نايف ثامر الكعبي
على قلة السنوات التي جلست فيها على رحلة المدرسة تلميذا والتي اضطررت أن أتركها فيما بعد تحت حكم الرغيف القاسي.كانت لي فيها ذكريات لا تنسى.لها طعم الصاب. فسنوات الدراسة أمضيتها بين كدح لا يرحم سعيا وراء الرغيف ومن الذكريات التي لا تنسى والتي حفرت تضاريسها في ذاكرتي: بتأريخ 15 /2 /1963بعد انقلاب شباط السود استأنفنا الدراسة في مدرستنا (النجاح الابتدائية ) بعد عطلة نصف السنة أذ كنت في الصف السادس الابتدائي وعقب الانقلاب الذي استشهد فيه الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم.لقد لاحظت في ذلك الصباح الحزين حدوث أمرين أثارا دهشتي واستغرابي: أولهما حرماننا من التغذية المدرسية التي أمر الزعيم بها لتلاميذ المدرسة في صرايف العاصمة للفقراء حصرا والتي استمرت جارية حتى بعد انتقالنا من الصرائف التي أمر الزعيم بإزالتها وانتقالنا الى مدينة الثورة. حيث منحنا أراضي فيها بنينا عليها دورا سكنية تليق بالإنسان ومما أذكره بهذا الشأن أننا كنا نخرج من بيوتنا طاوين خمصي البطون فنجد الإفطار في المدرسة جاهزا.متضمنا الحليب الساخن ،اللبلبي ،التفاح ،الموز وهذا كله نفتقده في بيوتنا.الأمر الآخر الذي أدهشنا.هو دخول معلم العلوم ( ت)الالوسي الى الصف ببزة عسكرية وفي وسطه مسدس ورشاشة أسندها الى جدار الصف عند دخوله.وأمرنا بصرامة قائلا :
– أخرجوا دفاتركم وضعوها على الرحلة
استغربت لم يقل دفتر العلوم.قلت في نفسي :لعله يريد أن يرى نظافة الدفاتر وتنظيمها
أخذ يتفرس بصرامة بغلاف كل دفتر. وكان بين الفينة والأخرى يقرع أحد التلاميذ بعصاه على رأسه ويوعز له بالوقوف أمام التلاميذ حتى كاد أن يوقف أغلب تلاميذ الصف.كان أخو المعلم يجالسني على الرحلة ورأى قلقي وتململي،فنظر في دفاتري وقد عنيت بتجليدها. فهمس في أذني مطمئنا : – لن يوقفك ..لا تخف!!
مر المعلم قربي وأنا أبلع بريقي واجف القلب.لمح دفاتري ثم تجاوزني..أتم النظر في الدفاتر ثم أعطانا ظهره, واجه التلاميذ الواقفين وسألهم:
– تعرفون لماذا وقفتكم ؟
هتفوا :- لا.. أستاذ
– دفاتركم فيها صورة الدكتاتور قاسم
دون وعي مني همست مندهشا وقد تكدرت ملامحي :- آآآه
سكت هنيهة وهو يمشي في الصف ثم قطع صمته منبها:
– من أجده قد وضع صورة قاسم في دفتره سأطرده من المدرسة وألاحقه في بيته ثم ختم تحذيره وقد أحمر وجهه من الغضب :- سمعتم
– … لم يجبه أحد
أعاد تحذيره صارخا : – سمعتم ؟
هتفوا مذعنين:- نعم..أستاذ
علت همهمة ودمدمة استياء
– أجلسوا
لقد احتدم الغيظ في الصدور وغلت الدماء في عروقنا اليافعة،لأن هذا المعلم لا يعرف صلة الزعيم الحميمة بالفقراء وهو كما أخبرنا من قرية حدودية في المنطقة الغربية كان يحدثنا عنها بزهو يقول نحن نثبت يافطة في حدود قريتنا نكتب فيها : هذه حدود الجمهورية …المتحدة.فكان يثير استياءنا وسخريتنا ونقلب شفاهنا ونحن نتبادل النظرات فيما بيننا ،لكن نحرص الا يرانا لأنه يعاقبنا.الذي يشغل أذهاننا ويقلقنا على حداثة أعمارنا هو متى يوزع الرغيف على أكثرية الفقراء توزيعا عادلا،دون أن يضطروا أن يخوضوا صراعا ضاريا في سبيله مع قلة متخمة تتملكها الأثرة والجشع وحب التسلط .بعد الانتهاء من تفتيش الدفاتر مر خاطر على ذهني فقلت في نفسي :
– قد يلتمس هذا المعلم أو سواه صورة الزعيم في دفاترنا أو بيوتنا فيظفر بها ويمزقها ،لكن أبوسعه أن يظفر بها وهي ثاوية في القلوب؟
فهززت رأسي نافيا قدرته على ذلك.تبدو على أخي المعلم البلاهة.فسألته بعد ذلك الحادث بأيام :
– هل ترون الزعيم في القمر مثلما نراه في الليل ؟.
سكت،عندما رأيته يحملق بي غير مصدق.أردفت وهو لا يحول عينيه عني:
– عندما يرانا يبتهج ويلوح لنا بيده مثلما كان يلوح لنا وهو يتجول في أزقة الميزرة والعاصمة المتربتين.
جحظت عينا التلميذ وفغر فاه وظن أنني قد مسني طائف من الجن.بان عليه الخوف.جمع كتبه وبعجالة قفز الى رحلة أخرى بعيدة عني وجلس عليها.وبين آن وآخر يلتفت نحوي دهشا





