التالية: علي وحقوق الإنسان ـ بين علي والثورة الفرنسية ـ علي وسقراط ـ علي وعصره ـ علي والقومية العربية ـ كما ألف كتابا بعنوان العرب والإسلام في الشعر الأوروبي.
والملاحظ في شعر جورج جرداق السهولة والبساطة والموسيقية الفائقة فضلا عن الصورة المبتكرة والموحية، ولعل هذا أحد أسباب التغني بشعره. يقول الشاعر في قصيدة بعنوان “سـمـراء كلَـيْـل السهــران”:
سمراء كليل السهران
وكخمرة بنت السلطانِ
كحدائق (طيبة) عابقة
بشذاها في البر الثاني
ضحكتها كالفرح المنصوب
شراعاً فوق الخلجان
كصباح تمرح فيه الشمس
كرقص الريح بفستان
عيناها ملعب ألوان
في وجه صاحٍ سكران









