كتاب الحقيقة

هل كان الجواهري سبباً في ظهور   (الشعر الحر)؟

 د. علي حداد

 

    كتبت الأقدار للشاعر (محمد مهدي الجواهري)  أن يعيش قرناً كاملاً 1898ـ 1997م ، قضى معظمه متنقلاً بين بقاع الأرض ومدنها ، وملاحقاً الصهيل الشعري الذي لم تهدأ جمرته على شفاهه، وحاملاً بين يديه تاريخ بلاده السياسي والثقافي بوقائعه وتفصيلاته.
وتثير تجربة الجواهري الشعرية لمتأملها تساؤلات كثيرة من بينها هذا الذي نقف عنده  مدلين القول في جانب من إجابته ، ومفاده :
كيف يمكن لظاهرة شعرية مجسدة في شاعر بعينه أن تكون مهيمنة مثيرة ومؤثرة ، لتواجه سواها من التجارب فتجبرها على الانصياع لها ، أما من خلال الاعتراف بتفوقها ، أو الانزواء بعيداً عنها ، أو البحث عن بديل شعري آخر تؤطر تجاربها فيه ، بمنأى عن تلك الظاهرة الشعرية المهيمنة ؟ .
  لقد أتيح للجواهري أن يقف عند المتحقق الشعري لجيل الأحياء في العراق ، ممثلاً ـ بنصاعة عالية التجسد ـ في شاعرية الرصافي والزهاوي اللذين ارتبط الجواهري معهما بصلات وطيدة على المستوى الإنساني والأدبي . وإذا كان قد أعلن عن حضوره في مساحة زمنية لاحقة لذلك الجيل فإنه ـ وفي  سنوات وجوده معهم ـ كان قد أرسى لتجربته تمايزها ، ومقدرتها في أن تزيح جانباً الاهتمام الكبير الذي كان يحظى به  شعرهم ، حد أنه  لم يعد يشكل مجالاً للمقارنة مع نسيجه الشعري المتدفق ، وهو ما اعترف أولئك  الشعراء به وأقروه له .  يتكشف ذلك في واحدة من القصائد المتأخرة عند الرصافي ـ التي بدت وكأنها وصيته الشعرية ـ حيث يخاطب الجواهري بالآتي  :
  بـك الشعر لابي أصبح اليوم زاهراً       وقد كنت قبل اليوم مثلك شاعرا
  فأنت الذي ألـقت مقـاليد أمرهـا        إلـيـه القـوافي شــرداً ونوافـرا
ولم يكن أمر الجواهري مع مجياليه بأقل تأثيراً مما مر ذكره فقد نالت شاعريته من تجاربهم وأقصتها ، ووضعتها دونها مكانة ، حتى لن يكون جزافاً القول : إن شاعريته الضاجة  قد أخفتت من أفق التلقي والاهتمام تجارب عدد من الشعراء المهمين ، أمثال : (علي الشرقي ) و(أحمد الصافي النجفي) و (محمد صالح بحر العلوم ) الذين كانت بدايتهم الشعرية تنبئ عن امكانيات تعبيرية طيبة، وتأسيس لشخصية ثقافية بارزة الحضور.ولعلها من المصادفات اللافتة أن يكون هؤلاء الشعراء جميعاً من مدينة (النجف) … وهي مدينة الجواهري أيضاً.
      وإذا كان رهان شعر الشطرين قد وضع صولجان بيانه بين يدي الجواهري وحده ، فإن الأمر لم ينته عند أولئك الشعراء وحدهم ، لقد تعداهم لتتسرب سطوته إلى تجارب الحداثة الشعرية اللاحقة ، فربما لا يكون  من المبالغة القول : إن شاعرية الجواهري ـ في جانب ما منها هي المسؤولة أيضاً عن توجهات جيل من الشعراء العراقيين المجددين وقتذاك ـ وأعني رواد تجربة الشعر الحر ومن معهم ـ إلى خارج تجربة شعر الشطرين الذي أسس معظمهم ـ إن لم نقل كلهم ـ تجاربه الشعرية الأولى على نهجه . وكأن أولئك الشعراء المتطلعين إلى إثبات حضورهم الإبداعي صاروا يشعرون ـ بدرجات متفاوتة ـ أن هذا اللون من الشعر يكاد يكون مكتملاً ـ إن لم يكتمل فعلاً ـ على يد الجواهري، فما كان لهم إلا أن يسعوا إلى البحث عن شكل شعري مختلف عن هذا الذي تسيدت منجزه قصيدة الجواهري.
