ثقافية

بين التراث والوجود والكون والفلسفة في … عيون الموناليزا

دراسة نقدية             

يوسف عبود جويعد

المجموعة القصصية ” عيون الموناليزا” للقاص د. حسين عبيد الفريجي، تحتاج لوقفة تأملية وتحليلية نقدية مهمة، لما تحمل من دلالات مغايرة لما اعتدنا عليه من النصوص السردية القصصية، كون المؤلف عمل بكل حرية ودون قيود، من أجل إظهار هذه النصوص تجريبية وحديثة، معتمداً على التراث الحضاري، والتراث الاسلامي، والتراث الشعبي، من أجل تقديم نصوص قصصية تحمل خطابات متعددة مؤطرة بإطار جميل من الحكمة والبلاغة، فهناك قصص من إبداعه الشخصي، وهناك قصص وحكايات أخرجها من بطون التأريخ القريب و البعيد، وأعاد تصنيعها، بإضافة مسحة من البلاغة والوعي الفلسفي والثقافي، وكأنه أعاد كتابتها من جديد، لتظهر بثوب جديد، وتقدم بشكل مغاير مليء بالحيوية والحياة والفائدة والمعرفة، وتصب في خدمة القارئ، إضافة الى أن المؤلف اعاد صياغتها، من أجل إحياءها من جديد، لكي تظهر بصورة ناصعة وتأخذ مكانها من بين النصوص السردية،حيث نتابع القصة الاولى في هذه المجموعة ” عيون الموناليزا” والتي تقدم نوعاً من العلاقة العاطفية، المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالوعي الثقافي والادبي والفلسفي، حيث يتفاجأ أحد الادباء، باتصال هاتفي من فتاة ناعمة الصوت، تطلب منه مساعدتها، في كتابة اعمالها الادبية، وارشادها الصواب، فيلتقي معها ويعجب بها وهو يحاول مساعدتها، حيث يجدها بارعة الجمال، وهي تشبه الى حد بعيد الفتاة التي رسمها “دافنشي” في لوحة الموناليزا، وتدور الاحداث بهذا النحو، فنتابع تفاصيل عن تلك العلاقة، ونتابع ايضاً معلومات عن لوحة الموناليزا، الى آخر ما تضمنت هذه القصة من أحداث شيقة.

أما القصة القصيرة ” وجدتها يا صاحبي” فتعيدنا الى بغداد أيام زمان حيث العربة (الربل) التي يجرها الحصان، وحكاية اثنين من اصحاب تلك العربات، يعملان عند اصحاب الوجاهة والشأن والذي كان يطلق عليهما (البيك)، ويعيشان عيشة ضنكا رغم عملهما مع الاثرياء،  فيهتديان الى حيلة فيما بينهما، للانتقام، تكون نهايتها ضرب هؤلاء الاثرياء ضرباً مبرحاً بحجة انتماء كل واحد منهما الى صاحب العربة.

ويجيد القاص إدارة دفة الحكاية بشكل مبهر، حيث يلم بكامل تفاصيلها، ولا يدع شاردة او واردة تخص العملية السردية والحكائية الا أدخلها ضمن المسار السردي.

وفي القصة القصيرة ” قانون الغاب” ينقلنا المؤلف الى تراثنا الشعبي الى  حيث الحيوانات تتكلم مثل حكايات “كليلة ودمنة” و “حي ابن يقظان”، ونكون مع كارثة وبائية كبيرة انتشرت في الارجاء، وخوف الحيوانات من الموت والعقاب، يعلن ملك الغابة الى اجتماع عاجل، للاعتراف بذنوبهم التي اقترفوها، ومن تكون ذنوبه كبيرة يكون الضحية،ويكون القاضي الثعلب، لينبري كل واحد بالاعتراف بذنوبه، حيث يعترف الاسد بذنوب كبيرة، لكن تبرأ ساحته وكذلك النمر الشرس،والذئب ابن الليل، تبرأ ساحتهم، وعند اعتراف الحمار، يعترف بأنه، التهم شيء من الحشيش من بستان دون إذن، فتصدر المحكمة بتجريمه ويكون هو الضحية تكفيراً لذنوبهم.

بينما نجد أن القصة القصيرة ” الدوامة” تطرح أسئلة كونية ووجودية كبيرة، وتحتاج الى كثير من التأمل، لأنها تفتح لنا مساحة كبيرة من التساؤلات، حيث نتابع احد الاساتذة يخرج بسيارته بعد انتهاء دوامه في مدرسة في منطقة نائية، وسط امطار غزيرة وعواصف، فتغرس سيارته في الطين والماء، وبالكاد يخرج منها، وعندما يصفو الجو يؤجر سيارة سائقها غريب الاطوار وبملابس غريبة، وعندما يصل يعطيه مبلغ الأجرة ، الا  أن السائق يستغرب من هذه العملة التي لايعرفها، ورغم اصرار الاستاذ بانها العملة المتداولة في البلد، الا أن تفاصيل الاحداث تكشف لنا بأنه سقط من كوكب الارض الى كوكب آخر شبيه بكوكب الارض، وشبيه بالناس ايضاً.

ونجد في القصة القصيرة ” قوة الوهم” تأثير الوهم على الانسان، وكيف يخال للجميع أنه حقيقة ماثلة امامهم، الا انهم يكتشفون بانهم يعيشون في وهم كبير.

وفي القصة القصيرة ” حوارية الصمت” نتابع محاورة فلسفية علمية كونية وجودية ثقافية غاية في الدقة، وموثقة بادلة من القرآن والاحاديث النبوية ، وغيرها من الشواهد التي نتابع فيها هذه المحاورة التي يحاول الكلام فيها ان يكون هو الاهم، ويحاول الصمت أن يكون هو الاهم، وتكون المحاورة بلاغية بلغة عالية.

وفي القصة القصيرة ” خواطر موظف أحرقوا دائرته” حيث نتابع احد الموظفين، وهو يزور دائرته التي تعرضت للنهب والحرق، اثناء السلب والنهب الذي حصل اثناء التغيير ، ونعيش تفاصيل دقيقة ومؤلمة.

ثم ننتقل الى القصة القصيرة ” يوم النزال” وهي تحمل الطرافة والغرابة، حيث تعيدنا الى نزالات المصارع عدنان القيسي ونزاله مع كوريانكو، وماحدث اثناء تلك الفترة.

ثم ننتقل الى النصوص السردية، التي انبثقت من الموروث الحكائي الشعبي، واعيدت صياغتها: “بدلة الملك” و” المنازلة الكبرى” و ” ام العصافير”و “حكمة الاباء” و ” وذكاء وفطنة” و ” الملك المزيف”  و”شهامة المنتقم” الى  غيرها من الحكايات التي تحتاج  الى اعادة تدوين.

المجموعة القصصية ” عيون الموناليزا” للقاص د. حسين عبيد الفريجي، رحلة كبيرة، كونية ووجودية وفلسفية وثقافية، وتجربة جديدة تحتاج للتأمل.  من اصدرات دار الورشة الثقافية – بغداد – شارع المتنبي – لعام 2026 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان