داود سلمان الشويلي
للقصيدة العامية العراقية تاريخ طويل في نقل تجربة الانسان الحسية ، والشعورية ، والذهنية ، والمعنوية ، وصبها بواسطة الكلمات في قالب شعري باللهجة العامية العراقية التي خرجت من امها اللغة الفصحى واستقلت عنها ، فباتت لها قواعد واسس ومقومات ، وراحت تعبر عن المشاعر والاحاسيس ، وتصور لنا ما في مخيلتنا من صور شتى .
ان اللهجة العامية العراقية اصبحت ترسم بكلماتها ما يجيش في صدورنا واذهاننا ، وتصور ما مرسوم في مخيالنا من صور شتى يقدمها هذا المخيال المتصور لاحاسيسنا ومشاعرنا.
وقد كانت البحور الشعرية واوزانها المتعددة هي القالب الذي تصب فيه هذه الكلمات التي ترسم كل تصوراتنا ، افراحنا ، الامنا ، تطلعاتنا ، مشاعرنا ، واحاسيسنا .
والهزج بحر شعري من ضمن بحور الشعر العربي ، وهو وزن له الكثير من المجزوءات ، ولا يستعمل الا مجزوءا ، وسبب تسميته بـ ( الهزج ) ان العرب كانت تغني به ، او لتردد الصوت فيه .
و وزنه :
مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن
مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن
والتقطيع العروضي له :
وقد كتب على مجازيئه شعر عامي كثير ،كانت ” التجليبة ” من اهمها ،حيث سميت بهذا الاسم لان اول قصيدة عامية كتبت على مجزوء هذا الوزن في العراق كما تذكر المصادر هي قصيدة كتبها الشاعر العامي حسن العلكاوي، الذي عاش في محافظة صلاح الدين في منتصف القرن التاسع عشر ، ويقول فيها :
لجلبنك يليلي الف تجليبة
تنام اهل الهوى وتكول مدري به
حيث يبدأها بلفظة ( اجلبنك ، و تجليبه ) اي اقلب فيك ، لهذا سمي هذا الوزن بـ ( التجليبة ) .
يغنى هذا الوزن في العراق على لحن ( الهجع ) وهو لحن راقص على الرغم من ان اكثر القصائد التي تكتب على وزن ( التجليبه ) حزينة .
وجاء ” الهجع ” في لسان العرب بمعنى :
((هجع : الهجوع : النوم ليلا . هجع يهجع هجوعا : نام ، وقيل نام بالليل خاصة ، وقد يكون الهجوع بغير نوم .)).
حيث تأتي هذه اللفظة كلازمة بعد غناء كل شطر من البيت مع تنغيم راقص على نغم ” الهجع ” وتلفظ هذه اللفظة بالجيم المثلثة الفارسية ، ومعناها هو ” نام “.
في سطورنا هذه سنتناول احدى القصائد العامية التي لاقت شهرة كبيرة ، وغنيت منذ عام 1956 ، وهي قصيدة ( يَـ كاظم مهجة الهجران عادمها ) القصيدة التي اول من غناها المطرب الشعبي حسن حياوي على نغم ” الهجع” الذي ميزانه : ( دم ، تكتك .. دم تكتك )، ثم اداها المطرب العراقي الكبير داخل حسن ، ومن بعده المطرب حسين نعمة .
والقصيدة هي للشاعر العامي ” ملا جابر الملا عباس ” من منطقة غماس ، كتبها الى صديقه كاظم كاطع في خمسينات القرن الماضي ، او اسبق من ذلك .
يصف الشاعر في قصيدته هذه جمال وحسن حبيبته ، وقد وصفها باوصاف ملامح الجمال الانثوي المطلوب وقتذاك ، فهي تشبه الشمس بهاء،ونورا :
الشمس حلت بغرتها وضياها ايــنــور لجن ليل الصدغ بالعكس يــظــلـمـها
وحاجبيها كالاقواس :
سهم عينه انتصب وانتصب بيه الشر ومن كًـوز الحواجب من يصل يمها ؟
وشعرها اسود كالليل ، وفمها ( ثغرها ) صغير مستدير كالمحبس :
الثغر محبس وحكًـ صورة برة وابجـد وازيـدك من شـراب الـمـاي مـحـرمها
ونهديها كفنجان القهرة ، كاعبان نابضان :
حي حـلـو المعاصم والنهـد فــنجان ودعي من الصحيح مشذر بمرجان
وردفها كبير وثقيل ،وهذا علامة على امتلاء جسمها :
او لو كًـامت يـكاظم تكًـع ماكو امعين شما تنهـض ثـجـيـل الردف لازمـهـا
كما قال الشاعر النابغة الذبياني:
مخطوطة المتنين،غير مفاضة
ريَّا الروادف ، بضّة المتجرّد و ساقها تملأ حجلها ، مما يدل على عيشتها الهنية والرخية في كنف عائلة غنية ، ارستقراطية:
الحجل بالساكًـ لا يصعد ولا ينزل
تــارس وبشحـيـح الجدم مكرمهـا
واذا شاهدها احد رجال الدين وهو يصلي يترك الصلاة حتى تذهب عنه فيصلي قصرا .
او لو عالم يراها وداخل التكبير
يـتـرك قـبـلـتـه وجـبـراً يكـلمها
مثلما قال الشاعر ربيعة بن عامر الدارمي الملقب بالمسكين:
قل للمليحة في الخمار الأسود
مـــاذا صـنـعــت براهب مـتـعـبـد
قـــد كـــان شـمــر لـلـصـلاة ثيابـه
حتى وقفت له بباب المسجد
ردي عـليـه صـلاتــه وصـيـامــه
لا تـقـتـلـيــه بـحــق دين محمـد
في هذه القصيدة يتبين للمتلقي المعرفة الدينية الاسلامية للشاعر ،اذ انه ” مله ” ، أي ان له علاقة بالدين الاسلامي ، فهو من رجاله ، حيث يذكر سورا كثيرة ، مثل : براءة ، الرحمن ، ويذكر كذلك قصة النبي سليمان :
ختم قرطاس صدره بصورة الرحمن وبــخـتـم الـنـبـي سـلـيـمـان خـاتمها
وكذلك قصة يوسف ومريم .
الحسن من يوسف ومن مريم العفة
بهوه لـيـلى العله مـجـنـون مغرمها
ان القصيدة مليئة بالحزن الشفاف الجميل على الحبية الغائبة .
يتحدث الشاعر في قصيدته هذه عن حبيبه ( حبيبته ) بصيغة المذكر مرة ، حيث يتحدث عن ( الجان سلوى الها وينادمها ) ، وربما يريد به مونثا ، وهذا اسلوب سار عليه الشعر، فصيحه وعاميه منذ الشعر الجاهلي الى الان ، إذ اغلب الشعراء يخاطبون المحبوب بصيغة المذكر ، وربما استعمال هذه الصيغة جاءت لخشية الشاعر بان تعرف محبوبته ، او لالتزامه بعدم ذكرها ، او لشيء اخر .
الا انه ينسى انه تحدث بصيغة المذكر عن حبيبه فيذكره مرة اخرى بصيغة المؤنث فيقول (عكًـب اغذاي من رشفة مباسمها) ، حيث يذكر المباسم وهي ( الشفتان عندما تبتسم ) بصيغة المؤنث.
ويعود مرة اخرى ليذكره بصيغة المذكر ، فيقول : (على ولفي ودليلي) .
ويتراوح مرة واخرى بذكر حبيبه بصيغتي المذكر والمؤنث ، وهذا التراوح مرده كما ارى الى اسباب عديدة ، منها :
– انه يريد التمويه عن حبيبته .
– قول الشعر هو الذي يدفعه الى استخدام الصيغتين.
– نسيان الشاعر وهو يكتب قصيدته الصيغة التي استعملها .
القصيدة
القصيدة تنسب الى الشاعر العامي عبد الامير الفتلاوي ، الا ان الشيخ علي الخاقاني في الحلقة العاشرة من كتابه فنون الادب الشعبي ،– ص 26 ، يذكر ان مؤلفها هو ” الملا جابر ” ، وبهذا وثق الخاقاني مرجعية القصيدة لمؤلفها الاصلي ” الملا جابر ” والخاقاني خبير في الشعر العامي العراقي .
يـ كاظم مهجتي الهجـــــران عادمها راح الجان سلوى الها وينادمها
***
راح الجان بيه الكًـلب يسله الداي
راح وراح شوفي وكثر نوح ابجاي
وحكًـ الزاد ما لذ زاد الي ولا ماي
عكًـب اغذاي من رشفة مباسمها
***
ذاك اغذاي جان وحيف مني راح كـمت ازفر واصك الراح فوكًـ الراح
اخبرك صاحبي اتبره وعدوي ارتاح
من شاف الـنــوايـح يـــدكًـ مـاتـمـها
***
يشتد ماتمي وبيت العزه منصوب
على ولفي ودليلي والعكًـل مسلوب
يكاظم ناحلة روحي بزفيري اتذوب
وصارت ببرة الخندوس تلظمها
***
روحي تذوب اه واه جسمي انحيل
عني راح ولفي ولا بكًـالي حيـــل
عنه تريدني العذال كًـلبي ايميل
شلون وصورته بحشاي راسمها
***
بدليلي صورته من الجهل مطبوعـة
شلون اترك حبيبي الحلــــو منبوعة
معاني اهل الحسن بس بيه مجموعة
يجل القلم بوصافـه من اترجـمـهــا
***
عكًـلي امن ارد اوصفها بوصفها يحور
جـبـيـن وجعد مـا والله التـكًـن بالـحـور
الشمس حلت بغرتها وضياها ايــنــور
لجن ليل الصدغ بالعكس يــظــلـمـها
***
لــيــل الصدغ يظلمها وفجر ينطر
من خده شعـــاع الشمس يــطـشـــر
سهم عينه انتصب وانتصب بيه الشر
ومن كًـوز الحواجب من يصل يمها ؟
***
خطر واليعرض بنفسه اعلى دمه ايدوس
او من عمره اليرشكًـة النبل رد مايــوس
جـــذب يــحــصــل مثلها بجنة الفردوس
غــريـبـة اوصـافـهـ وزيـها وعـلايـمـها
***
علايــمها غريــبـة او وصف ما يوجد
او عــجد عرنينها من مثمن العسجـــد
الثغر محبس وحكًـ صورة برة وابجـد
وازيـدك من شـراب الـمـاي مـحـرمها
***
محرمها شراب الماي ما تـكًـدر
حـلـو زي المباسم ليلو مسطــر
وجيد الها اعلى جيد الريم يتفخر
حلوة اعضودها ولفة معاصمها
***
حي حـلـو المعاصم والنهـد فــنجان
ودعي من الصحيح مشذر بمرجان
ختم قرطاس صدره بصورة الرحمن
وبــخـتـم الـنـبـي سـلـيـمـان خـاتمها
***
خــتـم تـاريخ طـره مفركًـ انهودة
وحكًـ مصحف جبينة واية خدودة
الموسط يكــاظـم فــتـــر وشهودة
ريح الـــصـبا بالـتـنـسـيم يجسمها
***
من ريح الهوه تـنـثـنـي اتميل اتلـين
ومن ضعف الموسط تنجسم نصيـــن
او لو كًـامت يـكاظم تكًـع ماكو امعين
شما تنهـض ثـجـيـل الردف لازمـهـا
***
من ثكًـل الردف يصعب عليها اتكًـوم
جـمـيلة مـعـدلة حلــوة طـبع ورســوم
يـكاظم غـــالـيـة محرم عليها الســوم
مـــــا واحــــد كًــدر والله يــقــيـمـهـا
***
جــيـف ايسومها وبالجعد تتعثر
ومن عدها يفوح المسج والعنبر
وتطريز الصفاح بشذر ينفي الشر
بزي دكًـ النسه الرحمن نـاظـمها
***
ناظمها الإله بغاية التصوير
مليحة وسالمة التقديم والتأخير
او لو عالم يراها وداخل التكبير
يـتـرك قـبـلـتـه وجـبـراً يكـلمها
***
يكلمها بخضوع ومن ضياها ايذل
مــعـدلـهـا الـكـريـم بـقـدرته اتعدل
الحجل بالساكًـ لا يصعد ولا ينزل
تــارس وبشحـيـح الجدم مكرمهـا
***
مكرمها بــشحـيـح الجدم ومسجـفه
وممدوح الجمال امتلت من وصفه
الحسن من يوسف ومن مريم العفة
بهوه لـيـلى العله مـجـنـون مغرمها
***
بهوه ليلى انصبت عين وصرت مجنون
واصحاب الرخـــه بالضـيـج يـتـبـــرون
اصيح الــعــون محد كًـال اجاك الـعـون
وهذا الغاثــنـي ولـعـضـاي سـاكًــمـهــا
***
سـكًـم اعضاي من نوحي ونحيبي اوحيد
جبدي انصاب وادري دواي عني ابعيد
داي الصاب جسمي شلون داي امجيــد
هــدم صبري وسويـــده احشاي ململها
***
يكاظم بالسويده الولم واعمه العين
يكاظم راح ولفي منين اجيبة منين؟
هـا روحي ثلث تيام هــا يـــومــيـن
هــا كًــبل الفـجـر يـكًـرب مـحـتـمها
***
وقد نظم الشاعر كاظم الرويعي قصيدة على هذا الوزن غناها الفنان سعدي الحلي ، تقول كلماتها:
غفه رسمك بعيني من الصبه لليوم … واطيوفك اضيوفي بصحوتي والنوم
نذرت العمر بدروبك واكَول اتدوم … ماظنيت عشكَك عشك ليله ويوم
وتبقى هذه القصيدة علامة مضيئة في سماء الشعر العامي المكتوب على الطريقة العمودية ، إذ ان الكثير من القصائد العامية العمودية لم تصل الى ما تحمله هذه القصيدة من فكرة ، وموضوع،ومن صور شعرية جميلة ،ومن حزن شفيف على فقد المحب.









