د .غيلان
تمر الأيام ومازال خضير ميري يتسلل إلى جلسات الأصدقاء ومازال الأصدقاء يشركونه في أحاديثهم فهذا أبو حسنة يتحدث بلسان خضير ميري عن توجهات الأخير لكتابة بحث عن أكاذيب كارل ماركس وهاهو اسماعيل طرار يحدثنا عن آخر مقال للراحل ينتقد فيه الثقافة والمثقفين، كل أصدقاء خضير ميري ومع اقتراب الأربعين سألجأ إلى ما كتبته عن الراحل . ذلك الفتى الذي يتوسط جمعاً من طلبة أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد منتصف الثمانينات هو خضير ميري، وهذا الجسد الذي يلتف حوله الأدباء هو جسد خضير ميري، بين حيوية ذلك الفتى وصمت هذا الجسد تمتد غابة الوجع العراقي والتي سكنها خضير متسلحاً بالسؤال والجنون، السؤال كي يتمكن من فتح التشابك الكثيف لمفردات الغابة والجنون لأعلان حرية لاتفسر إلا بالحرية فكانت هذه النصوص بلهيبها الذي يستهدف الجواب الذي يحاصر تلك المواطنة المفتوحة على كل الاتجاهات . كان همه الوصول إلى المركز فلم يشغله فعل التهميش بل حول الهامش الذي دفعوه إليه إلى مركز فرش على أرضيته تاريخ الجنون الذي يتوسطه ميشيل فوكو وهو يخاطب العقلاء، أنا لست هناك حيث تترصدوني، أنا هنا حيث أرقبكم . مشى خضير ميري إلى حقول المعرفة من غير فيزة فقد كان جوازه الجنون الذي يجيز لحامله الوصول إلى الأقاصي ومن تلك اللأقاصي صار ينسج الحكايات فكان بشهادة الجميع من ألمع الشفاهيين فهو يطوع الأحجار فتتحول إلى مياه يسقي بها حقول الاصغاء، وهكذا اتسعت مساحة الحكايات من الأكاديمية إلى منتدى بيتنا الثقافي حيث قص علينا حكايته مع المحنة . محنة خضير ميري ليس في جلوسه الأخير الذي يذكرنا بالنفري وأبرته التي يطالبنا أن نجلس في خرمها ونفرح، بل محنة ميري في عدم وجود بديل عن خرم الأبرة، فالبلاد التي عاد إلى احضانها بلا أرصفة الدفء القديم وسكانها يهرعون نحو مجد أدرد وقمصان الأصدقاء يبللها الندم وميري الذي نجح في الافلات من قساوات كثيرة سيفشل هذه المرة في الافلات من قسوة الوجع العراقي الكثيف . كانت القاهرة على موعد مع خضير ميري، الذي أورقت شجرة جنونه فيها، فالتحم بصخبها الملون ولم يته في حاراتها الكثيرة، ووجدت براعته في الشفاهة طريقها إلى المصريين رغم شهرتهم في هذا ا لمجال فراحوا يوسعون له الطرق كي تلج حكاياته إلى غرف الثقافة وصالوناتها وهذه حالة نادرة في مدينة تكتظ بأهل الأدب والفن . قبل أيام من رحيله الأخير كان مشغولاً بالعلاقة بين الثقافي والسياسي وهي علاقة ملتبسة، ومأخذ ميري يتجوهر حول خضوع المثقف للسياسي، وكان كمن يهيء نفسه للسفر إلى المغرب هناك حيث حدود الماء مع أسبانيا وشاعرها لوركا الذي كتب عنه ميري عموده الأخير . رحل ميري وترك لنا جنونه وسؤاله في هذا التراكم المريب …





