احمد جبار غرب
في دراسة لاحد الباحثين عن الذكريات الشخصية حول المكتبة المدرسية وتأثيرها في تنمية وعي الفرد وتطوره مبكرا سألني ما هي صورة المكتبة المدرسية لديك وانطباعاتك الذهنية الاولى عنها هل ساهمت في ثقافتك ووعيك وهل لعبت دورا في تقدم المجتمعات ؟حقيقة انا في طفولتي كنت مولعا بالقراءة الى درجة كبيرة وعندما اسلك الطريق نحو المدرسة الابتدائية واسمها مدرسة الواقدي كنت انتشل قصاصات الجرائد لا قرأها واعرف محتواها وقد تكون الثيمة الاساسية في هذا الجانب هو الحس المعرفي واكتشاف غير المعلوم لدي وتشعبت الفكرة وكبرت ونمت بحيث اصبح ولعا او عادة لا استطيع التخلص منها ومن هنا بدأت عندي هواية القراءة بشكل مبكر جدا وعندما كنا اطفالا كنا مهووسين باللعب والمزاح لاكتشاف ذاتنا او لتشكيل شخصيتنا وللأسف كانت المكتبات الموجودة بالمدارس تكاد تكون ترفا بالنسبة لنا وانا هنا اتحدث عن الابتدائية فبالكاد نستوعب مناهج دراستنا ولكن مع هذا يدفعنا الفضول لمعرفة ما هو خارج اسوار تلك المعرفة الاكاديمية الى المطالعات الخارجية ولكن العملية بحد ذاتها ايجابية لو اقترنت بفهم واضح وصريح للبيئة التي تحتضن التلميذ والمحيط الذي يعيش فيه حيث كانت مجتمعاتنا تعاني من انعدام العدالة وبالتالي وعدم وجود تكافؤ طبقي ووجود فئات غنية وفقيرة كل طبقة تكيف واقعها بناء لقوتها الاقتصادية فالفقراء دائما محرومون من ابسط مقومات الحياة بينما الاغنياء تفتح لهم كل الابواب رغم ان الفقير هو اكثر عطاء وسخاء والمكتبة تشكل ثقلا معرفيا وعلميا في ثرائه الفكري والمعرفي ولهذا التشجيع على تأسيس هكذا مشروع يعتبر فهما واعيا وناضجا لبلورة مفهوم المجتمع المثقف والمكتبة علينا ان نفهم وجودها وان نتعاطى معها بوعي دقيق فليس تكديس الكتب ذات القيم العلمية والفلسفية والتي تخضع لشروط المرحلة العمرية الضرورية مطلوبة في مدرسة تلامذتها صغار بالكاد يتعلمون القراءة علينا ان نوفق في اختيار المواد التي يقرأها وان نحدد قدرة استيعابهم ويستسيغها التلميذ حتى تتواءم مع مدركاته الحسية والشعورية لو احسنا صنعها من خلال تلك الشروط لصنعنا الانموذج المعرفي الناجح وفي المتوسطة تمكنت من تأسيس شخصيتي الثقافية عبر المطالعات والقراءات المثمرة لكثير من الكتاب العالميين والعراقيين والعرب ايضا وانتقلت من مرحلة القراءة والتشبع والنهم المعرفي الى مرحلة الانجاز والكتابة وخلق محاكاة في التصور والتفكير لموضوعات من الواقع عبر دروس الانشاء التي تعتبر بوصلة الطالب ومؤشر على اكتسابه للقدرات الثقافية وبالنسبة للمكتبة المدرسة لم تول ذلك الاهتمام الحيوي في واقعنا وانا هنا اتكلم عن التجربة الشخصية المتصلة بواقع كنا نعيشه ونتلمسه من قبل المنظومة التربوية العاملة في العراق فقد كانت مجرد قاعة للكتب تكاد تكون دار استراحة للمعلمين و المدرسين للأسف الشديد كان جل اهتمام المعلمين والمدرسين هو ان ينجح في اثبات قدرته التوصيلية للمواد الدراسية للطلبة وبالتالي يهمه جدا ان ينجح الطلبة في مادته الدراسية وهو غير معني بتأسيس شخصية واعية ومدركة لما هو خارج نطاق التخصص التربوي للتلميذ لأنه ليس باحثا اجتماعيا او انا اتصور بمقدوره ذلك للصلة الموجودة والارتباط الانساني بينهما ولكن بدأت الشعوب تدرك اهمية الكتاب والمكتبة وايضا يدخل عامل الاستقرار السياسي كجانب حيوي في توظيف الطاقات الخلاقة والانغماس المعرفي للمجتمعات واصبحت الثقافة حاجة انسانية ملحة وايضا اصبح الانسان بحاجة الى التعلم الكثير لتنوع بزوغ واقع حضاري جديد تتسيده المعرفة ولتشظي العوالم التي نعيشها وتنوعها وللأسف في مجتمعاتنا العربية لا يوجد استقرار سياسي ونعاني من الحروب والمشاكل الاقتصادية وبالتالي تحول انساننا الى مجرد الة صماء مستهلك غير منتج في الجانب الفكري او العلمي وفي رأيي الشخصي ان بناء الشخصية الواعية والمدركة والمثقفة في كثير من الاحيان يعتمد على الجانب الفردي الذاتي وليس من قبل الانظمة او المنظومات التربوية والتي تكرس ايديولوجيتها ضمن مفاهيم التعليم او تحاول الهيمنة الفكرية وبسط نفوذها على المجتمع بشتى السبل.





