كاظم غيلان
( ما أظن أرضاً رويت بالدم كأرض بلادي)
من مقدمة ديوان (للريل وحمد)
لايمكن لنا دراسة أوبحث أيما اتجاه فني دونما العودة للجذور، هذه العودة التي أصبحت من المؤاخذات التي يشار بها للأجيال الجديدة التي طفى معظمها على السطح دونما الغوص في القاع ونبش أسراره والتعرف العميق على كل مايحيط بهذه الجذور من مؤثرات، ولعل الشعر في مقدمة هذه الأتجاهات اذا ما أسلمنا لمقولة(شللي) :” الشعر هو الذي يحيط بكل العلوم ، واليه ترجع كل العلوم”(1).
في شعر العامية العراقية والذي نحبذ دائماً تسميته بشعر العامية كما هو الحال في التجربة المصرية وبلدان عربية أخرى، اغترف من مناهل وطنية عبر العديد من المراحل التاريخية ,أهازيج ثورة العشرين ضد الأنكليز في العراق الأنموذج الأمثل لما لعبته هذه الأهازيج من فعل تحريضي له الدور الفاعل في التأجج والاندفاع الى جانب الموروث الديني – المنبري- المحرض الآخر في قيام تلك الثورة كـ:
• حل فرض الخامس كوموله(التي جاءت على لسان قائد الثورة شعلان ابو الجون)
• يجامعة الحسن جيناج
• يلترعد بالجو هز غيري
• بس لايتعذر موش آنه … والخ.
هذا الى جانب القصائد الحسينية عبرت عن عمق ثورة الحسين كمأثرة تاريخية بوجه الظلم كرائعة الشاعر ياسين الرميثي(يحسين بضمايرنه) التي لم يغلب عليها الجانب البكائي بقدر التاريخي المستمد من أعماق الثورة.
ومثلما ترتبط سائر الاتجاهات الأدبية ببداياتها التقليدية وتستفيد منها ومن ثم تتبنى مهمة التمرد وتحطيم الأشكال والقوالب الجاهزة المترهلة حصل الحال في حركة الشعر العربي وكان للعراق موقع الصدارة والريادة الحقة على يد(السياب،نازك،بلند الحيدري، البياتي، البريكان وآخرين) وتزامناً مع تلك الحقبة التاريخية جاءت(الريل وحمد) على يد مظفر النواب، الا ان حركة التجديد التي بدأها من فتحه الحداثوي لم تكن متجردة عن التراث، وهذا ما أغفلته معظم الدراسات النقدية بأستثناء ما أشار اليه بنوع من الفطنة والذكاء الشاعر الرائد(الاكاديمي حالياً) كريم محمد حمزة في مخطوطته النقدية القيمة(مظفر النواب بين التراث وأصالة التجديد ) اذ ان ما أورد في مقدمتها” ان أهم مايوصف به النواب انه شاعر أعاد الشعر الى نفسه بعد مرحلة طويلة من التخلف – على ان تراث القصيدة الشعبية يجب أن لايهمل وشاعرنا ليس غريباً عن التراث”(2) مؤكداً ذلك عبر العديد من النماذج الشعرية للنواب في فصول أخرى من مخطوطته ، وهذا من أبرز مؤشرات الوعي الشعري للنواب المثقف والعضو المؤسس في اتحاد ادباء العراق 1958 وبذات الوقت فأن عودة الشاعر المعاصر- المجدد لتراثه لم يكن بتهمة يؤاخذ عليها أو انتقاص من تجربته بقدر ماهي تأكيد لفهمه العميق للشعر كما أسلفت في بداية الموضوع وهذا ما ينطبق على عموم الشعر اذا ما تأكدنا مما قاله بهذا الخصوص(أليوت):” ان ولاء الشاعر الأول يجب ان يكون للغة التي يرثها من الماضي والتي يجب أن يحافظ عليها وينميها”(3) . وبما يمكن تفسيره بشكل أوضح ان هكذا مهمة لاتعني النقل الميكانيكي للعمل الأبداعي بقدر الأستفادة منه وتطويره على وفق ثقافة الشاعر ورؤيته التي تعينه في القيام بوظيفته الأبداعية الشاقة. في هذه المحاولة التي فكرت بكتابتها منذ فترة بعيدة ماهي الا محاولة حذرة للأمساك بواحد من أطراف أو اتجاهات القصيدة الشعبية العراقية، فحركة التجديد التي تحسب ريادتها للنواب لانقاش فيها تأريخياً وابداعياً، لاسيما وانها تزامنت مع حركة التجديد في الشعر العربي، ومثل هكذا مهمة لايمكن أن ينتبه لها شاعر دونما امتلاكه الخلفية الفكرية التقدمية والثقافة العالية والموهبة فوق كل ذلك، بل ولايمكن له أيضاً الأحاطة بها عبر اتجاهات شتى لحمايتها من التشوه والتصدع ، فكيف بشاعر كمظفر البارع في مواهب شتى لعل في مقدمتها الفن التشكيلي اذا ما عرفنا بأنه عضو في جماعة(الانطباعيين) التي أسسها التشكيلي الرائد الراحل(حافظ الدروبي) .
الوطنية هي الأرث الذي استند اليه الاتجاه الجديد في الشعر الشعبي العراقي وفقاً لمتغيرات وظروف وانعطافات حادة شهدتها الساحة السياسية عراقياً وعربياً بل وحتى عالمياً، حاله حال الآداب والفنون بمختلف مدارسها، فضلاً عن مميزات البيئة العراقية التي تعد منهلاً واسعاً في الألهام والخصوبة في الخيال الشعري.
الشرارات الأولى في تجربة(للريل وحمد) هي قدحات الفتح الأول المدهش لأفراغ القصيدة الشعبية من طابعها التقليدي ومن سائر سلفيات الترهل والايقاع الرتيب الذي ينهك الآخر- المتلقي- ولذا جاءت الجماليات المحشودة بالوطن حتى على مستوى الخطاب العاطفي، مع ذلك كله فأن المؤثرات في شعر مظفر لم تكن هابطة من(فوق) بقدر ماهي منبعثة من ينابيع له الفضل في اكتشافها وهذا ما يؤكده شخصياً في حديث لجريدة (النور) على حد ما أشار اليه الشاعر كريم محمد حمزة ( يقول النواب” عدا قضايا الأهازيج بالأعياد والمواكب الحسينية لم أكن قد قرأت لأي شاعر شعبي قطعاً لكن بعد كتابتي حاولت أن ألم بالتراث” (4) وهذا ماعززه في حوار آخر نشرته (الحياة اللندنية) عند تسعينيات القرن الماضي في اشارته لجماليات شعر الحاج زاير مقارنه بسذاجة وسخرية كتابات الملا عبود الكرخي.
ولكي لا أكون قد خضت بعيداً عن عنوان مادتي هذه، فالوطنية بوصفها خطاب مستند لمبررات الفعل التاريخي استثمره شعراء الاتجاه الجديد وعمل على توظيفه عبر العديد من الانجازات الكبيرة بوصفه خطاباً مرافقاً للتأججات التي زخرت بها حركة اليسار العراقي وما خاضته القوى الوطنية من معارك ومآثر بطولية تاريخية – لاسيما حقبتي خمسينيات وستينيات القرن الماضي- كأنتفاضة (آل ازيرج) في أهوار –الميمونة- جنوب العراق، ولنأخذ لمظفر(سفن غيلان ازيرج):
سفن غيلان ازيرج تنحر الذاري
لون ودت سفنهم يمك اخباري
دسيل الجاري يحجيلك على الجاري
…..
أحلفلك ابدم ارجالنه الحزًم سواد الليل
وبعز الفجر لوغاب نجم أسهيل
أحركهه يجدي لا الشمس تطفه… الخ
بل ويذهب بعيداً نحو استخدام الرمز:
صريفتنه رقم6
صريفه13 دم
صريفه 14 سل وخنازير
صريفه15 ناز ومزامير
صريفه17 مذبح عرض بنته
بيد ان الجمالي هو المتن المرافق حد التماس للسياسي في شعر مظفر فهو يجد في إزاحة الجمالي افراغاً كاملاً للعمل الشعري حتى يعدو باهتاً، وأعني إحالته للسكون في حين ان الشعر بحد ذاته حركة وهذه أي(الحركة) هي النقيض المباشر لخصمه الأول وأعني(السكون) وذلك ما نجده في(الريل وحمد):
جن كذلتك والشمس والهوه هلهوله
شلايل ابريسم والبريسم اله سوله
يامشط ذري ذهب، يلخلكك اشطوله
ونتأكد منه أكثر في(مضايف هيل) التي كتبها اثر استشهاد الفلاح الشيوعي(صاحب ملا خصاف- صويحب-) عقب تطبيق قانون الأصلاح الزراعي الذي أصدرته حكومة الزعيم الوطني الشهيد عبد الكريم قاسم وعلى لسان أمراة:
هاي آنه اللحضنك لاتلم روحك
أضمك بالكصايب عين لتلوحك
يصويحب افيي الفيه لجروحك
لربما أختصرت الكثير من نماذج أكثر تباعداً على مستوى الزمن والحدث، وهذا ما سأجيء اليه لاحقاً.
المصادر
(1) اليزابيث درو، الشعر كيف نفهمه ونتذوقه
(2) د. كريم محمد حمزة، مظفر النواب بين التراث وأصالة التجديد- مخطوطة- 1970
(3) أدونيس، زمن الشعر
(4) نفس المصدر(2)









