د. علي حداد
وفي التناسي ـ ومع حسين مردان دون سواه ـ قصدية مجافاة يجرى التواضع عليها بوعي أو بدونه ، وكأن عدوى الخوف من وجوده المقلق التي انتابت جهات رسمية واجتماعية كثيرة في حياته ما تزال تنفث غبارها حتى وقتنا الراهن ، وتلك مسألة لافتة ، فقد جرى في حياته تجاهل منجزه الشعري ، بكل امتيازات جدته وريادته وجمالياته . كما لم يأبه الكثيرون طويلاً لما كان له من التفاتات فكرية ونقدية توحي بعمق الرؤية وجدية التأمل ورصانة الذهنية القارئة.
حتى إذا ما تيقن المشهد الثقافي العراقي في تلك المرحلة من موته عاد ـ وفي ذلك وخزة ضمير حرجة لا تستيقظ عندنا إلا بعد رحيل المبدعين من بيننا ـ ليقدم لنفسه قبل سواه واجب العزاء عبر استعادات قرائية فيها ما يوحي بإسقاط فرض بدا واجباً أخلاقياً عند البعض لأديب خسرناه ، وممارسة تطهيرية من تلك اللامبالاة التي اعتصم بها طويلاً عند غيرهم . فكان موت حسين مردان المفاجيء أفقاً مبتسراً دلفت إليه الكتابات الرثائية وسواها التي انقضت على وجوده الثقافي الخصب بمعطياته لتقاربه حتى حين.
وإذا كانت تلك الحال متعلقة بمرحلة سابقة فإنها لا تكاد تفارق متنها المشدود إلى الغرابة في أن راهننا الثقافي لم يعد يستعيد قراءة حسين مردان ومنجزه الحافل بكل ما يحفز الدرس القرائي ، بأدواته ومنهجياته لمقاربته وتأشير قيمه وخصب كشوفاته ، وامتداد تأثيره في تجارب إبداعية لاحقة ، ولاسيما أرصدة القراءات التي يمكن له أن يضعها بين يدي الدرس الثقافي عبر مقاربات ممكنة له أن يمدها باستجلاء متعدد الأوجه والقيم والتمثلات التي تستعيد ما كان عليه من وجود متضاد ومفارق لكثير من مواضعات مرحلته في أبعادها السياسية والاجتماعية ، ووجهة الاشتغال الفكري والجمالي الذي تهيأ له أن يكون عليه .
وللتذكير بحسين مردان ومنجزه الإبداعي والنقدي نشير إلى أن مجموعته الشعرية الأولى (قصائد عارية) صدرت في العام 1949م ، . توالت بعدها دواوينه في ما أطلق هو عليه تسمية (النثر المركز) الذي يتماهى في حقيقته مع مفهوم (قصيدة النثر) تلك التي كان مردان من روادها الأول في العراق ، ولعله المتفرد بترسيخ حضورها في المشهد الشعري العراقي ، عبر سبع مجاميع أصدرها في سنوات متلاحقة . من دون أن ينقطع عن كتابة الأشكال الشعرية الأخرى إلى جانبها ، حتى بلغت حصيلة أعماله أكثر من اثنتي عشرة مجموعة شعرية ، فضلاً عن عدد من الكتب النقدية والمقالات التي نشرت له في أبواب ثابتة تولاها في أكثر من مجلة وصحيفة.
منذ البدء كان حسين مردان يعي ما يريد ويفقه مساحات وعيه ومقاصده ، وإذ اختار الشعر منطلقاً أولاً لتبيان ذلك الوعي وتلك المقاصد فلقد كان على بينة أن الشعر هو الوسيلة الأوفر مقدرة لتقديم أفكاره ، فللشعر في العراق اليد الطولى من الانشغال الثقافي والاهتمام والتلقي المنشد إلى طرائقه وجمالياته . ومن هنا واصل كتابة الشعر مؤجلاً الترويج لآرائه النقدية لخمس سنوات أخرى .
لقد كانت أفكار قصائده وجهة متطرفة في تخير موضوعاتها والكيفيات التعبيرية التي تتشكل من حلالها ، وهو ما لا قبل للذائقة الثقافية العراقية آنذاك أن تتلقاه وتستسيغه من دون أن يثير حفيظة بعض أطرافها ، ولعل ذلك الأمر لم يكن بعيداً عن مقاصد الشاعر ونزوعه الفكري المواجه والباحث عن أية وسيلة للاستفزاز، و(كشط جلد) الثقافة السائدة المتيبس،على حد تعبيره.
وإذ كانت شخصية حسين مردان وقصائده على هذا الحد المشاكس والصادم فلم يكن أمراً مستغرباً أن تتنادى أكثر من جهة للوقوف بوجهه ، وأن يطارد ديوانه الأول (قصائد عارية) ، فتصادر نسخه ، ويحال صاحبه إلى المحاكم ، ليكون أول شاعر عراقي حديث تجرّمه شاعريته وتودي به إلى السجن ! .
