ثقافية

الحقيقة خارج النص عدنان لفتة السماوي

لم تكن الخيانة كما اكتشف لاحقًا فعلًا مفاجئًا غريبة

الخيانة الحقيقية لا تأتي كطلقة في منتصف الليل، بل كصوت ساعة ظل يتكرر لسنوات ولم ينتبه إليه أحد

الناس لا يتغيرون فجأة، هم فقط يتعبون من التمثيل..

في مساء ثقيل يشبه الممرات الخلفية للمستشفيات جلس “آدم” أمام شريكه القديم في غرفة الإنتاج التي قضى فيها نصف عمره الغرفة نفسها التي شهدت ضحكاتهما الأولى، أول كاميرا اشترياها بالدَّين أول إعلان فاشل . وأول فيلم أقنعا أنفسهما بأنه سيغير العالم.

لكن الإنسان لا يلاحظ لحظة تحلل الأشياء. الخشب لا يصرخ وهو يتآكل والوجوه كذلك.كان شريكه يتحدث بهدوء بارد، كموظف بنك يشرح تفاصيل قرض لاكرجل يدفن عشرة أعوام كاملة. قال له ببساطة إن المشروع أصبح باسمه وحده. إن العقود واضحة. إن السوق لا يعترف بالعاطفة وإنه، بصيغة مهذبة وقاتلة، لم يعد بحاجة إليه. المثير للرعب لم يكن الكلمات بل الطريقة التي قيلت بها ذلك البرود النظيف. ذلك الوجه الخالي من أي أثر للذنب كأن الذكريات لا تترك ندوبًا عند بعض البشر بل تمر فوقهم كما يمر الضوء فوق الزجاج.

حين خرج الرجل، بقي الباب مفتوحًا لثوانٍ طويلة كأن الغرفة نفسها كانت ترفض تصديق ما حدث. جلس آدم وحده أمام أجهزة المونتاج. أضاءت الشاشات وجهه بلون أزرق شاحب، فأصبح يبدو كغريق يُشاهد نفسه من قاع البحر. فتح الأرشيف القديم. آلاف الملفات سنوات كاملة مخزنة داخل أقراص صلبة سوداء ضحكات ومقابلات، تجارب أداء رحلات تصوير محاولات فاشلة لصناعة شيء يليق بالحياة. كان يريد أن يعرف متى حدث الأمر. متى أصبح ذلك الرجل وحشًا صغيرًا يرتدي وجه صديق؟ فتح أول مشروع جمعهما.

ظهر الشريكان على الشاشة أصغر سنًا أكثر حماسة، وأغبى قليلًا، كما يكون البشر دائمًا في البدايات. كانا يتحدثان عن السينما كما يتحدث المؤمنون عن الخلاص ابتسم آدم رغمًا عنه.ثم حدث شيء صغير شيء لا أهمية له لو رآه شخص آخر. قبل كلمة “أكشن” بثانية وبينما كان آدم في اللقطة يضبط العدسة، بقي وجه شريكه وحده ظاهرًا في الكادر.لم يكن يعلم أن التسجيل قد بدأ

أوقف آدم الفيديو

أعاده ببطء.

ثم أبطأ السرعة أكثر.

وهناك…

وسط التشويش الرقمي الناعم ودقة الصورة القاسية ظهرت النظرة.

ليست نظرة كراهية كاملة وهذا ما جعله يرتعب كانت شيئًا أبرد من الكراهية. نظرة شخص يرى الآخر مجرد وسيلة مؤقتة شفته تحركت بازدراء خاطف. عيناه امتلأتا بضيق مكتوم، ثم.. بسرعة محترف قضى عمره أمام الكاميرات..ارتسمت الابتسامة الدافئة فور سماع كلمة “أكشن”.

تجمد آدم أعاد اللقطة مرة أخرى.ثم بدأ ينبش الأرشيف كضابط تحقيق يبحث عن قاتل يعرف أنه كان حاضرًا في كل الصور الجماعية وفي كل مشروع كانت الحقيقة موجودة دائمًا في الثواني المهملة

بعد “كات”.

قبل “أكشن”.

في اللحظات التي يسقط فيها القناع متعبًا لجزء من الثانية.

نظرات نفاد صبر ابتسامات ميتة تختفي فور انتهاء التصوير عيون باردة تراقبه كعبء لا كشريك أما هو، فلم ير شيئًا لأن الإنسان لا يرى الحقيقة كما هي، بل كما يحتملها كان يقوم طوال السنوات، بعملية مونتاج داخلية ضخمة يحذف النظرات السيئة. يقص التردد من صوته. يضع موسيقى عاطفية فوق الوقائع

ويُصدّر لنفسه نسخة محسنة من رجل لم يوجد أصلًا.

فهم أخيرًا أن الذاكرة ليست أرشيفًا الذاكرة غرفة تحرير وفيها، نحن المجرمون والضحايا في الوقت نفسه. اقترب وجهه من الشاشة الأخيرة. توقفت الصورة على لقطة مقربة التُقطت بعدسة طويلة عينان جامدتان تنظران نحوه مباشرة بلا محبة، بلا شراكة بلا أي شيء سوى الحساب البارد. نفس النظرة التي رآها قبل ساعة عند النهاية لم يتغير الرجل أبدًا. الذي تغير… هو دقة الصورة فقط ابتسم آدم أخيرًا ولكن ابتسامته كانت تشبه اعترافًا متأخرًا. حدد جميع الملفات داخل الـTimeline.

سنوات كاملة من الأصوات والوجوه والأيام. ثم ضغط زر الحذف اختفت المقاطع واحدًا تلو الآخر، كما تختفي الجثث في روايات الجريمة النظيفة بلا دم، بلا صراخ، فقط فراغ مرتب بعناية.

وبقيت الشاشة السوداء وحدها.

لأول مرة منذ سنوات…

تعرض الحقيقة دون مونتاج.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان