د .غيلان
يحمل هذا العنوان بعضاً من غرابة فالشاعر جليل حيدر من سكان بغداد وهاجر منها إلى بيروت مع صعود الدكتاتورية وقيامها بمحاصرة المثقفين حيث تصدر الشاعر جليل حيدر مشهد الضد فهو شاعر الضد في تلك المرحلة التي تنحى فيها من تنحى وانحنى فيها من انحنى وباع فيها من باع، في ذلك المناخ المليء بالمخبرين كان جليل لا يتوانى عن الاعتراض الساخن على محاولة البعثيين السيطرة على الهواء الثقافي وتعليبه، وعرف مركز اتحاد الأدباء في ساحة الأندلس صرخات جليل حيدر في ذلك الزحام الذي تتقاطع فيه ضرورة البقاء مع ضرورة الأحتجاج،فأين الغرابة في هذا العنوان .؟ تسكن الغرابة في هذا العنوان في عودة الشاعر من مغتربه السويدي إلى مدينته بغداد من غير أن يحتفل به مثقفوها رغم علمهم بأن الذي تأسس من ثقافة عراقية أصيلة كان لجليل حصة ووثباته الشعرية والنثرية مازال يتنفسها راكبو قطار الأبداع، أليس غريباً أن تحتفل بغداد بلطام وتشيح بوجهها عن ألمع الذين دافعوا عنها وعن ثقافتها بالضد من أعتى دكتاتورية عرفها التاريخ القديم والحديث، ألم يكن جليل حيدر وجيله الستيني أصحاب النقلة النوعية في تاريخ الثقافة العراقية وعلى تنوع الأبداع وتعدد دروبه التي تقود إلى الحرية والتغيير، الحرية التي لم يفارقها جليل حيدر لا في الوطن ولا في المنافي وظل التغيير ومازال هاجسه الذي لا يحيد عنه . كانوا فرسان المدينة الراحل مؤيد الراوي وعناده المضيء وكان الراحل جان دمو بسرياليته الفاضحة وكان سركون بولص وانزياحاته اللغوية التي يدمغ بها ليل المدينة و:انه يتناوب مع العصافير، وكان فاضل العزاوي وهو يجر مخلوقاته في أزقة بغداد. وكان الراحل وليد جمعة وهو يخترق المدينة كما تخترق السكين الساخنة قطعة الزبد، وكان جليل القيسي وعوالمه المفتوحة على كل الاتجاهات، وكان الأب يوسف سعيد وهو يجمع تراتيل السماء مع تراتيل الأرض، كل هؤلاء وغيرهم يحملهم جامع الجذور جليل حيدر في كل عودة إلى بغداد، فكم ينبغي علينا أن نحتفل بقدومه وكم علينا أن نستثمر وجوده في بغداد كي نكنس الغبار من وجهها الحزين . راهننا الثقافي يشير إلى اهتزاز ثقافتنا بل يشير إلى تبدل في وجهتنا الثقافية وجليل حيدر وجيله وتجاربهم تضخ في الخطاب الثقافي الرصانة التي تبعد الاهتزاز والحداثة التي تمنع جيوش الظلام من تبديل وجهتنا الثقافية فأهلاً بجليل حيدر المواطن الكوني الذي يجمع الجذور .





