مشهد من دائرة خبيثة خالد بوزيان موساوي
جمعت الشمس ما نسجته طيلة النهار من خيوط بمغزل الضوء، وتأهبت للمغادرة. لماذا تغادر ما دامت ستعود في النهار الموالي؟! وفي ذاك الحين، أفرج نور القمر عن مياه اليم لتغطي بمدها بساطا من رمال تتبرم من شدة الملوحة، وكأنها تحاكي ضجري من أمواج رتيبة لا تحمل جديدا… فقط تبلل صفحة يوم من كتاب حياتي. دائرة خبيثة!
لم أكن صائما، لكن أبواقا عدة لأذان صلاة المغرب ذكرتني بأنني نسيت أن أتغذى، أو بالأحرى ما عدت ألتزم بأوقات الوجبات منذ تمت إحالتي على التقاعد النسبي.
أيام خلت كان لدي أسرة، وكنت أضبط ساعتي على مواعيد طقوسها اليومية. كان لدي انتماء ملزم، وكنت أتغذى جسديا وفكريا ووجدانيا بدفء الأنا الجمعي. ثم سقط سقف الأمان، وتبدد كل شيء في رمشة عين، حتى المرايا العاكسة تنكرت لي، واختلطت عليها ملامحي، ولم تعد تقوى على قراءة هويتي في خطوط تجاعيدي.
أشعلت سيجارة لا لإسكات نغمات قرقرة متظلمة منبعثة من معدتي، بل لأراقب في حركة عبثية سريالية ارتفاع الدخان، وهو يشكل ببطء لوحة مرادفة لعملية تبخر كياني وأمنياتي وأحلامي. هل هو شعور بالقهر أم بسعادة الحرية؟ الأمر سيان عندما نفقد الإدراك بالحواس الباطنية من حس مشترك وخيال ووهم وحافظة ومتصرفة.
سابقا كنت أحاول إنقاذ الجميع من أوهام أو أحلام أو حتى من أخطار حقيقية، وأصبحت اليوم وحيدا أصبو إلى إنقاذ نفسي من هول محيطي ومني.
وحده الأثير ما زال يذكرني عبر رنين هاتفي أنه ما زال هناك من يحبني لذاتي وتهمه حالتي الصحية الجسدية والنفسية رغم بعد المسافات. قمت بإسكات احتجاج معدتي بما تيسر لسد رمقي، ولأجل احتساء عقاقير بروتوكول علاجي، عانقت وسادتي؛ هي علبتي السوداء، حافظة أسراري، وبدأت أغازل النوم لعله يزور جفوني، وأرى الشمس في النهار الموالي داخل نفس الدائرة الخبيثة.