وهكذا يمكن الإدعاء أن شاعرية الجواهري الباذخة كانت سبباًـ لعله غير معلن ، أو مشخص تماماً ، ولكنه مندس في وعي كثير من شعراء الحداثة ولاوعيهم كذلك ـ في أن يسعوا إلى الوقوف على مبعدة من منجز الجواهري الطاغي بانشغالاته وقيمه الفنية ، ليجدوا مجالاً يمكن لتجاربهم الجديدة أن تقدم صنيعها الشعري من خلاله. ولقد صرحوا هم بذلك في مواقف مختلفة. يقول (بدر شاكرالسياب ) ” ارتبط الجواهري ـ وهو في قمة نضجه الفني بالمدرسة الواقعية ، مما جعل الشعراء الشباب في العراق ظلاله ، فهم يكتبون شعرهم السياسي والاجتماعي على طريقة الجواهري ”  ، لأنه جهر ـ منذ وقت مبكر في شعره ونثره ـ بما لايجرؤ الكثيرون من ثوار هذا الجيل على الجهر به “.
ويتحدث (بلند الحيدري) عن الكيفية التي تم لجيله أن يتلقى حضور الجواهري ـ جاعلاً من نفسه مثالاً : ” مقهى حسن عجمي كان يؤمها الجواهري ويتخذ منها منبرا يدلي فيه بتصريحات ، ولم نكن لنجرؤ على الاقتراب منه بل نحاول من بعد مقعدين أو أكثر أن نلتقط كلماته وآراءه ، وكان عندي شعور بأنني أصغر من أن أتطاول إلى مجلسه” . ولعل (عبد الوهاب البياتي) كان يستعيد جانباً من تلك الرؤية  يوم كتب قصيدته في رثاء الجواهري :
         في سـنوات الضـوء والبؤس        وجـدت فـي مـرآته نفسي
         خرجت من معطفه يافعـاً         لأحمل الشمس إلى الشمس
 نود أن نشير هنا إلى أن بعض تجارب أولئك الشعراء كانت قد استوقفت مساحة من تأمل الجواهري، ومن منطلق القيم التي أقام عليها وعيه وشاعريته . فقد أشاد من بينهم بالشاعر  (بدر شاكر السياب ) الذي ضمه إلى محرري صحيفته (الرأي العام) وكان ينشر بعض قصائده على صفحاتها . وبدت تلك الإشادة من منطلق التواصل الذي كان له مع الموروث حيث  رأى الجواهري أن للسياب : ” أساساً في التراث العربي،ولذلك كان قادراً على التطوير…كان متمكناً من التراث ، فجدد وطور من موقف رسوخه في التراث ،جدد في الرؤية و الشكل”.     
    ولعله من الطريف هنا  أن نتأمل تجربة (الشعر الحر) من وجهة نظر الجواهري نفسه ، فقد تناوله في بعض أحاديثه عبر ما تكيفت رؤيته له من طبائع البناء الموسيقي الذي توطد ميزة أساس للشعرية العربية في عصورها الموروثة كلها .
لقد انتهت تأملاته في الجانب الموسيقي إلى أن يحدد موقفه من ( الشعر الحر) ، وفي وقت مقارب لمرحلة ظهوره ، إذ رفضه ، وبحدة ، حاكماً عليه بأنه في غاية السوء ، متحدياً شعراءه ـ الذين يقول : إنهم كلهم من الشباب الذين أحبهم ، وأعتز بهم ـ  في أن يستطيعوا: ” تأدية المهمة الشعرية بقوالبها المألوفة المنحدرة من الأجيال “.
     وكان الجواهري سئل مرة عن الشعر الحر ، وهل حاول النظم عليه؟ ، فقال إنه لا يدري . والحقيقة أن الجواهري نظم عدداً من القصائد التي بدت قريبة من الشعر الحر في شكلها الذي جاءت عليه ، نذكر منها قصيدته (حببت الناس) التي تعود إلى العام 1967م ، وقبلها مقطوعته (يا حبيبتي) التي تعتمد التدوير كثيراً ، و تعود إلى العام 1962م :
وعودة أخيرة  لما انشغلت به هذه المقالة ، فلعله لايجانب الصواب من يضفي على الجواهري سمة (الشاعر التاريخي)، ذلك الذي يأتي في منعطف من التحولات كبير  وحاسم ، ويكون همزة الوصل الدالة بين الحاضر والمستقبل ، ليقلق بوجوده ـ شخصاً ومنجزاً ـ كل من حوله، ويضعهم في برزح من التغييب أو البحث عن تشخيص وجود مغاير ، وهو ما تمثل تماما في مكانة الجواهري ودوره ، وفيوض تأثيره .
    *  *  *
لسماء بوحك وهي صحو باذخ … ونجوم
ليديك … للكلمات بين يديك
مثل حمائم عبرت مدى لم تستبحه غيوم
لمهامه أشعلت فيها رعشة الماضي
الذي لم تكتهل جمراته
فسرت بنا قلقاً نبيلاً ينطفي … ويقوم.
استل وقتي ذابلاً … ياسيدي ،
كي يدعيك يقينه
كل الذين تجاهلوك يقينهم … مثلوم .
من  الف طيش نرتديك
ضفاف حلم نشتهيه … وندعيه
ونهتدي بضلاله
وتصلي الأوهام في محرابه … وتصوم .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان