كتاب الحقيقة

الشاعر .. ابن بيئته

رياض الركابي

 
حين استمع الى الكم الهائل من النتاج الشعري الشبابي ، اجد من الصعوبة ان افرّق بين شاعر وآخر ، فمعظمهم يكتب قصائد وجدانية يتجلّى فيها المديح للذات ، وذم الآخر ، سواء كان صديقا او عدوا ، او جارا ، او شاعرا ، ومن الصعوبة ان تجد قصيدة تحتوي على وحدة موضوع ، بل هي عبارة عن صور مبعثرة ، لا يجمعها قاسم مشترك .
 وضمن هذا الكم الهائل اجد العديد من الصور المتشابهة ، او المحرّفة من صور اخرى ، لذا تنشب الكثير من الخلافات بين الشعراء بسبب التشابه او الاقتباس او التحريف ، والسبب المباشر في ذلك يعود الى ان الشعراء لايستفيدون من بيئتهم لتوليد الصور ، بل هم غالبا ما يعتمدون على التلاعب بالمفردات ، ولو انتبهوا الى البيئة لوجدوا خزينا هائلا .
 والشاعر كما معروف هو ابن بيئته ، يتأثر بها ويستمد منها معينه من صور ومفردات ، وهو المرآة العاكسة للواقع بما يحمله من موروث وعادات وتقاليد .
 ولنعد قليلا الى الوراء ، الى السبعينيات من القرن الماضي ، واستحضر بعض الصور التي خطتها انامل شعراء مبدعين ، مثلا حين يقول الشاعر الراحل زامل سعيد فتاح :
دمع التبرزل عسل … وعثوكه ما تنلاح
هذه الصورة البليغة ، والتي تعكس التصاق الشاعر ببيئته ، لذا استحضر حالة موجودة امامه ، فنخلة التبرزل عالية ، وحين تشتد حرارة الشمس ، تبدأ عثوق التبرزل بالتقطير … فيتساقط عسلها الى الارض ، ولكنها عصية لمن يحاول الوصول اليها .
 ويقول الشاعر الراحل صاحب الضويري :
الماي شال تراب لو مر بالتراب
                          او لو جره بين الصخر يحله او يطيب
وحنه مثل الماي صفّانه العذاب
                          ولو شرب من ماينه معلعل يطيب
 هكذا صور ، قيلت مرة واحدة ، وحين يحاول احد ان يجاريها سيفشل ،
كما ان قصة الشاعر علي بن الجهم تبقى حاضرة في الاذهان ، هذا الشاعر الذي عاش طفولته وشبابه في الصحراء ، وعانى قسوة الحياة وجفافها ، فحين طرق يوما باب المتوكل طمعا بعطاياه ، مدحه قائلا :
أنت كالكلب في حفاظك للوُدّ — وكالتيس ِ في قراع الخطوب ِ
أنت كالدلو لا عدمناك دلواً — من كبار الدّلا كثير الذَّنوب
فثار عليه حاشية المتوكّل لإسكاته ، ولكن المتوكّل امر بإسكان بن الجهم بقصر في جانب الرصافة على ضفاف دجلة بالقرب من احد جسور بغداد ، تحيطه البساتين ، وبعد شهر طلب بإحضاره لينشد ماعنده ، فأنشد بن الجهم :
عيون المها بين الرصافة والجسر — جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
خليلي ما أحلى الهوى وأمره — أعرفني بالحلو منه وبالمرَّ !
كفى بالهوى شغلاً وبالشيب زاجراً — لو أن الهوى مما ينهنه بالزجر.
 اذن الشاعر الشاب اليوم بحاجة الى ان يغترف من معين بيئته ، ويصطاد ما فيها من صور ، وهي كثيرة بالتأكيد ، لا ان يعتمد بشكل كبير على التلاعب بالمفردة ، لأن في هذه الحالة سيكون هناك اجترار لصور اخرى قيلت من قبل آخرين ، وفي هذه الحالة لن يتميز نتاجه ، بل سيكون نتاجا عاديا لايحوي على التفرّد.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان