حسين الصدر
-1-
شاع في الأوساط السياسية والاعلامية استخدام مصطلح الاخوة – الاعداء .وهذا المصطلح يُثير العديد من التساؤلات وأهمها اثنان: الأول : اذا كانوا أخوة فلماذا العداء ، وأين هي الأخوة اذن؟! الثاني : هل يقتصر الاصطلاح على الاخوين في النسب، أم يتعداهما الى الاخوة الآخرين انطلاقا من القول المأثور: ” رُبَّ أخٍ لم تلده أمّك ” ومن الطريف هنا ان نذكر قصة ذلك الرجل الذي تعرّض (لهشام) وأدعّى انه أخوه ، فسأله :” من أين ذلك ؟ قال : من آدم ،فأمر أنْ يُعطى درهماً ، فقال :لايُعطي مِثلُكَ درهماً !فقال هشام :لو قسمتُ ما في بيت المال على القرابة التي ادعيتَها لم ينلك الاّ دون ذلك..!! “
-2-انحدار الاخوين من صلب واحد رحم واحدة، لايعني انهما في وئام وسلام ولا سيما حين تختلف المصالح والغايات . وربما يستكثر الاخوة على أخيهم شدّة حب أبيهم لواحدٍ منهم، وتفضيله عليهم، كما هو الحال في اخوة يوسف، الأمر الذي حملهم على الكيد له وإلقائِهِ في غيابةِ الجُبّ …وأبرز أمثال العداء الدموي بين الاخويْن موقف (المأمون) من (الامين) حيث قتله، واستحوذ على الملك، غير مبالٍ بكل العلائق والروابط والأواصر بينهما .إنّه المُلك ، والملك عقيم. وقد وقفتُ على تبرير شيطاني لما صنعه المامون بالأمين، تَفَتَقَتْ عنه عبقريةُ بعض المتزلفين للمأمون حيث كتب اليه يقول: ” أما بعد فان المخلوع – اي الأمين – وإنْ كان قسيمَ أميرِ المؤمنين في النسب واللحمة، فقد فرّق كتاب الله بينهما فيما اقتص علينا من نبأ نوح قال :” يا نوحُ إنّه ليس من أهلك إنّه عملٌ غيرُ صالح “فلا صلة لأحد في معصية الله ، ولا قطيعة ما كانت القطيعة في ذات الله …”والكتاب تزييف للحقائق لأنَّ المامون لم يقطع اخاه في ذات الله، وانما قطعه من اجل الاستحواذ على السلطة ، ولو كان الأمين راضيا بالتنازل عنها له لما وَقَعَ ما وقع ..!!وهكذا يبرز الدجل في كلمات المتزلفين من عبيد الدنيا
-3-
وفي كثير من الأحيان يتفاوت الاخوة فيما بينهم في المواهب والملكات ولا يرضى المتفوقون في مضامير العلم والفضيلة ان يقاسوا باخوتهم الذين لا يحسنون شيئا .ومن هنا تبدأ المشاكل …قال ابن المعتز لأخيه صخر:
أبوك ابي وأنتَ أخي
ولكنْ تفاضلت المناكبُ والرؤوسُ
وقال أحدهم لأخيه :لأهجونَّكَ فقال :كيف تهجوني وأنا أخوك لأبيك وأمك ؟فقال:
غلامٌ أتاه اللؤم مِنْ شَطْرِ نَفْسِهِ
ولم يَأْتِهِ مِنْ شَطْرِ أُمٍّ ولا أبِ
وقال الشاعر يُقارن بين أخوين أحدهما (كريم) والاخر (بخيل):
(عليّ) و(عبد الله) ينميهما أبٌ
وشتانَ مابَيْنَ الطبائعِ والفِعلِ
أَلَمْ تَرَ (عبد الله) يلحي على الندى
(عليّاً) ويلحاه عليٌّ على البُخلِ
إنّ (عبد الله) تنازع مع اخيه (علي) لاختلافهما في الخصال ، حيث أخذ (عليٌّ) على اخيه ” عبد الله ” بُخْلَهُ ، وكان ذلك سببا للتباعد بينهما .
-4-
ان الصراعات والاختلافات تقع بين المحترفين السياسيين لا بسبب انكار احدهم للرابطة الانسانية التي تربطه بالآخر ، وانما بسبب اختلاف المصالح .والمحترفون السياسيون لا مكان عندهم للأخلاق في مضامير العمل السياسي .ان المسألة باختصار :هي مسألة مصالح لا مسألة مبادئ ومن اجل المصالح يُضحّى بمنظومة القيم الاخلاقية كلها …
-5- انّ تجريد العمل السياسي من العنصر الاخلاقي ، مفهوم وضعيٌّ يلوكه البعيدون عن العمل الرسالي الهادف الخالص من الشوائب الذاتية والمصلحية .ولا خير في عمل تغيبُ عنه الاعتبارات الاخلاقية الأصيلة ، والتي هي صمّام الأمان. إنّ الاعمال التي تنطلق اشباعاً للشبق السلطوي ، وسعيا وراء النفع الدنيوي، بعيداً عن حسابات المصالح العليا للبلاد والعباد ، ليست الاّ افرازات محمومة لا ثقل لها في الميزان ، لا عند الله ولا عند الناس..