جاء ديوانه الأول على نهج قالب الشطرين الشعري . وتلك مسألة جديرة بالتأمل ، فحسين مردان الذي أعلن الثورة على القيم الاجتماعية السائدة في الرؤية لا يستكملها في الشكل التعبيري المحايث لها باختلافه ، ولم يكن ذلك عن افتقاد الرغبة للتمرد في هذا الجانب ، فقد كان الأمر في متناول يده ، بل أنه سرعان مافعله في مجموعاته الشعرية اللاحقة التي جعل وجهتها ما أطلق عليه تسمية (النثر المركز) .
لقد كان مدركاً لأهمية أن يساير في تلك المرحلة ما تكيفت له الذائقة الثقافية التي استبدت (قصيدة الشطرين) بتلقيها ، وأن يصل إليها من خلال مأمنها من الصياغة الشعرية المتوارثة ، متلاعباً بما سوى ذلك من المواضعات الجمالية في التخير اللفظي المغاير وفي أنساق التخيل ورسم الصورة الذي يذهب به ـ في الغالب عليه ـ إلى مشهدية غرائزية مثيرة .
أقام حسين مردان لشخصيته بناءها على مدرك من الوعي والسلوك خاص أهله أن يقف بثقة عالية وبجرأة لافتة لا تكاد تتردد في أن تقول رأيها ، فتخالف وتنتقد بقسوة، وتدعو إلى جديدها القيمي والسلوكي المغاير، متجاوزة حالة الإعجاب أو أنماط المجاملة السائد في أفق الثقافة العراقية إلى حيث يجاهر برؤاه عن كثير من الظواهر الأدبية ، ويجادل الآراء التي أصبحت قناعات راسخة عن كثير من الأسماء الأدبية البارزة في المشهد الثقافي العربي قديمه وحديثه . فهو ـ على سبيل التمثيل ـ يتناول ، ولأكثر من مرة ،التجربة الشعرية للجواهري من دون أن يلتفت لما تعزز لها من مكانة شعرية مهابة.ومثلها ماكان له مع آراء الدكتور(طه حسين) التي جابهها بموقف الند المعترض بوعي مغاير.
وضمن انشغاله الذاهب باتجاه الحداثة وكل ما يتمثل اشتراطاتها وحضورها في الفنون المختلفة فلعله أول الشعراء العراقيين الذين وعوا أهمية التواصل بين الفنون وحركيتها في منظومة فلسفية وجمالية واحدة . وتعبيراً عن ذلك فقد واصل في عدد كبير من مقالاته الكتابة والتنظير عن الفنون السمعية والبصرية المختلفة (من تشكيل ومسرح وسينما وتلفزيون ) مبدياً مقدرة عالية على تفحصها الذي ذهب من خلاله إلى الحديث عن المدارس الفلسفية والفنية الحديثة ، مبشراً بأفكارها ، ومؤسساً من خلال ذلك مساحة جديدة من الوعي والانشغالات التي تداولتها معه آفاق الثقافة العراقية المختلفة ، لاسيما حين راح يجادل كثيرا من القناعات المخطئة في فهمها.
هكذا كان (حسين مردان) مثابة دالة على نفسها وخصوصيات منجزها في المشهد الأدبي العراقي .. وسيبقى ـ برغم كثير من ظلال التناسي والتغييب ـ تجربة شعرية وإنسانية صدقت ماعاهدت وعيها عليه وتفوهاتها فيه .
ذلك هو (حسين مردان) الذي استعاد ـ وأعادنا معه ـ إلى تأمل مواقفه وتجاربه الإنسانية والإبداعية، فكتب في آواخر ما كتب : لقد رسمت لوحة طويلة يركض في داخلها الحصان عشرين سنة من دون أن يصل إلى حافتها … فتوصلت إلى حقيقة مخيفة ومفجعة وهي أنني محكوم بالركض وراء المستحيل ، وأن الموت الدرب الوحيد الذي يصل إلى الهدوء ” .
* * *
لو صدق الوعد
ـ سيقول الشعراء الآتون بعيد ضباب قلق
خلفت وراءك ـ
لتقصينا ماتركت أقدامك في الدرب من العثرات
وردمنا الحفر المسكونة بالأوجاع
بيقين من لغة
أتقنت مراودة المخبوء بها تحت الأثواب .
كنت معلمنا
لكنا كنا أبعد من أن نسمع بوحك
إذ كنا نقرأ فيك الرجل المسكون بغربته وغرائبه
لا الشاعر يمسك بالآتي ،
ويحاور غيباً … يدركه وحده .





