كتاب الحقيقة

مات عمار.. مات الولد الطيب

سليم الحسني

 

هل هذا الذي يتحدثون عن استشهاده في تفجير الكرادة هو نفسه عمار غالب الشابندر، الطفل الذي كان يستقبلني بمرح في شقتهم المتداعية في طهران؟.
هناك في زقاق قديم ضيق كل بيوته متداعية، مكتبة قديمة مهجورة لم يبق منها سوى جدران سرق الزمن الطويل استقامتها، وفارق بين طابوقها، ويافطة صغيرة بحروف واهية (كتابخانة بزرك/ المكتبة الكبيرة) ربما كانت كذلك قبل قرن أو اكثر من الزمن، لكنها في بداية الثمانينيات، ملجأ للشباب المهاجر من العراق.
عبر سلم حجري مظلم يقيم غالب الشابندر، شقة بلا باب، بلا مطبخ بلا زجاج نوافذ، أكياس النايلون تقاوم ريح الشتاء، تتمزق فيعالجها الطفل النشيط عمار بمسمار أو شريط لاصق.
غرفتان متداخلتان له ولعائلته، والغرفة المقابلة كانت لي في أول يوم من حياتي الزوجية. رتبتها أم عمار أحسن ترتيب، جددت أكياس النايلون على النوافذ، ركبت بطانية ممزقة لتمنع تسرب الهواء البارد من شقوق الباب.
غالب الشابندر يقرأ ويكتب، وعمار ومعاذ وتوحيد يقاومون البرد بطبقات من الملابس البسيطة.. وغالب يكتب ويقرأ متدثراً ببطانية تحمي ظهره من البرد، وامامه رزم الأوراق والكتب المبعثرة.
أخرج معه في الصباح الباكر، نطوي مسافات طويلة مشياً حتى نصل الى أقرب موقف للحافلات، نقضي ساعات الدوام في مجلة صوت الأمة، ثم نعود الى أجمل شقة وأحسن ناس.
تمنيت أن أمضي مزيداً من الأيام والأسابيع فيها، لكن الأستاذ السيد موسى الخوئي، عاتبني بشدة، رفقاً بزوجتي وبحياتي الجديدة، قال: (هذه ستتحول الى ذكريات، ولا أريد لزوجتك ان تكون ذكرياتها بهذا الشكل)، انتقلت منها الى بيت قرب ميدان الحرية المعروف على واحد من أوسع شوارع طهران، لكني كنت اجد زقاق الشابندر اجمل واوسع واهدأ.
يكبر عمار، سنة بعد أخرى، صار يختلف عن والده المفكر المشاكس الجريء، صار يشبه والده الطيب الحساس.
ثم افترقنا.. سافروا الى سوريا عام 1986 ثم الى السويد.
في اجتماع عراقي في لندن عام 2001، اقترب مني شاب ينضح حيوية، ابتسم ثم عانقني.
كبر عمار.. صار يختلف اكثر عن والده المفكر الصاخب المتمرد، صار يشبه أكثر والده الانسان الرقيق المرهف الحس.
رن هاتفي الجوال:
ـ مات عمار..
قلت بذهول: ماذا؟ أبو عمار هل انت متأكد؟ ماذا تقول؟.
ـ مات عمار الولد الطيب.. مات عمار الولد الوديع.. مات عمار الذي تحبه.
كلمات غير مفهومة منه، وكلمات غير مفهومة مني. وينتهي الاتصال.
ما أضعفك يا استاذي غالب الشابندر وانت تبادرني بالخبر.
ما اقواك يا استاذي غالب الشابندر وأنت تبكي (عمار).

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان