عدنان الفضلي
يحدث جداً ان تصادف وسط النخبة من ترى فيه خير ممثل للوطنية الصادقة، من خلال مفرداته، او خطابه المتكئ على كثير من اشتراطات المواطنة، ولكن لا يحدث دائماً ان تجد نفسك منجذباً الى حديث فيه من الوطنية والصدق ينبعث من شخص يقع تحت ضغوطات شتى، فالأمر هنا لا متكأ له سوى الانتماء الحقيقي للوطن والانسانية.
اسوق هذه المقدمة للحديث عن صديق وانسان واديب واكاديمي عراقي، يحمل من الصدق ما لا تجده دائماً يتواجد بعمق انسان آخر، وفي داخله يسكن العراق من اقصاه الى اقصاه، فهو الجنوبي المتعلق بالقصب والماء والطين والشجن السومري، وهو البدو القادم من عمق مضايف الجبور، في الموصل وصلاح الدين، وهو العاشق لجبال ووديان وثلوج كردستان.
نعم انا اتحدث عن الشاعر الدكتور حمد الدوخي، هذا الانسان الذي تضجّ بداخله الانسانية، فيسمعنا منها ما يجعلنا نشحن طاقتنا بوميض عراقي اصيل يضيء لنا طريق وحدتنا وتلازمنا الذي نريده، ففي متن شعره ترى العراق وقد استطالت قامته، وفي خطابه اليومي تقفز امامك مدن العراق جميعاً، فترى في عمق الخطاب ثمة شواخص متحدة يتشكل منها العراق، نعم ففي ثنايا خطاب الدوخي ترى قصب الناصرية ونخل البصرة وسكر ميسان وبساطة السماوة وعذوبة غرّاف الكوت وعنبر الديوانية و(فخاتي) الحلة وخير دجلة وكمأ الانبار ورمان صلاح الدين وبرتقال ديالى ونعم كركوك وجوز السليمانية ولبن اربيل وعسل دهوك.
الدوخي هذا المحاصر بين نارين .. نار العراق المستعرة بخطاب طائفي اهوج استورده لنا تجار الحروب، ونار الغيرة المشتعلة بداخله وهو يرى الخناجر تنهش خاصرة الوطن، لم يقبل بان يبقى حبيس النارين، فصار يطفئ تلك النيران بخطاب وطني حقيقي تشهد عليه نصوصه الشعرية، فهو ورغم اختلاف مذهبه عن الذين يحيون ذكر الثائر العظيم (الحسين) الا انه أجاد في الاحياء اكثر منهم، فهو القائل:
ليس الحسين إماماً
بعضُ الحسينُ أئمـةْ
قد جـاء فرداً ولكن
لوحـده صـار أمــَّةْ
حتـى بحالـة جـرٍّ
ترى على النُّون ضمَّةْ
نعم حمد الدوخي علاج عراقي بدرجة امتياز لعلاج الأمراض الطائفية التي انتشرت في عراق ما بعد الصنم البعثي، فهو ليس منحازاً لجهة معينة بقدر انحيازه لعراقيته وانسانيته، وقد كانت مواقفه من الطائفية مشهودة وملموسة لدى كل من اقترب من منطقة وعيه، فلم يستسلم لجور القاعدة التي تحاصر بلدته، الشرقاط منتصف العقد الماضي، بل ركل خطابها وسطر خطابه الخاص الذي انتصر للعراق وادان الارهاب البغيض، وشهادتي على ذلك الرثاء العظيم الذي كتبه يوم نال الارهاب من براءة اطفال النعيرية بمنطقة بغداد الجديدة حيث قال:
” تتشابهون لأنكم شهداءُ
وتحلقون فوحدكم أحياءُ
الموت للـ .. تدرون ليس للثغةٍ
كم لاعبتها دميةٌ سمراءُ
أطفالنا:_
ذبحوا سكاكيناً بعنق حمامةٍ
أطفالنا:_
بلعابهم توضأ العلماءُ
حجَّت عروس الماء نحو قماطهم
فبه لها تتكوم الحناءُ
دوَّى انفجاركَ غير أن صغارنا
طاروا وظلت لحيةٌ وحذاءُ”.
نعم حمد كل هذا واكثر، كونه صاحب القلب النقي وابن المعدن العراقي الصافي، واتشرف به دائماً حين اقول انه صديقي الذي تعلمت منه الكثير من دروس الوطنية الحقة، ولغة التسامح التي يتكلم بها في مناسبة تجمعه باحبته واصدقائه وما اكثرهم.





