عدنان الفضلي
إذا أردنا أن نستكشف الواقع الثقافي العراقي عن قرب ينبغي علينا إلقاء نظرة واسعة على المفاصل الأساسية التي يتكون منها المشهد الثقافي في العراق . والمفصل الأهم هو – الدعم الحكومي للثقافة العراقية ، فهذا الجانب يكتنفه نوع من الإهمال واللامبالاة والتهميش كون الحكومات التي تعاقبت بعد سقوط النظام السابق – كانت تجمع على ان وزارة الثقافة ليست بالوزارة المهمة ، بدليل عدم تنافس الكتل السياسية وسماسرة المناصب على هذه الحقيبة الوزارية التي ينظر لها العالم المحيط بنا على انها أهم الوزارات بين الحقائب الوزارية الأخر . وهذا ان دلّ على شيء فهو يدل على عدم جدية بعض الساسة الجدد الذين يديرون دفة البلاد في البناء الحقيقي لعراق ما بعد الدكتاتورية ، وقصر في نظرتهم لهذا الأمر الحيوي وزلذلك لم يدعموا الوزارة بإعتبارها صانعة السلوك الحقيقي للدورة ولم تخصص لها الأموال الكافية لتستطيع إرضاء المثقف العراقي حتى يبدع.
وأظن ان هذه السياسة كانت السبب الأول في تعطيل حركة الثقافة العراقية ودفعها الى التقوقع . كما إن وجود أناس لا علاقة لهم بالثقافة والمثقف يتواجدون في كثير من مديرياتها ويتواجدون بين أروقتها كقادة ثانويين ، كان له الدور الأهم في هذا التقوقع بل والتراجع الخطير الذي أصاب ثقافة العراق التي كانت في طليعة الثقافات العربية المنتجة والمصدرة للأدب والفن. فتواجد هؤلاء الأشخاص في مراكز القيادة الثانوية جعل الخطوات التي تخطوها الوزارة – خطوات متعثرة تزيد من حالة الإحباط المتكرر التي تعتلي المثقف العراقي المبتلى بالتهميش طوال العقود المنصرمة وحتى الوقت الراهن .
وهذا ما جعل وزير الثقافة يعلن في أكثر من مرة عن وجود من لايريدون للثقافة العراقية ان تستعيد ألقها، وهؤلاء من وجهة نظره ونظري ونظر الأغلبية جاءت بسبب المحاصصة المقيتة التي فرضت عليه كثيرا من الأسماء التي أساءت فعلاً للوزارة ونشاطاتها رغم الدعم الكبير الذي تقدمه. كما ان وجود بعض الانتهازيين داخل أروقة الاتحادات والمؤسسات والفعاليات ذات الاختصاص المشابه ، جعل من الأدب العراقي محدوداً ومحصوراً في مساحة ضيقة تتحكم بها أمزجة أولئك الانتهازيين والنفعيين ، ولا ننسى ان هنالك شماعات جاهزة لتقبل تعليق أخطاء الموجودين بداخل هذه المؤسسات ولعل ابرز الحجج هي (الوضع الأمني) و ( الميزانية المحدودة ) مع علمنا انها لا تحتاج للكثير حتى تنتفض على نفسها وتحاور أهل الثقافة للوصول الى مستوى حركي يساعد في انتشال ما تبقى من أمل يعيش في وسط الإنسان العراقي المثقف.
كما ان غياب الرقابة والمتابعة من قبل رئاسة الوزراء ومجلس النواب على فعاليات وأنشطة بعض مؤسساتها الخارجة عن سيطرة الوزارة، ساهم في ترسيخ مبدأ الإهمال والتهميش بداخل الأمكنة المختصة بالشأن الثقافي . وحتما ان غياب بعض المسؤولين المنتمين اصلاً الى الوسط الثقافي عن المشهد الثقافي يأتي بنتائج موجعة للثقافة عموماً ، كون اغلب المثقفين كانوا ومازالوا يراهنون على المسؤول المثقف، وأي غياب لهذا المسؤول لا يعني غير إحباط آخر.





