عدنان الفضلي
يخيّل لمن يسمع او يتابع فاضل المياحي شاكر وهو يحتفي بالجمال ان هذا الرجل لا يحمل هماً، ولم يتأثر بسحنة الالم التي تجتاح تضاريس الوطن من اقصى جنوبه الى اقصى شماله.
لكن من يتعمق في رصد الحانه وسبر اغوار اغنياته الوطنية سيجد فيه انساناً، يتسكع في شتى بقاع الوجع العراقي حاملاً حزنه الذي لم يرتض به صامتاً، يلامس به خاصرات الوطن علّه يزيل عنها اثر الخناجر، ففي مجازات النصوص التي يتعامل بها ومعها يقفز الوطن الاخضر ليعبر ضفة الهم محتفياً بامل مازال يراود صدغيه، وفي تجلياته اللحنية والغنائية ثمة ثلج يشبه بعض شيب رأسه غير الموغلة بالبياض.
هو وريث وصايا الجنوب، وصاحب قصر الهدوء حين يخلط اللونين (الشعبي والفصيح)، ودائماً ما يلبس رعية قصره من المتلقين والمتذوقين للجمال المداف بندى سومرياته .
فاضل المياحي يجيد العوم في انهار المفردات الموسيقية لذلك نراه يرافق مجرى جميع انهار العراق، فتارة نراه قريباً من زقورة اور، وتارة نلمح طيفه يمرق باتجاه شط العرب، وفي انتقالاته لم يترك (المياحي) بقعة يابسة الا وترك فيها اثراً يتبعه عبره شعراء الاغنية من دون ان يرافقهم الغاوون، وفي خلجته المخبأة ابداً بين سنديانة واخرى نجد احلام الفقراء تتحول الى نوتة شعرية ترسمها انامل المياحي بحرفة المتيقن من قطرات مطره، فهو ومن خلال انثيالات روحه يضمد العثرات باكمام آلته، ويرش عليها ماء السعادة الذي يحمله بدلو الصدق.
فاضل المياحي خيمة متنقلة، تحرص على استضافة كل من سحبت منه اجازة الاقامة في وطن الطرب والشعراء، فهو الباحث دوماً في صناديق الدنيا عن اوطان منفية مزقت الغربة قمصان انتمائها من قبل ومن دبر، فيعمد الى توزيع كسوة من موسيقى يغلف بها اجساد تلك الاوطان، ومن خلال خطوات بحثه تلك نصل نحن ايضاً الى مناطق اشتغال لم نكن لنعرفها لولا كساء هذا الجنوبي المجنون برائحة الوطن.
فاضل المياحي، ترنيمة حزن مرمية في طريق شحّ عدد سالكيه، فصار موحشاً يكتنفه ظلام لن يتبدد من دون بث شحنة من وفاء عبر منظومة الرجل السومري المعمّد بماء فراتين يسايرانه اينما شخص بصره الثاقب لكرات الصمت.
فاضل المياح : حقل ومحراث وغيمة، فمن يريد زراعة النبض عليه طلب اللجوء الى قلب هذا القادم من جنوب السحر والشعر والخمر والفجر والخير، ليحصل على موسم عطاء يتناسل كما موسيقاه الغارقة بالندى والمضمخة بعطر جنوبي ورثه من صندوق جدة له كانت تقص عليه اجمل القصص.





