علي علي
هلل العراقيون وطاروا فرحا وغبطة وسرورا يوم سقط صنم الدكتاتورية
والظلم والقمع ومصادرة الحقوق، وصورة سقوطه لم تغب عن بال من
عاشها واقعا أو من سمعها مناقلة على شفاه معايشيها، إلا أن الذي غاب
هو الفرحة والغبطة والسرور، وحل محلها الحزن والألم والامتعاض أضعافا
مضاعفة، وهي آخذة بالتزايد طرديا مع ما يفعله ساستنا في مجالسنا الثلاث،
وما تنتجه بنات أفكارهم وما تلوكه ألسنتهم وما تدلقه على صدورنا أيديهم،
من مشاكل وتداعيات أودت بنا وبالبلاد الى حيث لا يحسد عليه مخلوق على
وجه اﻟﻤعمورة. فقد حازت البلاد من جرّاء سياساتهم على الدرجات العليا في
الفساد.. فيما نالت الدرجات الدنيا في توفﻴﺮ أبسط حقوق اﻟﻤواطن.. وشكا
من سوء تخطيطهم القضاء والتعليم والطب والصناعة والتجارة والزراعة،
وكذلك السياحة والعمران والبنى الخدمية التحتية، وتجمهرت الأكف والأيدي
العاملة باحثة عن لقمة تسد رمقها في “مسطر” او شركة أهلية تشكو
بدورها فقدان السيولة النقدية وجمود حركة العمل في البلاد، ونتج عن هذا
كله كساد وفقر ونكوص حاد في مستوى البلد الاجتماعي والاقتصادي، فضلا
عن الأمني.
وقد عرف اﻟﻤواطن نقاط الخلل في اﻟﻤعادلة، تلك اﻟﻤعادلة التي وضع طرفيها
بطيبة قلبه في صناديق الاقتراع ثلاث مرات، ولم يدُر في خلده أنه سيلدغ من
جحر استأمنه يوما، لاسيما وأن تركات العقود اﻟﻤاضية أبت الرحيل مع
الراحلﻴﻦ، ومازالت بصمات الغدر والنكول وغمط الحقوق شاخصة في من
أخلف اﻟﻤتسببﻴﻦ بها سابقا، فالخلف اليوم في سدة الحكم ليسوا بأحسن
من السلف الغابرين بشيء، ولاهم أقل شرا وأبعد شررا من اﻟﻤقبورين، فهم
أكملوا اﻟﻤشوار الذي انقطع عنه اﻟﻤسيؤون، فجاءوا بالأسوأ من الأفعال،
والأردأ من ردود الأفعال. ولاأظن أحدا من العراقيﻴﻦ ينسى ماقالته مواطنة
عراقية تفترش (بسطية) بسيطة جدا، حﻴﻦ سألها صحفي يقوم باستطلاع
آراء الشارع العراقي قائلا: “حجية شنو رأيچ بصدام وبالسياسيﻴﻦ اليوم؟”
أجابته حينها بمرارة وألم تحمله العراقيات جميعهن: “والله يايمه صدام
وجهه أسود لكن ذولي بيضوا وجهه”..! بإجابة هذه العراقية الحرة مختصر
مفيد عن هول مافعله حكامنا بعد تسنمهم زمام أمر البلد خلفا للمقبور،
والشاهد على كلامها من أفعالهم حي ويومي وتفصيلي في أركان حياة
العراقيﻴﻦ جميعا.
وفي الحقيقة، فإن اﻟﻤواطن حاول بطرائق سلمية، واتباع أٌقرب السبل وأكثرها
أمانا -حسب ظنه- لتغيﻴﺮ شيء من أوضاع بلده، وقد كان تكرار تجربة
الانتخابات بعد أربع سنﻴﻦ من التجربة الأولى خﻴﺮ فرصة له، لعل اختياره هذه
اﻟﻤرة يأتي له بما ينصفه ويضمن حقوقه، إلا أنه كرر الخطأ ذاته مثنى وثلاث
ليس لقلة وعيه، بل لدهاء اﻟﻤرشحﻴﻦ الذين خدعوه بأفانﻴﻦ ماأتت به أفكارهم
الدنيئة، بعد أن رسموا على وجوههم صبغة النزاهة والأمانة والعفة، وهم
بعيدون عنها بعد مشرق الأرض عن مغربها، وصح فيهم قول الإمام علي
عليه السلام:
إن الأفاعي وإن لانت ملامسها
عند التقلب في أنيابها العطب
والأمر حتى اللحظة لايعدو كونه سوء اختيار، وضعفا في استقراء الأحداث
قبل وقوعها، أو هو عدم نضج قوة الفراسة وملكة التخمﻴﻦ التي كان على
الناخب التحلي بها في انتقاء شخص الحاكم واﻟﻤسؤول، لكي يتفادى أخطاء
من سبقوه، ولايقع في حبائل الخديعة في الآتي من السنﻴﻦ.
إن التجربة الرابعة قادمة بعد حﻴﻦ، وغدا لناظره قريب، لكن، هذه اﻟﻤرة
سيكون الخطأ في اختيار اﻟﻤسؤول-إن وقع- مدمرا، ولن يرحم الظرف
اﻟﻤخطئﻴﻦ لو لدغوا للمرة الرابعة من الجحر ذاته، فساعتها سيصح فيهم
بيت الدارمي:
عالعگرب تعنيت بيدي لزمتهه
حيل وبعد وياي هاي الردتهه





