عدنان الفضلي
بعد اعصار نيسان الذي اطاح بالدكتاتورية كنا نسمع اخباراً لا تسر عن مدينة هيت ، حيث جاسها الارهاب في عمقها واحتلتها عصابات القاعدة لتحيل ذلك الجمال الذي كانت تمتلكه الى وجه اخر لا يليق بهذه المدينة الخضراء حد الجنون ، فقد عاثت تلك العصابات بالمدينة فساداً ، وجردت اهاليها من كل طقوسهم وثقافاتهم قبل ان تندحر القاعدة امام صمود اهالي هيت المنتمين كلياً للعراق .وقبل خمس سنين سنحت لي فرصة عظيمة لزيارة هذه المدينة ، فوجدتها وقد استعادت بهجتها وخضرتها ، واستعاد الفرات ضيوفه عندما احتشد المئات من الادباء والفنانين ليحيون مهرجان هيت الثقافي الثاني ، فاحتفلوا بالمدينة ونهرها وناسها اولاً ، ثم احتفلوا بالثقافة والعلم والفنون ، في واحدة من اكبر التظاهرات الثقافية التي شهدتها المدينة . ما ميّز زيارتنا تلك ، ان اهالي هيت كانوا اكثر منا سعادة وهم يرون وجه مدينتهم البهي والحقيقي وقد ازدان بالثقافة من جديد ، فقد كانوا واينما نصل يرددون علينا تلك المفردة الانيقة الدافئة (حيّوا) وهي مفردة ترحيبية تخرج من العمق ، وكلما سمعتها من ابناء هيت اشعر بان الدمع يكاد يطفرّ من عيوني فرحاً . حيّوا .. سمعتها من عائلة ( آل عبد الرحمن الهيتي جميعاً ) وكانت اكثر عذوبة وانا اسمعها من الرجل الطيب (شوكت) صاحب الاسطبل ، الذي اصرّ ان يستضيفنا ليومين متتاليين ، ليقدم لنا الكرم العراقي بابهى صوره ، ومثله كان يقول ويفعل صديقنا الرائع (ابو ارز) الذي فتح لنا بيته مشرعاً ، ومعه اولاد شقيقه الراحل ، وكم امتعتنا ونحن نستمع لها من رفاق سهراتنا الليلية ابناء هيت الكرماء. حيّوا كانت جميلة ورائعة وانا اسمعها من الزملاء الشعراء والاعلاميين في المدينة ،ليس لمعناها وحسب وانما لدلالاتها التي عشنا تفاصيلها منثورة في الشوارع والازقة الهيتية ، فقد امتنع جميع من تسوقنا منهم ان يأخذوا منا مبالغ مقابل ما نشتريه ، فبائع التمر اقسم علينا باغلظ الايمان ان يكون ما اشتريناه منه هدية باسم الهيتيين ، ومثله يفعل صاحب المقهى القريب من مقر البيت الثقافي . حيّوا اقولها لكل هيتي التقيته او لم التقيه ، وحيّوا اقولها لكل من كان معنا يشاركنا فرحتنا بمدينة لطالما عشقناها دون ان نراها عن كثب ، فقد كانت حبيبتنا وتسكن قلوبنا بصورها المدهشة وطبيعتها الخلابة وطيبة اهلها وكرمهم الذي غرقنا به حد جباهنا التي تعرقت خجلاً من هذا الكرم ، فتحية لهم جميعاً وفي كل يوم ..اولئك الذين عكسوا لنا الوجه الحقيقي لمدينة هيت وساقول لهم حيّوا حين يكونون في بغداد او الناصرية ، علّي ارد لهم ولو الجزء البسيط من كرمهم . وختاماً اتمنى اليوم ان اعود الى تلك المدينة العظيمة بناسها وارضها، اعود اليها وقد استعادت بريقها والقها مرة ثانية عندما يخسف الله الأرض بالدواعش وحواضنهم الخونة الذين لوثوا ارض وسماء اجمل مدينة عراقية شاهدتها، نعم اتمنى ان اعود باسرع وقت الى تلك المدينة وناسها لأسمع كلمة حيوا من جديد.





